× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

موسيقا بشار الأسد.. وبراميله المتفجرة

حكاياتنا - حشيش 28-09-2025

يُقال إن الموسيقا تُهذّب الروح، لكن ماذا لو كانت الروح معطوبة منذ البداية؟ من هتلر الذي وجد في أوبرات فاغنر صدىً لبطولته المزعومة، مروراً بالقذافي الذي اعتقد نفسه موسيقياً على خُطا نيرون، وصولاً إلى بشار الأسد الذي كتب جملة عن «موسيقاه» فيما كانت طائراته تمطر سوريين بالبراميل

الرّسم: عماد حجّاج - كارتون موفمينت

أذكر أن بشار الأسد كتب مرّة على «بروشور» خاص بحفلة موسيقيّة كان قد حضرها مع زوجته جملة: «موسيقانا أقوى من رصاصهم» وذيّلها بتوقيعه.

لم أستطع إبعاد هذه الجملة عن تفكيري كما فعلتُ مع كل خطاباته السابقة، فقد كتبها في مرحلة كانت طائراته أثناءها تُلقي البراميل على مناطق سوريّة عديدة، ولم أستوعب ما الذي يقصده بـ «موسيقانا»: أصوت البراميل؟ أم صدى الحفل الذي حضره؟ فمن الواضح أن صوت البراميل كان أعلى بكثير. 

لم أنتظر يومها، ولم أنم، أو ربما لم أستطع ذلك، فبدأت بكتابة نص مسرحي أطلقت عليه اسم «مَسلخ المحبة» تدور أحداثه حول رجل يعمل في الصباح في مسلخ، وفي المساء عازفاً في مطعم، وهذه كانت أقصى مُقاربة أجرؤ على تقديمها على مسرح سوري في زمنه.

لكن؛ هل كان بشار يستمع إلى الموسيقا حقاً؟ وهل تلك الموسيقا قادرة على تغيير ديكتاتور أو تهذيب روحه أساساً؟

المشكلة أن تكتشف أن الموسيقا أسهمت بتغيير مَجرى التاريخ حقاً، وغيّرت من تفكير الديكتاتوريات دوماً، ولكن إلى الطريق الذي لا يُمكن أن تتخيله، إلى طريق الحرب والمجازر والشوفينية والحرائق، إذ يُعتقد أن هتلر تقمّص شخصية «باسيفال» في أوبرا فاغنر، وقد رأى في ذاته المُنقذ البطل «الباسيفال» القادم من بعيد لينقذ شعبه.

في كتابه «الحيوان الحكّاء» يقول جوناثان غوتشل: 

«كتب إدوارد بولر لتون في 1835 رواية عن رينزي، وقد ألهمت هذه الرواية ريتشارد فاغنر الشاب، فقرّر أن يقتبسها في أوبرا، لقد استحضر بولور لتون أناساً من الورق والحبر، ثمّ وضع فاغنر هؤلاء الناس على خشبة المسرح، وروى قصتهم في أغنيات، ثمّ غيرت هذه الأغنيات أدولف هتلر، وغيّرت العالم من خلاله، وقد تكون شخصيات فاغنر الحبرية مثل سيغفريد وبارسيفال ورينزي، هي العامل الأهم في مزيج العوامل الجامح الذي جلب أسوأ حرب في التاريخ، وأسوأ مجزرة»!

تبدو براميل بشار يتيمة موسيقياً أمام كل هذه الجلبة، لا أوبرا، لا قيثارة، ولا حتى «منجيرة»، ولا طبل! يبدو أن براميله كانت تُخلق من العدم

تُحكى الأساطير عن إعجاب هتلر بفاغنر، يقال إنه حضر سلسلة «خاتم النيبلنغين» (بالألمانية: der Ring des Nibelungen)) مئةً وأربعين مرة دون ملل، وهو لا يخفي إعجابه وتأثره بفاغنر، فيقول: «من أراد أن يفهم ألمانيا الوطنية الاشتراكية، عليه أن يفهم أعمال فاغنر». 

لم يستطع هتلر أن يزور فاغنر حيّاً، غير أنه زار عائلته كما زار عائلة نيتشة. هتلر ذاته الذي قولب أفكار نيتشة، واعتبر نفسه امتداداً لفلسفته ولخصّها في النازية، نيتشة ذاته الذي أفرد كتاب «قضية فاغنر» كاملاً لذم فاغنر. هل يُعتبر نيتشة وفاغنر مسؤولين عن صعود هتلر وآلة حربه المجنونة، رغم أنهما تبادلا الكره؟ هذا يشبه القول إن جرير والفرزدق كانا مسؤولين عن ظهور هارون الرشيد!

وهنا لا أستطيع إلا أن أتساءل: ما الذي استمع إليه بشار حتى ألقى كل تلك البراميل؟ أبحث في الإنترنت، أسأل «الديب سيك»: هل كان لدى بشار أي حس موسيقي؟ لتأتيني الإجابة دوماً: «المعلومات عن ذلك قليلة». 

في مُفارقة عُظمى، يبدو أن الديكتاتور العربي الوحيد الذي امتلك حساً موسيقياً هو معمّر القذافي، نعم لا يوجد خطأ لا في الاسم ولا في المَعلومة، مُعمّر القذافي ادّعى تأليف مقطوعات موسيقية وأغنيات وطنية، لعلّه اعتقد نفسه نيرون الذي كان يتقن عزف القيثارة ويؤلّف الأغنيات، ثمّ يدعو رجالات دولته ويجبر كل من في القاعة على الاستماع إلى عزفه لساعات طوال! نيرون الذي اعتبر نفسه فناناً خالداً، حتى أنه حين كان يحتضر وقت انتحاره رثى نفسه – كما يُروى – قائلاً: «يا للأسف، أي فنان عظيم يموت بموتي»!

لقد اشتهر كثير من ديكتاتوريي العالم بميول موسيقية، وهذا يضع جملة «الموسيقا تهذّب الروح» موضع شك ضخم، فأي روح غذّت نيرون وهتلر وحتى ستالين وآخرين؟!

كيف تستطيع القيثارة صنع أسوأ طواغيت روما صيتاً؟ وكيف للتشيلو والبيانو أن يقودا إلى دبابة «البانزير» وصواريخ «الفي تو» الألمانية؟ وهل يتوجب إعطاء شهادة فخرية للتخت الشرقي في أنه لم يصنع أي ديكتاتور شرقي؟

في النهاية تبدو براميل بشار يتيمة موسيقياً أمام كل هذه الجلبة، لا أوبرا، لا قيثارة، ولا حتى «منجيرة»، ولا طبل! يبدو أن براميله كانت تُخلق من العدم، او من رأسه المليء بالبارانويا والمؤامرات فحسب.

البراميل_المتفجرة هتلر_وفاغنر القذافي_ونيرون

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0