عزيزي القارئ..
حين طُلب مني الكتابة لك، كان عليّ أولاً الإجابة عن ثلاثة أسئلة محورية: من أنت؟ وما الموضوع الذي أود طرحه عليك؟ وما الذي أتمناه عند اشتباكك مع النص؟
بالنسبة لـ «من أنت؟»، اخترتُ كونك إنساناً فقط، بقلبٍ وعقلٍ يعملان بتوازن. أما عن الموضوع، فتحتَ وطأة الإبادة الراهنة، لم يسعني إلا أن أكتبَ لك عمّا حدث ولا يزال يحدث حتى اللحظة في مدينتي، وعما حدث معي أنا شخصياً، هنا حيث أعيش. وحول ما أتمناه عند اشتباكك مع هذا النص، فهو أن تتمكّن، أيها الإنسان العاقل المتوازن، من الإجابة عن سؤال واحد سأتركه لك في الخاتمة، لتبقى النهايةُ مفتوحةً كما هي جراحُنا التي لم تلتئم.
هيّا معي إذاً في رحلة قد تكون موجعة، وعبر ذاكرةٍ شخصية وجمعيّةٍ أليمة، نمشيها معاً يوماً بيوم.
ليلة 12-13 تموز
على الطاولة الخشبية في مَسكَني، صدر دجاجٍ مثلّج بوزن /200غ/ ينتظرُ أن يذوبَ عنه الثلج ليُطهى غداً. الأخبار القادمة من المدينة التي تسكن قلبي غير مطمئنة، فالقوات الحكومية تتجهز للاقتحام. والجماعة البشرية التي أنتمي إليها بالولادةِ والنشأة، توصف بـ«الخنازير»، ويحشد لإبادتها، نفيرٌ عام من مختلف الأصقاع.
تفقدت صدر الدجاج المثلج، وهمستُ لنفسي ساخرةً: «ما داموا لم يصفونا بالدجاج، فهذا أمر جيد»، فهؤلاء الغزاة يحرّمون أكل لحم الخنزير.... سننجو إذاً.
صباح الثالث عشر من تموز
المدينة محرومةٌ من الكهرباء. قنوات الإعلام الرسمية والعربية الرديفة تدّعي دخولَ قوات وزارتي الداخلية والدفاع، التابعتين لـ«الدولة السورية الناشئة»، بغيةَ «فض نزاعٍ محلي بين بدو السويداء وميليشياتٍ درزية»، بما يوحي بأن مقاتلاً يواجه مقاتلاً، وأن ميليشيا متطرفة ما زالت موضوعة على قوائم الإرهاب وفق تصنيف مجلس الأمن الدولي، وصلت إلى الحكم في الثامن من كانون الأول/ديسمبر الماضي، تتصرف كدولة وتقف على الحياد من جميع مواطنيها وتحميهم.
ذابَ الثلجُ تماماً عن صدر الدجاج، وأصبح جاهزاً للطهو. لا شيء يدعو للاطمئنان. أحاول الاتصال بأمي لجعل هذا الصباح عادياً، كما اعتدنا، هي وأنا، منذ سنوات؛ أريد سؤالها عن طريقة طبخ الملوخية للمرة الألف ربما.
بعد محاولات فاشلة عديدة يجيبني صوتٌ، أحاول تبيّن إن كان صوتَ أمي فعلاً، وقد غيَّبَتْه أصواتُ القذائف والقصف. إنه صوتها. هي المرة الأولى التي أسمع فيها صوتَ هذه السيدة الجبارة مرتعِداً إلى تلك الدرجة. ما زالوا بخير، أتنفّسُ بعمق. القوات الحكومية تجتاح القرى الغربية، ولم تدخل مدينة السويداء بعد. لا أسأل أكثر، لكنني أوصيها أن تضع كلبتنا الصغيرة الأليفة في غرفةٍ وتقفل الباب عليها في حال دخل هؤلاء المنزل، فنباحها على الغرباء قد يدفعهم لقتلها. لم أكن أريد أن أفكر، ولو للحظة، بأنهم قد يقتلون عائلتي بأكملها قبل قتل حيواننا الأليف.
الرابع عشر من تموز
أتسمر منذ الأمس خلف شاشة هاتفي. رسالةٌ من أبي: «لولو نحنا بخير، لا تخافي»، تنقطع بعدها الإنترنت، وتُعطَّل شبكة الخلوي، فلا تصلهم رسائلي.
دخلت القوات الحكومية قرية المزرعة، التي كانت تُعرف باسم «السجن» قبل تغيير اسمها تيمناً بموقعٍ قربها، جرت فيه معركةٌ، سطّر فيها أجدادنا نصراً عظيماً، ودُوّن اسمُها في مذكرات الجنرالات الفرنسيين المهزومين يومها. سُلّمت القرية دون مقاومةٍ لقوات السلطة، باتفاقٍ مسبقٍ بينها وبين «عميلٍ» من أهل القرية، بعدَ أنْ وُعِدَ الأهالي بالأمان إن هم لم يقاوموا.
في عالمٍ موازٍ، تتصدر مشاهدُ قصّ الشوارب وإذلال مشايخ ورجال الدروز العزل وسائلَ التواصل الاجتماعي لجمهورِ السلطة الجديدة.
فقط لكونهم دروزاً، أُعدم كثير من سكان قرية المزرعة والقرى الواقعة على خط درعا الشرقي – السويداء ميدانياً، ونهبت بيوتهم وأرزاقهم، ثم أحرقت. جثث الأهالي تُركت على الطرقات، وعلى مداخل منازلهم وفي مضافاتهم، وبعضهم أحرق حياً. هذا ما وثّقه مقاتلو السلطةِ بكاميرات هواتفهم، ونشروه بالصوت والصورة، افتخاراً بجرائمهم.
المزرعة، الآن، فارغةٌ من أهلها، منكوبةٌ، وتشكل مقراً عسكرياً لقوات السلطة على بعد 12 كم فقط من مركز مدينة السويداء.
يبدأ لونُ صدرِ الدجاج بالتحوّل إلى الأزرق. لا شهية لتناول أي طعام. كنتُ أفكر في إعادة صدر الدجاج إلى الثلاجةِ أو رميه، حين رنَّ هاتفي: إنه أبي بعد غيابٍ تام لأكثرِ من عشرِ ساعات.
الخامس عشر من تموز
«لولو بعدنا عايشين، لا تخافي». رسالةٌ وحيدةٌ لا تبعث على الاطمئنان، وسط زحمةِ أخبارِ نزوحِ المئات من قرى ولغا، والثعلة، وسواهما باتجاه السويداء، ومناشدات رفاقنا للوصول إلى أي معلومةٍ عن ذويهم العالقين داخل القرى، وأخبار عن اقتحام المدينة من محاور عديدة.
ما الذي يعنيه أبي بعبارة: «بعدنا عايشين»؟ أحاول الاتصال بكل أفراد عائلتي. جميعُ الخطوط خارج الخدمة. أتحقق من توقيت إرسال الرسالة: قبل ساعة من الآن.
يرن المنبّه مذكراً بموعدٍ مع مؤسسة رسمية فرنسية لا يمكن تأجيله. أخرج من المنزل متوجهةً إلى آلة تصوير إلكترونية، ثم أجلس أمام مكتب الموظف الأنيق لأقدّم الأوراق المطلوبة والصور الشخصية. ينبّهني، بلطفٍ فرنسي، إلى أن هذه الصور سترافق جميع وثائقي الرسمية طوال فترة إقامتي هنا. يسألني بود إن كنت أرغب الاحتفاظ بها أو إعادة التقاط صورة أخرى بديلة مع ابتسامة، على أن أعود بعد ساعة لمتابعة الإجراءات. أنظر إلى الصور في يده، فلا أتعرّف على الفتاة الظاهرة فيها. عيونٌ تائهة، وجهٌ متجهم، ملامحُ شخصٍ لم يأكل، ولم ينم منذ أيام. عقلي خارج الزمن الآني. بعد ساعة من الآن، لا أعلم إن كانت عبارة «بعدنا عايشين»، التي أرسلها أبي ستبقى سارية المفعول.
أومئ للموظّف بالنفي، أشكره على دماثته، أنهي لقائي وأعود إلى المنزل.
السادس عشر من تموز
صدرُ دجاجٍ متحلّل، رائحةٌ كريهةٌ واخزة تملأ المطبخ، تتناسب بطريقةٍ لا منطقية مع مشاهد مئات الجثث المكدّسة في ساحات وممرات المشفى الوطني بالسويداء. برادات الموتى تعطّلت بسبب انقطاع الكهرباء، فتحوّل المشفى إلى مقبرة جماعية مفتوحة.
تغمرني الصور والروائح معاً، فيتلاشى الزمن من حولي. أجد نفسي هناك، أفتّش بين وجوه الضحايا عن عائلتي، بلا خبرٍ منذ الأمس. ألتَهمُ كلَّ ما تنشره الشاشات، وصفحات مواقع التواصل التي تضج بصور وفيديوهات للقتل الصريح، يهلّل لها جمهور السلطة علناً.
في أحد المقاطع ألمح وجهاً سَمحاً أعرفه. رجلٌ مسنٌّ يقف أمام باب منزله بوجهٍ مرتجفٍ يحمل القرآن بين يديه. يُسأل عن دينه فيجيب: «درزي». يُسأل عن سلاحٍ في بيته فيرد: «ما في سلاح، فوتوا فتّشوا». يُسأل عن الأولاد، «لا يوجدُ أحد. ما في غير أنا ومرتي» يجيب. يبتعد المصوّر – وهو أحد المهاجمين - بكادر أوسع نحو دوّار العمران بجانب مدرسة سلمان قاسم عمر، فتظهر حديقةُ منزلٍ قضيتُ فيها جزءاً من طفولتي. المنزل هو منزل عمّتي. والرّجل ذو الوجه السّمح هو زوج عمّتي (عمّو جميل). أخيراً يختتم المصوّر الفيديو بشتائم: «هدول أنجاس الدروز… ختايرة ونسوان… خنازير». ثم ينطفئ التسجيل، تاركاً مصيرَ عمّتي وزوجها في المجهول.
أشعر بالاختناق. رائحة الدجاج الفاسد تزداد ثقلاً، أبحث عمّا أغلف به الصدر المتحلّل فلا أجد سوى كيس شفاف، أقرّر رميه في الحاوية أسفل البناء. لكن قبل كل شيء، عليّ أن أبحث لأعرف مصير عمّتي.
الأخبار تتسارع. غارتان إسرائيليتان على مبنى الأركان العسكرية بدمشق وبالقرب من القصر الرئاسي، المشهد يزداد تعقيداً. الأرتال الرسمية توقّفت عن التقدّم، ليُفسَحَ الطريق أمام جحافل من العشائر من مدنٍ سورية شتّى بكامل عتادها. ماذا يمكن أن يحدثَ بعد؟
السابع عشر من تموز
هل قُتلوا؟
التواصل مع عائلتي منقطعٌ تماماً منذ يومين. تنتشر مقاطع فيديو لمجزرةٍ طالت شباناً من عائلة سرايا، أُعدموا ميدانياً في ساحة تشرين القريبة من منزلنا، وأخرى تُظهر نهبَ محالّ طريقِ قنوات، فيما جثث الأهالي مرميةٌ على جانبي الطريق. بيتنا هناك، يبعد مائتي متر فقط عن الطريق الرئيسي، في دخلة صغيرة مقابل محل «الحلاج» الشهير بحلوياته - لطالما اعتبرتُ نفسي محظوظةً بسبب قربِ بيتنا من محل الحلويات ذاك، طوال سنوات إقامتي في سوريا - لكن اليوم، كل ما يأتيني من هناك قاتمٌ ومرٌّ بطعم العلقم.
أنشدُ، كما يفعل غيري، أيَّ خبر يطمئنني عن أهلي. الأصدقاء يساعدون في البحث والسؤال، لكن لا أخبار مؤكدة. لا وسيلة للتواصل سوى الهاتف الأرضي. تراسلني صديقة تطلب رقم منزل عائلتي لتتصل بهم، فألعن نفسي وذاكرتي العاجزة دائماً عن إسعافي حين يتعلّقُ الأمرُ بالأرقام. أبكي قهراً، كيف لم أحفظ رقمنا الأرضي في هاتفي؟ أتذكر أنني لم أستخدمه يوماً، حتى قبل مغادرتي سوريا قبل أربع سنوات. من كان يتخيّل أن نُدفع إلى مثل هذا المأزق؟ وهكذا تبدأ رحلة البحث عن أي قريب أو صديق يعرف رقم بيتنا!
الثامن عشر من تموز
حتماً قُتلوا. فقدتُ عائلتي.
قطعان الموت تواصل حرقَ كلّ ما هو حي. رائحة حريقٍ تتسرب إلى شقتي في فرنسا، على بُعد آلاف الكيلومترات من موقع المجزرة. يتلاشى منطق الزمان والمكان من جديد؛ أنا هناك، وزمني هنا متوقف. أبحث عن مصدر الدخان، وأتخيّل منزل عائلتي يحترق. تحت وطأة الخوف أحاول استعادة وعيي باللحظة الراهنة. أراسل جارتي في هذا البناء الفرنسي العتيق، فتردّ بأن الحريق اندلع في مستودع خلف المنزل، وعناصر الإطفاء يتولون الأمر.
أسارع بغسل وجهي واستجماع قواي. تقع عيناي على كيس الدجاج الذي تركته على الطاولة بانتظار رميه، فأصطدم بحقيقة أنني لم أغادر البيت منذ أيام. شيء يتحرك داخل الكيس بسرعة. أقترب أكثر. المشهد صادم: عشرات الديدان البيضاء تخرج من قلب اللحم المتعفن، تتحرك بوتيرة واحدة، كأنها لن تهدأ قبل أن تلتهم كل شيء. أشعر بها على جسدي. يصيبني شلل، إنّني عاجزة عن نفضها، وعاجزة عن تجاهلها. كم تحتاج هذه الديدان من الوقت لتنهي مائتي غرام من اللحم؟
التاسع عشر من تموز
إنهم أحياء. لدي عائلة!
وصلني أخيراً رقم الهاتف الأرضي. صديقةٌ تتصل بعائلتي وتُسجّل المكالمة. صوت أبي، أخيراً. الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله. أشكر الله آلاف المرات، لا لأنني مؤمنة، بل لأن نجاتهم أشبه بمعجزة، تحتاج إلى إلهٍ يُعمي بصيرةَ القتلة عن شارعهم ومنزلهم.
الديدان ما زالت تدب في اللحم الفاسد، بلا راحةٍ ولا رحمة، كأنها خُلقت لهدف واحد: القضاء على كل شيء.
صور المفقودين والمفقودات تتوالى. نعواتٌ لأصدقاء وجيران. عائلات كاملة أُبيدت. كوادر طبية، مهندسون رُمُوا من شرفات الطوابق العليا، امرأةٌ قاومت بمسدس فردي فقُطعت يدها ونُحرت، أطفالٌ قُصِفوا وأُحرقت جثثهم. كديدان الجثث، دخل هؤلاء إلى مدينتي الوادعة، ومثلها، كانوا يحملون هدفاً واحداً: القضاء على كل شيء، أيضاً.
لم يستنكر أحد. لم يضغط أحد لوقف المجزرة. وُجدت كل المبررات لقتلنا. ومن لم يشارك في القتل، شارك في دعمه بالمؤونة والطعام، فخوراً بفتوى: «من جهّز غازياً فكأنما غزا». سمُّوها «غزوةً» إذاً! إبادةُ مدينتنا وذاكرتنا ليست أكثر من غزوة، تخلّلها جمعٌ للغنائم: مؤونة البيوت، أثاثها، حتى أكياس الشيبس وكبال الكهرباء المقطوعة من الأعمدة. «هاد رزقنا»، يقول أحدهم في فيديو صوّروه بأنفسهم.
وفي الخارج، تُعقد اجتماعاتٌ في باريس وباكو، يقودها الأميركي والإسرائيلي ووزير خارجية السلطة الجديدة، السلطة التي تستمد شرعيتها من ذلك الخارج. أخبارٌ عن اتفاقٍ يلوح في الأفق.
هدنة. وإعلان وقف إطلاق النار.
عدد القرى المنكوبة /36/، وأحياء كاملة في مدينة السويداء مدمرة ومحروقة، ولن يستطيع سكانها العودة إليها.
الحادي والعشرون من تموز
إنهم يستغلون أملنا.
- بسلامة عمرك حبيبتي، عمتك وزوجها انقتلوا
- شو؟!!!
استطاع والدي التعرف إلى جثتي عمّتي وزوجها، وأرسل إلي صورهما. بعيداً عن منزلهما بمائتي متر، كانت إحدى الجثتين مغطاة بحرام أحمر اللون، والأخرى برمادي. الوجوه مغطاة بالديدان، تماماً كما في مشهد الكيس على الطاولة بجانبي. لم أصدق. لقد راسلتني عمّتي بالأمس من هاتفها، فكيف استطاع والدي التعرف على الجثتين وقد اختفت الملامح؟ يجيبني: «من الملابس فقط»، مع العلم أن الهاتف سرق مع أشياء أخرى من المنزل قبل إحراقه. لا أصدق. اتصلتُ برقم عمّتي، لترد عليّ سيدةٌ تحاول تقليد اللهجة الدرزية. أغلق الهاتف، وأغرق في البكاء.
نجزّ لحيته وهو ميت.
لا تزال جثث المدنيين تتحلل في الطرقات، وفي منازلهم المنهوبة. بعضهم دفن في مقبرة جماعية، والبعض ما زال في القرى المحتلة من قبل ميليشيات عشائرية، يعجز ذووهم عن الوصول إليها حتى تاريخ كتابة هذا النص.
الرابع والعشرون من آب
أستعيد المشهد القاسي للديدان يأكل بعضها بعضاً.
أقول لنفسي: قريباً، سيتفرغ المتطرفون لقتل إخوتهم في الدين، الذين سموهم «الـكيوت» لتعاطفهم مع ضحايا السويداء. لا أستعيد شعور الديدان على جسدي فحسب، بل تنهش جلدي رويداً رويداً.
أنا عاجزةٌ عن النجاة، وأشعر أنني أغرق أكثر في الـ «لا مكان» والـ «لا زمان».