الرسم مولّد بالذكاء الاصطناعي
في كتابه «كيف تتذكّر المُجتمعات»، يقول عالم الاجتماع البريطاني بول كونرتون إن فعل الشيء «بشكل مُتتالٍ وعلى الشاكلة نفسها هو جُزء من إبقاء الذاكرة الجمعيّة لصالح عَدم خسارة قُدسية الحَدث». ولهذا كانت الاحتفالات بالفوهرر والنازيّة في ألمانيا تتكرر بالطريقة عينها، وبشكل مُشابه للاحتفالات بأعياد الميلاد المَسيحيّة وحتى بالأعياد الوثنية. ويقول أيضاً: «رغم أن النظام الاشتراكي القومي كان جديداً وكانت طقوسه حديثة الابتكار، فقد تعمد استخدام الكثير من الأساليب والطقوس المسيحيّة، وذلك من حيث التوقيت والجوهر، وكان هذا أساساً مُشابهاً للطريقة التي نَسخت بها الاحتفالات المَسيحيّة الاحتفالات الوثنيّة. وهكذا كان النازي بالنسبة للمَسيحي، كالمسيحي بالنسبة للوثني».
التكرار، وفق كونرتون، كان أمراً متعمّداً في كثير من الأحيان لتثبيت موضوع جامع كان قد علق في الذاكرة الشعبية الجمعيّة. تعمل الحكومات على تثبيت شرعيتها من خلال تبني الشرعية القديمة، وهذا أشبه بأن تشتري مطعماً له شعبية، بدلاً من أن تفتتح مطعماً جديداً في مكان مجهول بلا زبائن. والحكومات والمطاعم بحاجة إلى زبائن دوماً، ويُمكنني أن أقول لك واثقاً إن هذا ليس وجه التشابه الوحيد بينهما.
والتكرار أيضاً هو إجراء تعتمده الأنظمة السياسية إما لمهمة التجميل وإما لمهمة «تنظيم النسيان»، كما يرى العديد من المفكرين. أي أن يكون ثَمّ حدث قبيح فعلته الحكومة وتُريد تنظيم نسيان الشعب لذلك الأمر. وعادةً ما يكون تنظيم النسيان هذا باختلاق مناسبات سعيدة في توقيت المناسبات الحزينة، كما فعلت رواندا مع ذكريات المذابح وكما فعلت الدولة الأمويّة مع مَذبحة كربلاء. (اصطنعت رواندا ما أسمته «طقوس الوحدة الرواندية»، بينما حَاول الأمويون التركيز على تحويل عاشوراء إلى يوم فرح، لأنه اليوم الذي نجّى الله فيه موسى).
المجازر، القمع، وإعادة تدوير السجون والقوانين التي تضعك خلف قُضبان تلك السجون، تؤكد تماماً أن نظامنا لا يريد أبداً أن ينظم النسيان بل أن ينظم ذاكرة القباحة
يخبرنا بيير بورديو أن الممارسات الرمزية «تعمل على إعادة إنتاج النظام الاجتماعي من خلال العنف الرمزي»، وأن النسيان المنظَّم يظهر في كون الأفراد يشاركون في الطقوس دون وعي بتاريخها، ويتعاملون مع البنية الاجتماعية كأنها بديهية، فـ«الطقوس تُنتج الإجماع عبر تنظيم النسيان». فيما يؤكد موريس هالبواكس أن «الطقوس تؤدي دوراً مركزياً في تثبيت الذاكرة الرسمية وتهميش بدائلها». والنسيان عند حنة أرندت «أداة سياسية بامتياز»، فالأنظمة الشمولية تسعى إلى إعادة كتابة التاريخ، وفرض نسيان منظم للتجارب التي لا تخدم السلطة، وهكذا قد تُمحى آثار الضحايا، وتُلغى السرديات المعارضة، في سبيل «صناعة ذاكرة رسمية».
غير أننا هنا في بلادي السوريالية وكعادتنا، نخرق قوانين علم الاجتماع وعلم النفس وعلم السياسة وأي علم آخر. (هذا دأبنا الذي لا شك فيه) وعلى ذلك فقد كان تكرارنا المدعوم حكومياً لتنظيم التذكّر بدلاً من تنظيم نسيانه، والمشكلة أن الشعب (ما حَلّه ينسى) أساساً.
المجازر، القمع، الاستبداد، وإعادة تدوير السجون والقوانين التي تضعك خلف قُضبان تلك السجون، تؤكد تماماً أن نظامنا لا يريد أبداً أن ينظم النسيان بل أن ينظم ذاكرة القباحة. هو حتى احتفظ بالقوننة التي وضعها النظام الأسدي ويُصدر برقيات التوقيف على أساسها. على الأرجح لم يخطر ببال نورا ولا كونرتون ولا حنّة ولا «اللي خلّفوهم» أن لدينا - نحن السوريين - هذه القدرة الهائلة على ترسيخ الكارثة واستنساخها، بدلاً من تنظيم نسيانها، وأن لدينا ما يَكفي من العماء السياسي والاجتماعي والفكري لأن نصنع ذاكرة مستدامة للألم.
ألا تستحق الذاكرة الشعبية السورية تكراراً مختلفاً لا يتضمّن إعادة بناء الكارثة؟ أم أن بناءنا للكوارث بشكل مُتتالٍ ومتقن عبر قرون طويلة جعل تلك الذاكرة لا تملك أساساً غير المجازر ولم تُعطِ أي فرصة لأي نمط تكراري آخر؟
يلاحظ باحثون في قضايا الذاكرة الجمعية أن ذاكرة الشعوب أصبحت ذاكرة محنطة وبدأت بالقطيعة مع ماضيها، منذ أن انتقلت تلك الذاكرة من الممارسة الجمعية إلى المتاحف والنصب التذكارية والمناهج الدراسية، ومنذ أن بدأ النشاط البشري الجامع يأخذ شكلاً إلكترونياً أكثر من أن يأخذ شكلاً واقعياً.
غير أننا مصرون على أن تدب الحياة في ذاكرتنا دائماً، أن نضخ فيها الدماء الجديدة على نبض الكلاشنكوفات والدوشكا. أما بالنسبة للشكل الإلكتروني فنحن نقطع النت والكهرباء كلما لزم الأمر، فلا خوف علينا من أي ذاكرة إلكترونية.
وإلى أن يُصبح استخدام الكلاشنكوفات أصعب من قراءة الكُتب، وإلى أن يَكون توافر الرَصاص أقل من توافر الحروف، إلى أن تَحتاج الأحزمة الناسفة إلى «نوتات» لقراءتها، وأن تتطلّب فهماً لمقام النهاوند على درجة الدو لتفجيرها، إلى أن يحدث ذلك، إن حدث، فلا أظن أن ذاكرتنا السورية ستحمل إلا ما حملته ذاكرة جدك السوري، ذاكرتك الملخصة بصورة ورثتها عن أبيك، صورة لجدك بالأبيض والأسود، جدك الذي لا تعلم من أي مجزرة ماضية قد نجا، ومتى استطاع إنجاب أبيك الذي نجا هو الآخر بدوره وترك لك فرصتك للعب لعبة «الروليت» السورية الأبدية، في هذا المسلخ الذي يُفتتح حكومةً بعد حكومة ودولةً إثر دولة دون أي رغبة في تغيير طبيعته، مخافة أن يتغير زبائنه.