6 نيسان/أبريل 1941م، بعد منتصف الليل ومع ساعات الصباح الأولى، بلغراد تضجّ بكرنفالٍ صاخبٍ يقوده ماركو (Marko Dren) - يؤدي شخصيته الممثل الصربي ميكي مانوجلوفيتش (Miki Manojlović) - ماركو عضو في الحزب الشيوعي، تاجر أسلحة ومقاوم خلال الحرب العالمية الثانية. بجانبه بلاكي (Petar "Blacky" Popara) - يجسّده الممثل لازار ريستوفسكي (Lazar Ristovski) - الّذي انضم إلى الحزب الشيوعي قبل الحرب وكان مقاتلاً مقاوماً في بداياتها، ثم عمل لاحقاً في صناعة الأسلحة في قبو أنشأه ماركو، وعاش فيه معتقداً أن الحرب لا تزال مستمرة.
مجاز الخراب
في شوارع المدينة، ينقادُ الناس خلف ماركو وبلاكي كقطيع. صخبُ موسيقا البلقان يصدح بقوّة. صرخاتٌ وضحك. نغماتُ سكرٍ مشوشةٍ، تترجمُ روحَ بلغراد المتمردة. المشهدُ لا يعكس فوضى الواقع حينها فحسب، بل هو تحدّ وهمي وإنكارٌ لهذا لواقع، أُريدَ له أن يكونَ فعلَ مقاومةٍ، في محاولةٍ للفرار من الخطر المحدق. هي صورة ساخرة عن الوعي الجماعي الغارق في الوهم، كما أفهم أنّ إمير كوستريكا (كوستوريتسا وفق اللفظ الصربي) أراد أن يصوّرها في فيلمه «تحت الأرض / underground» الذي حاز السّعفة الذهبية في مهرجان كان السّينمائي 1995.
صباحاً، كان بلاكي يتناول الفطور مع زوجته فيرا، وماركو غارقاً في ليلة سكر ومجون مع بائعة هوى رخيصة. تجاهلٌ مقصودٌ للخراب الّذي اقترب.
استشعرت الحيوانات في حديقة الحيوان الخطر فهاجت وماجت. بدأ القصف النازي. أُصيب نمر يزأر، وبجانبه إوزّةٌ تجرّأت عليه فانقضّ عليها في لحظةٍ يائسةٍ تذكّره بمن كان.
إيفان، عامل الحديقة الشّاب وشقيق ماركو، يحاول إنقاذ صديقه القرد الصغير بعد أن قضت أمّه في القصف. وفيل ضخم يقترب من نافذة بلاكي ويسرق حذاءه – هل ضلَّ بلاكي الطريق أم وجد الفيل السبيل للخلاص؟ – الفوضى تعم المكان، بلاكي يستعد لتفقّد المدينة رغم ممانعة فيرا الحامل. وماركو يزيّن مؤخّرة بائعة الهوى بوردة تتعدّد في المرايا، فهل يمكن لوردة ميتة أن تجمّل قبح الحياة التي نعيش في مؤخّرتها؟
تلك مجموعةٌ من الصور والرموز رتّبها كوستريكا لترسم لوحة الخراب، كما اعتاد في أفلامه دائماً.
حين يصير القبو بلاداً
ليلاً، الدمار في كلِّ مكان. النازيُّ يشن حملات اعتقال واسعة. يقود ماركو كلّاً من فيرا وإيفان إلى قبوٍ تختلط فيه الحياةُ بالموت، حيث تلد فيرا ثمّ تموت. هنا تبدأ الحكاية الحقيقية، في القبو، حيث تختبئ الشخصيات، تتقاطع المصائر، وتبدأ تفاصيل الصراع البشري العميق. تحت الأرض يولدُ جيلٌ كامل، جيلٌ مغيّبٌ بشكلٍ مقصودٍ عمّا يجري فوقه.
على خشبة المسرح، حيث تختلط الأدوار، يطلق بلاكي رصاصاته نحو فرانز - الضابط النازي الّذي رأت فيه ميلينا فرصتها للخلاص. تفشل الرصاصات بقتله، وكأنّ الشرّ في هذا العالم لا يموت بضربة واحدة. ميلينا، الممثلة، والعشيقة التي تجسّد مأساةً أخرى. فهي الممزقة بين حبّ بلاكي لها، وافتتانها بخلاصٍ كاذب تمنحها إياه سلطة ضابطٍ نازي.
يُعتقل بلاكي، ويعذّب. ثم ينقذه ماركو. ويأخذ ميلينا معه بعد قتل فرانز الّذي يموت حقيقةً هذه المرّة. ماركو، الرفيق الشيوعي الانتهازي، يحوّل القبو إلى مصنع للأوهام والأسلحة، ويقنع بلاكي ورفاقه أنّ الحرب لم تنتهِ بعد. يراكم ثروته فوق الأرض، قريباً من تيتو، ومتزوّجاً من ميلينا حبيبة رفيقه. بينما جيل كامل يكبر تحت الأرض، معتقداً أنّه يقاتل النازيين الّذين رحلوا منذ زمن. يمرّ الزمن ويُقامُ حفل زواج لـ جيوفاني تحت الأرض، من فتاةٍ في مثل عمره ولدت هي الأخرى هناك، كأنّ حياة الوهم قدر أبدي.
يعود الصراع ليؤرق ميلينا، صراع داخلي هذه المرة. لم تعد تحتمل أن تكون شريكة في أذية بلاكي الذي أحبها بصدق وما زال يعتقد أنه يخدم بلاده، بينما ينعم ماركو بالسلطة والامتيازات، وتُصوَّر أفلام دعائية تُمجّد بطولاته، وتذكر بلاكي كرمز سقط في الدفاع عن الوطن. تقرر حضور عرس جيوفاني في القبو، مثقلةً بالتردد بين البوح والكتمان، قبل أن تغرق في سُكرٍ عميق. هناك يعلن بلاكي معرفته بخيانة صديقه (خيانة سرقة الحبيبة). لكن ماذا لو عرف أنها خيانة على مستوى البلاد كلها؟
يتحول الزفاف إلى لحظة انكشاف. يخرج بلاكي مع ابنه جيوفاني، ليصادفا فريق تصوير فيظنه مجموعة جنود حقيقيين، يقتحم المكان ويقتل الممثل الذي يؤدي دور فرانز، ليصبح مطارداً. يغرق ابنه في البحر، ويعلق هو في شبكة صيد ينجو منها لاحقاً، لكن فخ الحياة الذي وقع فيه لا خلاص منه. لقد صار قاتلاً باسم الوطن، لينخرط مجدداً في حرب يوغسلافيا التسعينيات، بينما يبقى ماركو وفياً لانتهازيته الأولى: تاجر أسلحة يستثمر الخراب. ماركو الّذي ينتهي إلى كرسيّ متحرك، يتعرّض لضرب يؤدّي إلى شلله الكامل بيد أخيه إيفان الذي اكتشف الخديعة، ففي الحرب «حتّى الأخ يقتل أخاه» يقولها ماركو. ثم يقضي بالرصاص والحرق رفقة ميلينا بأمرٍ من بلاكي دون أن يعرف.
في النهاية، يلتقي الموتى/ الغرقى، جميعهم، تحت الماء. لقد غرقوا في أتون هذه الحرب. ثم تجمّعوا بعد موتهم على حافّة جرفٍ عند السّاحل. ماركو وميلينا، بلاكي وجيوفاني، فيرا وإيفان، وكل من سكن القبو. زفاف جديد يُقام، تتصالح الوجوه، ليقرّر بلاكي ويختصر المأساة: «أمّا عن الغفران، فهو ممكن. وأمّا أن ننسى، فلا».
دلالات متعددة الطبقات
يستحق «تحت الأرض» أن يُقرَأ على مستويات دلالية عديدة. يستحقّ الغوص في تحليلِ العمقِ البنيوي للسّيمياء البصريّة فيه. وبالتالي تفكيك هذه البنية إلى مستوياتها الكثيرة وتعدّد قراءاتها. لكنني، لن أبحث في الفيلم بصفتي ناقداً فنّيّاً، سأكتفي بالمستوى الأوّل من الدلالة: العلاقة المباشرة بين الصّورة أو بنية الشّخصيّة ودلالتها السّياسيّة المباشرة. سنقرأ الفيلم من منظور سياسي فحسب. فالقبو، ليس مجرد مكان، بل استعارة مكثفة للتاريخ حين يُعاد تدويره كخديعة كبرى. هناك يُربّى جيل كامل على حرب انتهت، ويُصنعُ فيه أبطالٌ وهميون ليصدقوا أنّهم يقاتلون دفاعاً عن الوطن.
الوردة الميتة على مؤخّرة البغيّ ليست إلا محاولة لتجميل القبح بالرمز، كما تُجمَّل الأكاذيب بالخطابات. الزفاف تحت الأرض هو توريثٌ للوهمِ جيلاً بعد جيل. واختلاط التمثيل بالواقع – حين يقتل بلاكي ممثلاً يظنّه عدواً حقيقياً – إشارةٌ إلى فقدان الحدود بين المسرح السياسي والدم الحقيقي. كلّ ذلك يحاكي تاريخ يوغسلافيا التي صنعت بطولات وهمية بعد الحرب، ثم أورثت أبناءها سردية مغلقة لا تسمح لهم بمغادرة القبو المصنّع خصّيصاً لهم، إلى أن انفجرت في التسعينيات حربٌ جديدة فوق ركام الماضي، تقسّمت بعدها البلاد.
لكن الرموز الأعمق يختزنها الأبطال أنفسهم. ماركو ليس مجرد رفيق انتهازي، بل هو صورة الطبقة السياسية التي تصنع الوهم وتقتات عليه، تستغل الحرب لتبني سلطتها، ثم تعيد إنتاج الأكاذيب حتى بعد سقوط العدو. بلاكي المؤمن بالمبادئ، الصادق بالممارسة، يظن أنّه يقاتل من أجل أرض الأجداد، فإذا به يغرق في الوهم ويقع في فخ الدم، ليتحوّل بدوره إلى أمير حرب في زمن الخراب. أما ميلينا فالصورة الأوضح لمثقّفي المصلحة. هؤلاء المثقفون الّذين يمثّلون الازدواجية المتأرجحة بين مصلحة البلاد ومصلحتهم. بين التحرّر والسلطة، تتأرجح ميلينا بين إرضاء غرورها بسبب انجذاب بلاكي إليها، وبين التعلّق بماركو، والانبهار بخلاصٍ أجنبيّ زائف. فتظل تمثل الوجه الممزق للمثقّف حين تتجاذبه الرغبة والذنب. إيفان، حارس الحديقة وشقيق ماركو، ظل أسير الوهم حتى النهاية، قبل أن يكتشف أنّ شقيقه خدعه وسجنه باسم الوطن، فلا يجد خلاصاً إلا بقتل أخيه والانتحار.
في الخلفية، يبقى جيوفاني، الطفل الذي وُلد في القبو رمزاً للجيل المأسور داخل السردية، يترعرع على الأكاذيب حتى يلقى حتفه يوم زفافه. وتبقى عروسه الصغيرة، التي تلقي بنفسها في البئر، صورةً عن ضياع المستقبل برمته حين يولد داخل جدار الوهم. الفرقة الموسيقية تعزف بلا توقف طوال الفيلم، كأنّها الذاكرة الجمعية التي تواصل الدوران حول ذاتها، تترنح بين الاحتفال والجنون، في نكران دائم.
كنتُ لأتوقّف هنا لولا أن أمسكني كوستريكا بمشهدٍ أثار فيّ شعوراً غريباً. ضمّن مخرج «تحت الأرض» فيلمه مشهداً توثيقيّاً حقيقيّاً لجنازة جوزف بروس تيتو. شخصيّات دوليّة كثيرة تناوبت على إلقاء النظرة الأخيرة على النّعش. مارغريت تاتشر، ياسر عرفات، الملك حسين، ولمحتُ حافظ الأسد! فسمعت صدى كلمات يوغسلافيا في الأذن السّوريّة. وقرّرت الاستمرار في قراءة الفيلم من منطلقِ الجحيم السّوري الحالي.
من يوغوسلافيا إلى سوريا.. قبوٌ مُستنسخ!
كما في يوغسلافيا، لم يكن «القبو السوري» مجرّد استعارةٍ عابرة. فمنذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة، تَشكّل خطابٌ سياسيّ يرى البلاد محاصَرة دوماً. أعداءٌ يتربصون، حصارٌ لا ينقطع، حربٌ لا تهدأ. ربما كان في ذلك شيء من الواقع فعلاً، لكن هذا الواقع تحوّل إلى ذريعة لصياغة سرديّةٍ مغلقة، تتكرّر فيها الشعارات جيلاً بعد جيل، حتى تمّ تكريس «القبو» في المدرسة والإعلام والجيش وذاكرة الناس اليومية.
هكذا وُلدت أجيال ترى العالم من نافذة صغيرة صاغها الخطاب الرسمي، تماماً كما عاش بلاكي ورفاقه تحت الأرض مقتنعين أن الحرب لم تنتهِ. ومع انتقال السلطة إلى بشار الأسد، بدا المشهد وكأنه تسليمٌ لمفاتيح «القبو» ليس إلا. استمرارٌ للعبة نفسها بوسائل أكثر حداثة. العدو ما زال هناك، الخطر قائم، نعم، لكن صورة «الخارج» و«المؤامرة» صارت أداةً لترميم جدران القبو وإطالة عمره.
وبينما تتراكم الثروات فوق الأرض، وتُدار التحالفات، في صور متعددة عن ماركو. كان الداخل يُطالَب بالصبر، بالانتظار، وبالعيش في زمنٍ معلّقٍ على وعد المقاومة. حتّى خرج السوريون إلى الشارع في 2011، وبدا الأمر كمن اكتشف فجأةً أن الحرب التي عاشها الشّعبُ لم تكن هي الحرب الوحيدة، وأن القبو ليس ملجأً بل هو سجن. منذ ذلك الحين، تفتّتت الأرض وتشظّت الجماعات، وبرز أمراء حرب كأنهم انعكاس لبلاكي الّذي غرق في الوهم ثم في الدم. وانبرى كثيرٌ من مثقّفي المصلحة يتأرجحون بين مصالحهم الشّخصيّة وتمجيد السلطة الجديدة، وبين ما هو حق ينكرونه. كأنّ ميلينا تجسّدت في عشرات النسخ منهم. المجازر تُرتكب باسم «الدولة»، والخرائط يعاد رسمها تحت أعين الشّعب المغيّب. ولا تزال هناك محاولات لإعادة بناء القبو، لإقناع الناس أن ما جرى لم يكن إلا فصلاً عابراً، وأن الوهم قابل للترميم.
سوريا الآن تقف على حافة التقسيم كما وقفت يوغسلافيا في تسعينيات القرن الماضي. الفارق أنّ المأساة السورية لم تُكتب نهايتها بعد. ما زلنا داخل القبو، موسيقا الجنون تعزف بلا توقف، والجثث تتكدّس فوق الماء والدماء، بينما يردّد القتلةُ خطابَ «الوطن» الذي صار مجرّد ستارٍ سميكٍ لنهب الأرض وتشظّيها.