× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

كنت أكتب باسم مستعار.. وصرتُ أكتب باسم مستعار!

حكاياتنا - ملح 28-08-2025

تستعرض الكاتبة في هذا المقال تجربتها الشخصية مع الرقابة والخوف في سوريا، بدءاً من عهد النظام السابق والواقع الذي فرض عليها الكتابة باسم مستعار، وصولاً إلى واقعها الحالي، الذي فرض عليها الكتابة باسم مستعار! تكشف كيف أن «الشرطي» الذي كان يقطن في رأسها لم يسقط بسقوط النظام، بل حلّت محله «كتيبة» كاملة

الرّسم: Angelo Lopez - كارتون موفمينت

في داخل كل سوري شرطي، يولد معه، وينمو في رأسه مثل فكرة مجنونة، يحمل بين يديه مجلدات من الإرشادات والتعليمات، خطوطاً حمراً وصفراً وبرتقالية، يصفر في أذن المواطن في كل مرة يتجرأ على التفكير بصوت مرتفع، ولعقود كان الخضوع وطنية، والتصفيق انتماء، والانتقاد خيانة.
هكذا؛ بدا استعمال اسم مستعار «حلاً مثالياً»، كتاب وصحافيون وروائيون كثر استعملوا أسماء مستعارة، صاحبة رواية «نساء صغيرات» لويزا ماي ألكوت، وماري آن إيفانز وغيرهن، حتى جورج أورويل صاحب واحدة من الروايات الأكثر تداولاً «مزرعة الحيوان»، اسمه الحقيقي إريك آرثر بلير. 

بحثت، أكثر من مرة في خلفيات استعمال الأسماء المستعارة، في بعض الأحيان كان الدافع هو الهروب من ضغوط ضوابط المجتمع، وفي أحيان أخرى بهدف الحماية الشخصية بالنسبة لكتاب عالم السياسة، أما أنا البعيدة عن السياسة والغارقة في هموم المجتمع وتفاصيله، فكان الشرطي القابع في رأسي هو السبب.

كنت في عهد النظام السابق أزِن الكلمات حتى وأنا أستعمل اسماً مستعاراً، فللجدران آذان في دولتنا الأمنية حد النخاع، كنت أعيد صياغة الجمل والتراكييب أكثر من مرة أملاً بإيصال الفكرة من دون أن أتورط بالمساس بأي خط ملون. 

في بداية عملي في عالم الصحافة كنت مثل كل الصحافيين أفرح عندما أرى اسمي على صفحات جريدة أو تحت تحقيق أو مقال. كان وجود اسمي أكبر تقدير قد أحصل عليه مقابل تعبي، وكان التفاعل مع ما أكتب فرحة ما بعدها فرحة.

مع أول استدعاء لفرع أمني، (كان فرع الأمن العسكري حينها)، تبدّل كل ذلك، خرج الشرطي من حالة سباته في رأسي، حمل صفارته وبدأ يرسم حدوداً تتحرك نحو الداخل، تضيق بشكل يومي ومستمر، تخنق الأفكار، تخنقني وتملأ عروقي بالكورتيزول. في إحدى المرات، كانت السعادة بالنسبة لي أن مقالاً أرسلته لم يُنشر! وفي مرة أخرى، استطعت أن أنام بعد أن مرّ مقال آخر كتبته ونُشر من دون أي أثر يذكر.

كان الخضوع وطنية والتصفيق انتماء والانتقاد خيانة، وصار الخضوع وطنية والتصفيق انتماء والانتقاد خيانة!

عندما بدأت أكتب باسم مستعار أصبحت لدي مساحة من الحرية، أستطيع فيها أن أتجاوز، ما استطعت، حواجز القلق المتراكمة. كانت مشاعري متضاربة، سعيدة بما أنجز، حزينة لتنازلي عن حقي المعنوي في نسب هذا الجهد لي، مرتاحة لأنني بذلك أجنب نفسي وعائلتي أي مساءلة. 

«كيف وصلت إلى هنا؟ كيف لصبية كانت ترقص فرحاً عندما ترى اسمها يتذيل تحقيقاً صحافياً أن ترقص فرحاً لعدم وجوده؟» سألت نفسي هذا السؤال مرات عديدة، وكان الجواب في كل مرة مائعاً، لا لون له ولا طعم. كنت أقول إن الأثر الذي قد تتركه هذه التحقيقات والمقالات أكثر أهمية مني، صرت أغبط اسمي المستعار على إنجازه وأصفق له، أتجاهل ما أكتب باسمي المستعار في صفحاتي الشخصية، وأفاجأ عندما يذكر شخص ما أعرفه معلومة وردت في إحدى مقالاتي.

«لست وحيدة»، كنت أقول في نفسي، فالوسط مليء بكتاب وصحافيات مثلي بأسماء مستعارة، حفاظاً على السلامة العقلية والجسدية.

مع سقوط النظام، سقط الشرطي الجاثم في عقلي، تحررت منه، كدت في إحدى المرات أن أجيب شخصاً سألني «وين كنتي من 14 سنة» بأنني كنت أكتب وأعمل باسم مستعار، كدت أرسل له سلسلة طويلة من المقالات التي عملت عليها، ولكنني تراجعت لسبب لم أكن أدركه حينها، وأدركته فيما بعد.

بعد مدة وجيزة من سقوط الشرطي الجاثم في رأسي، جلست مكانه ثكنة كاملة! كتيبة مدججة تؤازرها فصائل نشطة في العالمين الحقيقي والافتراضي كانت تطارد الجميع وتتهم الجميع، أياً كان موقعهم أو وظيفتهم في هذا المجتمع.

كان الخضوع وطنية، والتصفيق انتماء، والانتقاد خيانة، وأصبح الخضوع وطنية والتصفيق انتماء والانتقاد خيانة! 

الآن، وبعد مرور نحو 10 أشهر على سقوط النظام القمعي الذي أجبرني على استعمال اسم مستعار، أكتب هذه السطور باسم مستعار يمكنه تحمل الشتائم والهجمات الالكترونية وحملات التخوين والتهديد والوعيد، ليس لأنني هاجمت النظام الانتقالي الجديد لا سمح الله، وإنما لمجرد أنني لم أصفق له!

حرية_الصحافة_في_سوريا الإعلام_في_سوريا_الجديدة

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0