× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

بورتريه ليلي لحارة سوريّة

حكاياتنا - ملح 27-09-2025

«الحارة مسرح مفتوح»؛ وهذا النص هو بورتريه ليلي وجودي مكثف لحارة سورية، حيث يتحول الضجيج إلى سيناريو قسري لا مفر منه. توثق الراوية بمرارة وتهكم التناقضات الحادة، تتأمل جبروت المكان وعجز الروح، لتلخص بؤس الوجود في جملة واحدة: الجمهور مجبر على الحضور كل ليلة، بلا فرصة لتغيير النص

الرسم مولّد بالذكاء الاصطناعي

الحادية عشرة ليلاً، تنهض الحارة ببطء، كما لو كانت تعود إلى الحياة بعد نوم ثقيل. الضوء الخافت خلف النوافذ يصبح مسرحاً صغيراً، كل بيت يُعرض فيه فصل من مسرحية متواصلة، وكل صوت يعلن بدء العرض: صراخ، خطوات، ضحك، وأحياناً بكاء مكتوم.

جارنا «المحبّحب» لا يحتاج أي مقدمة، قليل من جرعة التخدير، بعض الإبر، ثم يتصاعد الصراخ واللكمات. زوجته تجرأت وذكرت كلمة «الطلاق»، لكن الشيوخ كانوا أسرع؛ عادوا بها إلى البيت وهم يرددون تعويذتهم الأبديّة: «بكرا أحلى». 
أضحك بصوت منخفض أحياناً، وأشعر بالأسى أحياناً أخرى، فالعبارة تبدو كطبقة رقيقة تغطي جرحاً أعمق، جرحاً لا يراه إلا من يراقب الليل بصمت.

الهواء يمتلئ بروائح طبخ متأخر، ودخان سجائر، ومزيج ثقيل من الغبار والديزل. من بعيد، تُسمع أصوات الأطفال الذين لم يذهبوا إلى النوم بعد، يركضون بين الأزقة، صدى ضحكاتهم يختلط بصراخ «المحبحب». كل شيء هنا مشهد حي، مكتمل التفاصيل، حتى الفوضى تبدو محسوبة، والضوضاء تحمل إيقاعاً خاصاً بها.

بعد منتصف الليل، تصعد ندّو إلى السطح، صوتها الغريب يتسرب إلى كل زاوية من الحارة. انفجارات تشبه المفرقعات تشق الليل. أخرج أحياناً لأراقبها، أراها وكأنها تحرك جيشاً وهمياً من الأصوات. ونحن نستمع، نضحك، نغضب، ثم نحاول أن ننفض أصواتها من رؤوسنا بلا جدوى. كل ما تحرره هو نوم الحارة، لكنها تمنحنا لحظات من الغضب الممزوج بالدهشة، تذكرنا بهذا البؤس الحيّ الذي نصرّ على عيشه.

في زاوية أخرى، آلان العازب يفتح قلبه على مصراعيه؛ الأغنية نفسها كل ليلة: «دنيا دوارة». أراه يجلس، يضع طرفي السماعات في أذنيه، يبكي بصمت، دموعه تتسلل من نافذته إلى غرفتي، تجعل الليل أثقل، كأن الحزن أصبح مادة ملموسة في الهواء. أحياناً أطرق بابه بنية المزاح: «هل انتهى الحزن لهذه الليلة؟»، يبتسم بحزن ويعود إلى الأغنية. الحزن عنده طقس مقدس، ربما الطقس الوحيد الذي لا يتغير، الذي يصر على أن يبقى كما هو، رغم كل الجنون حوله.

حتى وأنا أطفئ الضوء، أعلم أن الليلة القادمة ستعيد نفسها: المشاهد نفسها، اللكمات نفسها، الأغاني نفسها، انفجارات ندو نفسها، دموع آلان نفسها، وصوت مولدة «حسن العريس» نفسه

وأنا؟ أدوّن كل شيء، أكتب عن كل التفاصيل الصغيرة: انفجار ندو، بكاء آلان، صراخ «المحبحب»، خطوات الجيران المتأخرة، أصوات القطط تبحث عن الطعام بين القمامة، ورائحة الخبز البارد من فرن الحارة القديم. أضحك من بؤس المشاهد، وأتساءل: هل هناك كوكب آخر لا يُعرض فيه هذا المسلسل الرديء كل ليلة؟

قبل الفجر، يظهر «حسن العريس» في المشهد الختامي؛ مولدة الكهرباء الخاصة به لا تتوقف أبداً، صوتها يملأ الحارة كـ«دي جي» لحفل أبدي. البيوت تهتز، والهواء مُثقل برائحة الديزل، ونحن مجرد كومبارس في سهرة لا تنتهي. أحياناً أشعر أن الحارة نفسها تتنفس معنا، تتقاطع أصواتنا مع أصواتها، ونصبح جزءاً من المشهد والضوضاء التي لا تهدأ.

أحياناً أخرج إلى الزقاق الخلفي، أرى الأرصفة القديمة المليئة بالحفر، المرايا المكسورة على جدران البيوت، الحيطان التي تشهد كل صراخ وكل ضحكة. هنا، يمكن للخيال أن يشتغل، للحظات نشعر أن الحارة حيّة، تعرف أسرارنا، وتخفيها بين أصواتها.

أقف على شرفة بيتي، أتنفس الهواء الثقيل، أستمع إلى كل الصراخ، والضحكات، والبكاء، وأكتب في دفتري:

«الحارة مسرح مفتوح، والجمهور هنا مجبر على الحضور كل ليلة، بلا تذاكر، بلا إذن خروج، بلا فرصة لتغيير النص؛ وفي النهاية، تبقى الحارة، بكل فوضاها، هي المسرح الذي نعيش فيه، وقلوبنا المتعبة، هي الجمهور الذي لا يغادر».

حتى وأنا أطفئ الضوء، أعلم أن الليلة القادمة ستعيد نفسها: المشاهد نفسها، اللكمات نفسها، الأغاني نفسها، انفجارات ندو نفسها، دموع آلان نفسها، وصوت مولدة «حسن العريس» نفسه، وأنا سأكون هنا، أقف على الحافة، أدوّن، أضحك، وأختنق معاً، كأنني آخر شاهد على عرض أبدي لا نهاية له، عرض يفرض علينا المشاركة، رغم أن أجسادنا وروحنا تتوق أحياناً إلى الهروب.

حارات_سوريا العنف_ضد_النساء_في_سوريا الطبقات_الاجتماعية_في_سوريا

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0