الصورة: من قمة آلاسكا بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب، والروسي فلاديمير بوتين/ REUTERS
نجحت الولايات المتحدة الأميركية، عبر قوتها الإعلامية ونفوذ «هوليوود» في ترسيخ الصورة التي ترغب تسويقها عن العقلية الأميركية، بما يخدم أهدافها ومصالحها، وأبرزها تسهيل التعاملات المستقبلية مع دول وشعوب المنطقة. أدى ذلك إلى تكريس صور نمطية غير دقيقة، فيما بقيت العقلية الروسية أكثر غموضاً وغائبة إلى حد كبير عن أذهان مجتمعات الشرق الأوسط، نتيجة غياب «بروباغندا» روسية موازية لنظيرتها الأميركية.
ثمة حاجة ملحة إلى دراسات أعمق وفهم أوسع للعقلية الروسية، لا سيما بعد أن توقفت هذه الجهود بفعل تقديرات سياسية خاطئة، مفادها أنّ روسيا انسحبت من المشهد الإقليمي بسقوط النظام السوري السابق، ولم تعد لاعباً أساسياً في ملفات المنطقة.
اليوم؛ باتت الغاية الأساسية لمعظم الأنظمة السياسية تعميق التواصل مع مختلف الأطراف، ولم يعد أمام أنظمة الشرق الأوسط خيار سوى اغتنام الفرص المتاحة والمشاركة – ولو شكليّاً – في المحاور المتعددة الأقطاب والاستفادة منها. بعدما أدركت استحالة الارتهان لهيمنة أميركية أو روسية منفردة في ظل التحولات الدولية المتسارعة. ولهذا تسعى جميع الأطراف إلى بناء مقاربات متوازنة، مع الحلفاء والمنافسين الدوليين على حد سواء.
في هذا السياق، يصبح التركيز على دراسة الذهنية الروسية أولوية، لما لذلك من أهمية في بناء تواصل أكثر فاعلية مع موسكو مستقبلاً. تزداد هذه الأهمية إذا أخذنا في الاعتبار أنّ عقلياتٍ أخرى قد نحتاج التعامل معها، كالعقلية الصينية مثلاً، تبدو أكثر تعقيداً وصعوبة في الفهم والتعامل.
وبما أن الإحاطة بجميع جوانب العقلية الروسية ليست ممكنة في مقال واحد، سأركّز على جانبين أساسيين: «العقلية النفسية»، و«العقلية السياسية»، ودورهما محوري في تفسير السلوك الروسي وفهم ماهية روسيا عموماً.
خلفية تاريخية وفكرية
تُعد روسيا كما يوضح دستورها وتطبيقاته، دولة فيدرالية علمانية ديمقراطية، ذات نظام جمهوري شبه رئاسي يقوم على فصل السلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية. يشغل رئيس الدولة منصب القائد العام للجيش والقوات المسلحة، ويتمتع بصلاحيات واسعة تشمل حلّ الحكومة ومجلس «الدوما»، وتحديد توجهات السياسة الداخلية والخارجية، علاوة على ترشيح رئيس الحكومة وحكام الأقاليم والجمهوريات.
على أن فهم العقلية الروسية يقتضي التعمق في دراسة الشعب والدولة معاً، من أجل إدراك ملامح الشخصية الروسية واستيعاب تناقضاتها، التي حيّرت مفكرين كثراً حاولوا النفاذ إلى أعماق النفس الروسية دون أن يصلوا إلى سيكولوجيا واضحة أو هوية مستقلة ومتماسكة للإنسان الروسي. مع ذلك يمكن القول، إلى حدٍّ ما، إن هذه العقلية تتسم بالوسطية، إذ تجمع – رغم ميلها إلى الشرق – بين عناصر من الشرق والغرب معاً.
ثمة حاجة ملحة إلى دراسات أعمق وفهم أوسع للعقلية الروسية، لا سيما بعد أن توقفت هذه الجهود بفعل تقديرات سياسية خاطئة مفادها أنّ روسيا انسحبت من المشهد الإقليمي بسقوط النظام السوري السابق
تأثرت العقلية الروسية بعمق باعتناق المسيحية وانتشارها، كما استندت في جوانب عديدة إلى الحضارة الأوروبية، ولا سيما الفرنسية. وقد تبنّت روسيا النمط الغربي بوضوح في عهد القياصرة، خصوصاً خلال فترة بطرس الأكبر، حين سعت إلى تحديث مؤسساتها وفق النموذج الأوروبي.
غير أن هذا التوجه الغربي لم يُلغِ التأثير الشرقي الراسخ، الذي تجلّى بوضوح في أساليب الإدارة والسيطرة. ويُعزى ذلك بدرجة كبيرة إلى الغزو المغولي الذي ترك بصمة قاسية في الوعي الروسي، انعكست لاحقاً على السلطة وطرق الحكم والإدارة.
لاحقاً، أسهمت مجموعة من الأحداث الكبرى في تشكيل العقلية الروسية الحديثة، من بينها الحرب العالمية الأولى، والثورة البلشفية، والحرب العالمية الثانية، وصولاً إلى الحرب الباردة. وقد تركت هذه المحطات التاريخية أثراً بالغاً في صياغة الشخصية السياسية الروسية كما نعرفها اليوم.
أدى ذلك إلى نشوء ما يشبه «الفُصام» في الهوية الروسية – إن صحّ التعبير - إذ يحنّ البعض إلى روسيا القيصرية، فيما يحنُّ آخرون إلى الاتحاد السوفيتي. وربما يفسّر هذا التناقض بعض مظاهر السلوك السياسي الروسي، من تبدّل التحالفات أحياناً، إلى الغموض في المواقف أحياناً أخرى.
العقلية النفسية
تشكل الثقافة والقومية الروسيتان ركائز لفهم الذهنية النفسية. وتتأثر بالعادات والتقاليد والبيئة والطبيعة، فضلاً عن اللاوعي الجمعي الروسي. لا بدّ عند التعامل مع الروس من التمييز بين الشخصية الروسية ونظيرتها الغربية. فكثير من أبناء المجتمعات الشرقية – سواء في اللقاءات السياسية أو العلاقات الدبلوماسية – يقعون في خطأ التعامل مع الروسي على أنّه غربي، فيظهرون طابعاً غربياً في سلوكهم بدافع التقرب والتودد، الأمر الذي قد يفضي في النهاية إلى نتائج عكسية.
تتميز العقلية الروسية بطابعها الجماعي، على عكس العقلية الغربية الفردية. يظهر هذا الاختلاف في التصورات والمفاهيم المتعلقة بالحريات والحقوق والديمقراطية. فعلى سبيل المثال، يتمسّك الروس بتقاليد العائلة بدرجة أوضح مقارنة بالمجتمعات الغربية التي تغلب عليها سمات الانضباط والدقة والمنهجية، حتى في العلاقات الشخصية والعائلية فتتخذ في الغالب طابعاً عملياً. أما في المجتمع الروسي، فتقع الأعباء الاجتماعية والوظيفية في معظم الأحيان على عاتق الرجل، في مشهد يُشبه إلى حد كبير ما هو سائد في المجتمعات الشرقية.
العقلية السياسية
أقل تعقيداً من نظيرتها النفسية، خاصة بعد أن تمكن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في سياق سعيه لإحياء قيصرية حديثة، من بلورة هوية سياسية جديدة لروسيا، يُطلق عليها مجازاً بعض المراقبين اسم «البوتينية»، باعتبارها مشروعاً يجمع بين الإرث القيصري والإرث السوفييتي.
في خضم التخبط الجغرافي والتيه الإيديولوجي، وجدت روسيا نفسها قادرة على تجاوز تناقضاتها الداخلية من خلال إبراز أهمية البعد الديني الأرثوذكسي كملاذ أخلاقي وتاريخي. وقد أسهم هذا التوجه في صياغة إيديولوجية جديدة للكرملين والدولة الروسية عموماً، تقوم على أسس أخلاقية مغايرة لما عرفته البلاد في تجاربها السابقة، سواء في ظل الشيوعية أو الفاشية، أو حتى الليبرالية التي وُصفت بالفاشلة خلال عهد بوريس يلسن.
يُنظر إلى ألكسندر دوغين بوصفه «المانيفستو» الذي يتيح فهم كيفية تفكير بوتين، وإلى أين قد تتجه السياسة الروسية في المستقبل
يمكن فهم ملامح هذه الإيديولوجية بشكلٍ أدق من خلال التعمق في «النظرية الرابعة» لألكسندر دوغين، التي تمثل إطاراً فكرياً شاملاً لرؤية روسيا الجديدة والمستقبلية على المستويات السياسية والجغرافية والاقتصادية.
من الضروري، وخصوصاً للمهتمين بدراسة العقلية الروسية أو المتعاملين مع الروس سياسياً ودبلوماسياً، أن يدركوا أنّ الاكتفاء بفهم «النظرية الرابعة» وحدها لا يكفي لفهم العقلية السياسية الروسية. بل تنبغي متابعة شخصيات بارزة أحدها ألكسندر دوغين نفسه، الذي يُلقّب أحياناً بـ «راسبوتين روسيا الجديد»، ودراسة أفكاره وكتبه بدقة وعمق.
ومع أن دوغين ليس صانع قرار رسميّاً في الكرملين، فمتابعته تختصر الكثير من الوقت والجهد لفهم بنية التفكير الروسي. وقد اعتبرت العديد من الصحف العالمية والمحللين الغربيين دوغين بمثابة «المانيفستو» الذي يتيح فهم كيفية تفكير بوتين، وإلى أين قد تتجه السياسة الروسية في المستقبل.
تتميز العقلية الروسية، ولا سيما في شقها السياسي، بقدرتها على الوصول إلى شكل وهوية شبه مستقرة، في حين لا تزال العقلية الأميركية متخبطة بين قطبي الحزبين الديمقراطي والجمهوري، دون بلورة واضحة لهوية موحدة. وقد أشار المفكر صامويل هنتنغتون إلى هذا الإشكال في كتابه «من نحن؟ /Who we are?». يُحتمل أن يؤدي هذا التذبذب في تحديد الهوية والعقيدة، تدريجاً، إلى تراجع تأثير العقلية الأميركية، وهو ما حاول الرئيس الأميركي دونالد ترامب مواجهته وإعادة ضبطه. في المقابل، قطعت روسيا شوطاً كبيراً في سباقها نحو ترسيخ عقلية وهوية مستقرة، وهو ما سينعكس إيجاباً على الاستقرار السياسي والاجتماعي الأوسع.
تتسم العقلية الروسية، رغم طابعها المحافظ مقارنة بالعقلية الغربية، بمرونة لافتة للنظر وبراغماتية عالية، خاصة في تعاملها مع الأديان والقوميات و«الأقليات» داخل روسيا. وتسعى هذه العقلية إلى النأي بروسيا عن الغرب، لا سيما الولايات المتحدة، من خلال بناء حواجز ثقافية وفكرية تمنع الاندماج الكامل مع النموذج الغربي. وفي الوقت ذاته، تعمل على إرساء دعائم المشروع الأوراسي – وإن كان بطيئاً – بحيث تتحقق السيطرة الروسية وتبرز فيه حضارة جديدة ذات توجهات أوراسية واضحة، بحيث تكون للثقافات والقوميات الشرقية الغلبة، ولو بشكل رمزي، على القيم الليبرالية الغربية.
الصراع مستمر
لا يمكن القول إن الولايات المتحدة قد انتصرت، ولا إن روسيا قد هُزمت في هذا الصراع الممتد لعقود، والذي يُتوقع أن يستمر، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط. وإن كان التفوق في العقلية لا يبدو ملموساً ومرئياً كما هو الحال في التفوق العسكري أو التقني، فإن أثره سيظهر تدريجياً مع مرور الزمن، وسيشكل فارقاً حقيقياً على مختلف المستويات. ويبقى التحدي أمام حكومات الشرق الأوسط: كيف تستثمر في فهم العقلية الروسية بما يخدم مصالحها في ظل التنافس الدولي المتصاعد؟