الرسم: (Rahma Cartoons - كارتون موفمينت)
بينما ينتظر السوريون سيل «الانفراجات» التي تعد بها السلطة المؤقتة عبر مشاريع استثمار مليارية، جرى توقيع «تفاهمات» حولها خلال الأسابيع القليلة الماضية، بما فيها تحسن التيار الكهربائي مع وصول «الغاز الأذربيجاني» الموعود، تتزايد الصعوبات الاقتصادية والأمنية وحتى المعيشية في بلد مدمر.
مع استلام الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، للسلطة، تحدثت إدارته أكثر من مرة عن الأضواء المسلطة على سوريا باعتبارها «ترند». هو نفسه تطرق إلى الفكرة خلال اجتماع مع وزراء حكومته نهاية أيار/مايو الماضي، داعياً إلى «استغلال هذا الترند».
ترسم تصريحات المسؤولين وسياساتهم المستمرة خطأً واضح المعالم يسهل تتبعه، يقوم بشكل أساسي على تقديم وعود وردية للجماهير لا يسهل الوفاء بها، على وقع تصفيق مستمر من شعب يتمسك بخيوط أمل «سوريا الجديدة» التي يحلم بها.
من تلك الوعود؛ زيادة الرواتب بنسبة 400%، وضرورة تطوير مؤسسات الدولة، وتغيير آلية عملها، وتحسين ترتيب سوريا العالمي على مختلف الصعد، وفق ما وعد به الشرع خلال لقاء مع «اليوتيوبر» جو حطاب، بعد أسابيع قليلة من تسلمه السلطة.
أثار استقطاب الإدارة لمؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي (إنفلونسرز) جدلاً في المجتمع السوري، خاصة بعد السماح لهم بالتجول في قصر الشعب والمراكز الأمنية، والاطلاع على وثائقها الرسمية. هذا الجدل طُوِيَ مع ظهور موجات متدفقة من «الترندات» التي لا تزال تغزو وسائل الإعلام السورية، في ما يمكن اعتباره نهجاً واضحاً لسياسة الإدارة الإعلامية، واستمراراً لنهجها عندما كانت تحكم إدلب، تحت عباءة «هيئة تحرير الشام».
ديوان «الترندات»
انفجرت كثير من «الفقاعات» في وجه صانعيها خلال موجة الترويج للاستثمارات المليارية في سوريا، بعد أن نوقشت بشكل مستفيض. ثبت وجود شركات تكاد تكون وهمية في هذه الموجة، إلى جانب عدم توافر بنية اقتصادية وسياسية وأمنية وقانونية تسمح بإقامة هذه الاستثمارات. ويكشف تتبع مسار معالجة القضايا المجتمعية من قبل المؤسسات الحكومية عن طغيان المعالجة الفورية والسريعة للمواضيع التي شغلت اهتمام المجتمعات الافتراضية، على حساب قضايا عديدة أخرى لم تحظَ باهتمام كافٍ.
يدفع هذا السلوك بشكل متزايد نحو ترسيخ الشرخ بين المجتمع ومؤسسات الدولة، والحاجة لوسيط قوي يمكنه صناعة «ترند» يحوّل المظالم إلى قضايا عامة
يمكن لإثبات هذا المسار ذكر عدد كبير من الأمثلة، بينها الإعلان عن القبض على الخلية التي هاجمت كنيسة مار الياس في حي الدويلعة بدمشق بعد أقل من 24 ساعة على ارتكاب المجزرة، وعلى مرتكبي جريمتي قتل الناشط كندي العداي في دير الزور والفنانة ديالا صلحي الوادي في حي المالكي الدمشقي. في حين لم يظهر رد فعل مماثل على عشرات جرائم القتل التي تُرتكب في مناطق ريفية بعيدة عن الأضواء (مثل ريفي حمص وحماة)، والتي يجري تجاهل وقوعها حتى على المنصات الإعلامية الحكومية، أو المقربة من السلطات الانتقالية.
يرسّخ هذا المسار سلوكاً انتقائياً في معالجة القضايا الأمنية، مقروناً بعمل تبدو آثاره واضحة يهدف إلى «تمييع» الكثير من القضايا التي يتم إنكار حدوثها (مثل حوادث خطف النساء العلويات)، أو تحريف وقائعها والإعلان عن معالجتها (كقضية الأخوين ملص).
يدفع هذا السلوك بشكل متزايد نحو ترسيخ الشرخ بين المجتمع ومؤسسات الدولة، والحاجة لوسيط قوي يمكنه صناعة «ترند» يحوّل المظالم إلى قضايا عامة، أملاً بمعالجة المشاكل من قبل السلطات التي لا تخفي هوسها بمواقع التواصل الاجتماعي.
رأي «حكيم الزمان» في «الترند»
شكّل الذكاء الاصطناعي خلال الشهور الماضية حالة «ترند» عالمية، مع طفرة إنتاج منصات خاصة به، والتسابق بين الدول والشعوب على فهمها واستعمالها.
سألنا «شات جي بي تي»، أحد أهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي وأكثرها شهرة، عن رأيه في «الترند» واستعماله في إدارة الدول ومخاطر هذا الاستعمال، فكان جوابه:
عندما تعتمد الحكومات أو صناع القرار بشكل مفرط على الترندات في توجيه السياسات أو اتخاذ القرارات، تظهر مخاطر عدة:
- قرارات انفعالية وقصيرة الأمد: الترندات غالباً مؤقتة وعاطفية، فإذا اتُّخذت قرارات استراتيجية بناءً عليها، قد تصبح هذه غير مستدامة أو متناقضة مع المصالح بعيدة المدى.
- تضخيم قضايا غير جوهرية: قد يحظى موضوع هامشي باهتمام مبالغ فيه، بينما يجري تجاهل قضايا استراتيجية أكثر أهمية.
- سهولة التلاعب بالرأي العام: يمكن لجهات داخلية أو خارجية خلق «ترندات» مصطنعة (Fake Trends) عبر حملات منظمة، مما قد يوجّه السياسات في اتجاه يخدم مصالح تلك الجهات.
- الإضرار بصورة الدولة ومصداقيتها:إذا ظهرت الدولة وكأنها تلهث وراء مواضيع «الموضة السياسية» بدلاً من اتباع خطط مدروسة، قد تفقد هيبتها وثقة المواطنين.
- زيادة الاستقطاب والانقسام الداخلي:بعض «الترندات» تضخم الخلافات المجتمعية وتغذي الاستقطاب، ما قد يؤثر على الاستقرار السياسي والاجتماعي.
أيضاً سألنا «شات جي بي تي» عن دراسات علمية تؤكد تحليله حول مخاطر «الترند»، فأجاب:
- المراجعة الشاملة لتأثير الإنترنت ووسائل التواصل على السياسة: عنوانها «Political Effects of the Internet and Social Media on Politics»، وتغطي جوانب مثل الانتخابات، الاحتجاجات، الأخبار المزيفة، الاستقطاب، واستراتيجيات الأنظمة الاستبدادية.
- الأنظمة الاستبدادية والتأثير الرقمي: دراسة تبحث في كيفية استخدام هذه الأنظمة للسيطرة على «الترند» عبر التلاعب في الخوارزميات وحملات منسقة باستخدام البوتات، لتشكيل الرأي العام وإضعاف الديمقراطية.
- التأثير على الثقة في الحكومة أثناء الأزمات: هناك دراسة تركّز على دور وسائل التواصل في تعزيز الثقة عندما تستخدمها الحكومات كوسيلة لتعزيز الشفافية والمشاركة، وأخرى تشير إلى الصراعات والإشكالات التي تضر بالثقة في الأوضاع الملغومة أو المتضاربة.
- التأثير العاطفي لترندات وسائل التواصل أثناء الأزمات: خلال جائحة كخلال جائحة كورونا، تبيّن أن وسائل التواصل تؤثر بشكل أكبر عبر إثارة مشاعر القلق، ما قد يدفع الجمهور لدعم إجراءات حظر صارمة ويكشف خطورة الاعتماد على «الترند» دون تقييم منطقي مستفيض.
- البروباغندا والتضليل المنظم: مشروع Computational Propaganda من جامعة «أوكسفورد»، يفحص كيف تُستخدم وسائل التواصل في نشر الحملات المنظمة والمضللة خلال الانتخابات والأزمات، وتضخيم بعض الموضوعات عبر تحسين ترتيبها، ما يعطيها طابعاً رائجاً مزيفاً.
ملاحظة: عنوان المقال مستوحى من «ترند» استعمال مصطلح «أنموذج» في عناوين المواد الصحفية والبحثية خلال الآونة الأخيرة، بعد أن تراجع استخدام موضة «بين المطرقة والسندان» الذي لم يعد «ترند».