الصورة: (Barbara Hastings-Asatourian - فليكر)
بقضيب بلاستيكي صغير ومرن بحجم عود الثقاب تقريباً يُزرع برفق تحت جلد الجزء العلوي من ذراع المرأة؛ تحصل النساء على أحدث ابتكارات وسائل منع الحمل، مع حماية مستمرة من دون الحاجة إلى منبه يومي أو شهري لتناول الحبوب، يطلق عليه «شريحة منع الحمل».
تشرح طبيبة أمراض النساء عائشة عثمان قائلة: «شريحة منع الحمل تعتبر إحدى أذكى وسائل منع الحمل وأكثرها فعالية، وهي عبارة عن قضيب صغير جداً، يُزرع برفق تحت جلد الذراع الأيسر للمرأة، يطلق هرمون البروجستين فقط، بجرعات منتظمة ومنخفضة. دوره الأساسي إيقاف عملية الإباضة تماماً، وهذا هو السبب الرئيسي لفعاليته التي تتجاوز 99%».
وتضيف «بسبب هذا الهرمون يصبح مخاط عنق الرحم سميكاً جداً، فيصعب على الحيوانات المنوية المرور، وفي الوقت نفسه يجعل بطانة الرحم رقيقة غير جاهزة لاستقبال أي بويضة مخصبة. هذه الآليات المتعددة تضمن حماية استثنائية من الحمل لمدة ثلاث سنوات كاملة، دون الحاجة لأي تذكر يومي أو شهري، ما يمنح المرأة راحة بال لا تقدر بثمن».
مزايا عديدة
تتحدث الطبيبة النسائية عائشة عثمان عن سهولة إزالة شريحة منع الحمل حين تقرر المرأة الإنجاب، مبينة أن «الخصوبة تعود بسرعة كبيرة، وغالباً ما يحدث الحمل في غضون أسابيع قليلة، وتشير الدراسات إلى أن معظم النساء يبدأن في التبويض خلال ستة أسابيع من إزالة الشريحة».
وتضيف «الشريحة خالية من هرمون الأستروجين، وهذا ما يجعلها خياراً مناسباً جداً للنساء اللواتي لا يستطعن استخدام وسائل منع الحمل المحتوية على هذا الهرمون مثل المدخنات أو من لديهن تاريخ من الجلطات الدموية، هذه الميزة توسع خيارات منع الحمل الآمنة لفئة كبيرة من النساء».
من الفوائد الأخرى، وفق عثمان، تحسين الدورة الشهرية لبعض النساء، إذ قد تؤدي الشريحة إلى تغيرات إيجابية في نمط الدورة الشهرية لدى بعض مستخدماتها، وبعضهن يلاحظن أن الدورة تصبح أخف أو أقل ألماً.
ومحاذير أيضاً..
برغم مزايا شريحة منع الحمل، فإنها كأي تدخل طبي، قد تحمل بعض المخاطر والآثار الجانبية، ومن الضروري أن تكون النساء على دراية بهذه الجوانب لاتخاذ قرار بوضعها أم لا.
توضح عثمان أن التغيرات في نمط النزيف تعتبر الأثر الجانبي الأكثر شيوعاً الذي تبلغه النساء، وهي السبب الرئيس الذي يدفع حوالي 1 من كل 10 نساء إلى التوقف عن استخدام الشريحة.
وتضيف «هذه التغيرات تختلف بشكل كبير من امرأة لأخرى، وقد تشمل نزفاً غير منتظم وهو الأكثر شيوعاً، أو نزفاً أطول أو أقصر من المعتاد، أو غياب الدورة الشهرية تماماً لدى نحو 20% من النساء».
ثمة آثار جانبية أخرى شائعة، وتشرح عثمان أن الأبحاث لا تدعم وجود صلة مباشرة مؤكدة لها بالشريحة في جميع الحالات، ومنها: «الصداع، وزيادة الوزن، وحب الشباب، وألم الثدي أو حساسيته، وأحياناً تقلبات المزاج والاكتئاب، والتهاب المهبل، وآلام الظهر أو البطن، والغثيان والدوار، وانخفاض الرغبة الجنسية».
توفر الشريحة حماية عالية ضد الحمل فقط، ولا تحمي من الأمراض المنقولة جنسياً، أي أنها لا تُغني عن استخدام الواقي الذكري لغرض الوقاية.
لا تُعد الشريحة مناسبة لجميع النساء، إذ يجب تجنبها في حالات الحمل المشتبه به أو المؤكد، والحساسية لمكونات الشريحة، وسرطان الثدي الحالي أو السابق، وأمراض الكبد الشديدة أو أورام الكبد، والنزيف المهبلي غير المبرر، ووجود تاريخ من الجلطات الدموية الخطيرة أو السكتة الدماغية أو النوبات القلبية.
تروي ليلى علوش (35 عاماً) تجربتها في استخدام شريحة منع الحمل قائلة: «زرعت الشريحة أملاً في الراحة، لكنني عانيت من نزيف مستمر لأكثر من شهرين، ثم بشكل متقطع، كان الأمر مرهقاً نفسياً وجسدياً، كما لاحظت زيادة في وزني وتقلبات مزاجية حادة لم أكن أعاني منها من قبل، اضطررت لإزالتها بعد ستة أشهر لأن الآثار الجانبية كانت مزعجة للغاية ولا تطاق».
أما تجربة مريم شرتح (28 عاماً) فمختلفة. تقول: «بعد الزراعة ونسيان حبوب منع الحمل والقلق المستمر، كانت الشريحة بمثابة منقذ، لم أعد أفكر في منع الحمل لثلاث سنوات، والأفضل من ذلك توقفت دورتي الشهرية تماماً بعد بضعة أشهر، وهذا كان مريحاً جداً، أشعر بحرية لم أعهدها من قبل».
كيف تُزرع.. وكيف تُزال
عملية الزرع نفسها سريعة وبسيطة، وتستغرق عادةً نحو دقيقة واحدة، تُنظف وتُخدّر منطقة الذراع العلوية الداخلية، تحديداً بين عضلة البايسبس والترايسبس، لتجنب الأوعية الدموية والأعصاب الكبيرة، ثم يستخدم الطبيب/ة أداة خاصة لوضع القضيب الصغير تحت الجلد مباشرة، وبعد الزرع يجب أن يكون محسوساً تحت الجلد عند لمسه، هذه الخطوة حاسمة للتأكد من وضع الشريحة بشكل صحيح.
بعد عملية الزرع، تُوضع ضمادة ضاغطة على الموقع لمدة 24 ساعة لتقليل الكدمات والتورم، تليها ضمادة لاصقة صغيرة تُترك لمدة 3-5 أيام حتى يلتئم الجرح تماماً. كما ينبغي تجنب الأنشطة البدنية الشاقة أو رفع الأثقال بالذراع التي زُرعت فيها الشريحة لمدة 24-48 ساعة، والحفاظ على المنطقة نظيفة وجافة، ومن الطبيعي أن تشعر المرأة ببعض الألم الخفيف أو التورم أو ظهور كدمات في موقع الزرع لبضعة أيام.
عملية إزالة الشريحة بسيطة أيضاً وتستغرق عادةً أقل من 5 دقائق، تُخدر المنطقة المحيطة بالشريحة، ويُصنع شق صغير في الجلد، ثم تُسحب الشريحة بلطف، وتُطبق ضمادة على الذراع بعد الإزالة.
تشير بعض المصادر إلى عدم الحاجة لمتابعة روتينية بعد التأكد الأولي من وضع الشريحة، إلا أن العديد من الأطباء يوصون بمتابعة بعد 4-8 أسابيع لمراجعة نمط الدورة الشهرية وأي آثار جانبية مقلقة.
الخصوبة بعد الإزالة.. هل تعود الحياة إلى طبيعتها؟
أحد أبرز المخاوف التي تشغل بال النساء عند اختيار وسيلة منع حمل طويلة المفعول هو تأثيرها على الخصوبة المستقبلية وقدرتهن على الإنجاب بعد التوقف عن استخدامها، وتُعد شريحة منع الحمل من الوسائل التي تسمح بعودة سريعة للخصوبة بمجرد إزالتها.
تشير دراسات إلى أن طول مدة استخدام الشريحة لا يؤثر سلباً على سرعة عودة الخصوبة، وقد يكون هناك تأخير طفيف لدى النساء فوق سن الثلاثين مقارنة بمن هن أصغر سناً.
يؤكد طبيب أمراض النساء وعلاج العقم محمود المطلق أن «شريحة منع الحمل، لا تؤثر سلباً على الخصوبة على المدى الطويل، فبمجرد إزالتها تبدأ الهرمونات بالخروج من الجسم بسرعة كبيرة، وغالباً ما تعود المرأة إلى دورتها الطبيعية وقدرتها على التبويض في غضون 4 إلى 6 أسابيع».
ويضيف «دراساتنا تظهر أن معدلات الحمل بعد إزالة الشريحة تكون عالية جداً، وتصل إلى ما يقارب 90% خلال عامين لمن يرغبن في الحمل. وهذا أسرع بكثير مقارنة ببعض الوسائل الأخرى مثل حقن منع الحمل التي قد تؤخر عودة الخصوبة أشهراً. القلق من أن وسائل منع الحمل تسبب العقم هو اعتقاد خاطئ تماماً».
من الضروري التأكيد على أن الشريحة توفر حماية عالية ضد الحمل فقط، ولا تحمي من الأمراض المنقولة جنسياً، أي أنها لا تُغني عن استخدام الواقي الذكري لغرض الوقاية.
بكل تأكيد يظل استخدام شريحة منع الحمل قراراً شخصيّاً، ويتطلب استشارة طبية دقيقة لفهم جميع الجوانب.