× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

صيدنايا ليست سجناً

عقل بارد - على الطاولة 30-09-2025

يتناول المقال التناقض المؤلم بين مدينة صيدنايا التاريخية المقدسة، التي تُعد ثاني محج مسيحي عالمي، وبين الارتباط القسري لاسمها بـسجن سيئ السمعة شهد فظائع وأهوالاً. تسعى الكاتبة، لتصحيح هذا الربط الخاطئ، مشيرةً إلى حملات تشويه ممنهجة تلصق فظائع السجون (كفرع فلسطين وسجن تدمر) بأسماء عريقة.

الصّورة: (theckenlively - فليكر)

«لازم تحرقوا صيدنايا باللي فيها». كان هذا واحداً من التعليقات الصادمة التي كُتبت لي على مقطع فيديو نشرتُه لمدينتي صيدنايا، محاولةً إظهار وجهها الحقيقي.

منذ سقوط النظام، ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بفيديوهات ومنشورات عن بشاعة وفداحة ما ارتكب داخل «سجن صيدنايا». 

لا أحد يستطيع إنكار الفظائع التي حدثت داخل السجن، والظروف اللاإنسانية والوحشية التي تعرّض لها المعتقلون. لكن لا شك، كل مَن يعرف مدينة صيدنايا أزعجه هذا الربط العجيب، فكيف لمدينة تاريخية أثرية تحمل كل معاني القداسة والحضارة أن يرتبط اسمها بسجن سيئ السمعة؟

اللافت أن السجن لا يقع في صيدنايا أصلاً، بل هو خارج الحدود الإدارية للمدينة ويبعد عنها 6 كم، حتى أن اسمه الرسمي ليس سجن صيدنايا بل «السجن العسكري المركزي»، لكن ارتباط اسم المدينة بالسجن جاء لأسباب عديدة، منها أنها المدينة الأشهر في محيطه، بفضل وجود «دير سيدة صيدنايا»، المحج الثاني للمسيحيين في العالم.

بما أنني صحافية، حاولت في عهد النظام السابق تناول هذا الموضوع في مادة صحفية، لأنفي هذه التهمة عن مدينتي، فصيدنايا ليست سجناً، وكل مَن كان يسمع أنني من صيدنايا كان يتوجّس خوفاً وكأنني أحد السجّانين فيه! لكن عندما اقترحت هذا الموضوع على رئاسة التحرير وإدارة الوسيلة التي كنت أعمل فيها تلقيتُ نظرة خوف وحذر كانت كافية لتفسير الموقف، فأي تناول لاسم السجن أو الحديث عنه يعني أننا قد نصبح جميعاً داخله!

أكملت قراء باقي التعليقات فوجدت من كتب: «أوف! طلعت مدينة كاملة وأنا مفكرتها سجن وبس!»،

وقرأت في تعليق آخر: «حتى لو كانت أحلى مكان بالعالم ما عاد نقدر نتقبلا، ولازم تغيروا اسما يلي ارتبط عنا بذكرى سيئة».

ارتبكت.. كيف لموضوع كهذا أن يحدث؟ أيعقل أن نغير اسم فلسطين بسبب ارتباطها بفرع فلسطين؟ أو أن نغير اسم مدينة تدمر الأثرية لارتباطها بسجن تدمر؟

مَن عَمِل على تشويه هذه الأسماء في وجدان السوريين ومن أجل ماذا؟

لماذا نرى مشفى باسم بيت الأسد وجامعة باسمهم وشارعاً باسمهم، لكن السجون بريئة من اسمهم وتُلطِّخ أسماء مدن عريقة؟

ما هذه الحملات الممنهجة لإلصاق فداحة التعذيب المرتكب داخل السجون بأمكنة لها تاريخها؟ حتى وصل الأمر لدى السوريين أن أصبحت هذه الأسماء «تروما» لديهم وتحمل رائحة الموت وذاكرته.

عندما نشرتُ ذلك الفيديو كان هدفي الكشف عن الجوانب الجميلة من مدينة صيدنايا، عن طقوسها الاحتفالية، عن أديرتها وكنائسها وجامعها. لم أكن وقتذاك قد زرت السجن، لكنني زرته لاحقاً برفقة صحافي أجنبي.

لدى دخولي السجن توجست وراحت ملامح الحذر والخوف تظهر علي، ففي هذا المكان عُذب وقُتل الكثيرون، ثم ها نحن هنا لنشهد على مكان عشّشت فيه رائحة الدم، وكنت خائفة.. 

خفت من أن أرى بقايا جثث، وخفت من أن أشهد على وسائل التعذيب التي استخدمت سنوات داخله، لكن ما لم يخطر لي أنني سأقابل أشخاصاً كانوا معتقلين هنا! في هذا السجن!

بينما كنت أتنقل بين الزنزانات وأشاهد بقايا ثياب وأغطية المعتقلين شعرت بزلزال هزّ كياني، بشعور من المرارة.. فهذا المكان الفارغ كان يوماً يحوي المئات ممن تكبدوا حيواتهم وخسروا حريتهم فداء لموقف اتخذوه ومبدأ اعتنقوه.

كنت أمشي وأصور الفظائع، إلى أن التقيت ثلاثة رجال يبدو أنهم في الستينات من العمر.. تقدّموا إلينا وألقوا التحية ثم راحوا يروون قصصاً عن السجن، إلى أن قال أحدهم: «نحن كنا معتقلين هون من التسعينيات».

صُعقت، وتجمدت مكاني... أنا الآن أخاطب ناجين من المجزرة وشهوداً عليها منذ عهد الأسد الأب!

أكثر ما صعقني أن أولئك الرجال تقدموا إلي يخبرونني عن قصص اعتقالهم وهم في غاية التصالح مع تلك الذكريات!

يتذكرونها بشيء من الضحكة ويروون كيف جرى اعتقالهم من جامع في حماة عندما كان واحدهم في الخامسة عشرة من عمره، وأنهم بقوا في سجن تدمر لسنوات، ثم نُقلوا إلى سجن صيدنايا ومكثوا فيه خمس سنوات بغاية «إعادة تأهيلهم» قبل إطلاق سراحهم، فبحسب أحدهم كان سجن صيدنايا وقتها «فندقاً» مقارنةً بسجن تدمر ومآسيه.

إن لم يكن هذا جوهر العدالة الانتقالية فيكف ستكون؟ إن لم نمضِ في هذا البلد إلى الأمام ونتطلع إلى مستقبلنا ونحاول أن يفهم بعضنا بعضاً كيف سنعيش معاً؟

رحتُ أترجم ما يقولونه للصحافي الأجنبي الذي وقف مدهوشاً من هذه التفاصيل، ثم التفت إلي وقال: «اسأليهم: ألم ينزعجوا من الناس المحيطين بالسجن لأنهم لم يفعلوا شيئاً خلال كل تلك السنوات لإنقاذهم؟».

ما إن ترجمت لهم السؤال حتى شهقوا وقالوا: «لا لا طبعاً لا، هي الناس شو دخلا؟ ما بيقدروا يعملوا شي».

ترجمت له جوابهم الذي فهمه من ردة فعلهم، ثم قال لي: «اسأليهم مرة أخرى ألم ينزعجوا لأن سكان محيط السجن لم يخرجوا في مظاهرات تندد بما يحصل وتطالب بحريتهم؟».

نقلت لهم السؤال فقالوا: «بالطبع لا، نحن لا نريد لأحد أن يقول شيئاً، فلو قالوا لاعتُقلوا وعُذِّبوا حتى الموت.. جميعنا نعرف ماذا سيحصل لمن يقرر الحديث عن الأمر أو الخروج في مظاهرة».

ثم سأل الصحافي مرة أخرى: «كيف برأيكم يمكن للسوريين أن يعيشوا معاً اليوم؟»

ليجيبوا: «أن ننسى الماضي ونتعلّم منه ونتطلّع إلى المستقبل».

كنت أسمع كلامهم وأشعر بحرقة ممتزجة بشعور من السعادة الداخلية لأنهم استطاعوا التغلب على كل رغبة بالانتقام داخلهم.

كنت أسمع كلامهم وأتذكر خلافات باقي السوريين على «السوشال ميديا» الذين يتراشقون التهم: «وين كنت من 14 سنة؟ ليش ما كنت تحكي متلنا؟ ما بيحقلك تحكي أنت ضليت ساكت... من يحرر يقرر».

وددت لو أن كل السوريين يسمعون ما يقوله أولئك المعتقلون الذين يُفترض أنهم أكثر من عانى وقاسى من هول ما حدث، وبدلاً من أن يطالبوا بالانتقام اختاروا الصفح والمضي قدماً والنظر نحو المستقبل، لا الوقوف على الماضي.

إن لم تكن هذه هي العدالة الانتقالية فكيف تكون؟ نعم هم يؤيدون محاسبة المجرمين، لكنهم يرفضون تخوين كل مَن صمت وكل مَن لم يحرك ساكناً لأنهم يعلمون جيداً الثمن الذي دفعوه مقابل الكلمة.

لم يشاؤوا أن تُعاد التجربة مع غيرهم، بل اكتفوا بما عانوه وتطلّعوا إلى مستقبلهم، منهم مَن أسس جمعية خيرية ومنهم مَن أصبح محامياً ومنهم مَن أكمل تعليمه ودرس الشريعة.

أستذكر بالذات وجه هذا الرجل.. خرّيج كلية الشريعة.. لقد كان يتحدث عن التعذيب الذي تعرّض له بطريقة مضحكة وكأنها ذكريات تخص شخصاً آخر، كان يشرح لي التفاصيل ويأخذني بين الزنزانات ليدلني كيف كان يجري استقبالهم بما يسمى «حفلة تعذيب»، وأين كانوا ينامون وأين كانت منصة الإعدام.

قالوا لي إنهم من حماة وقلت لهم إنني من صيدنايا.. وشرحت لهم مدى انزعاجنا من ربط اسم السجن بمدينة تعتبر الوجهة الثانية للحج لدى المسيحيين في العالم.

على الفور فهموا انزعاجنا نحن أبناء المدينة، وراحوا ينصحونني بالخروج في مقابلات، وفيديوهات للحديث عن الموضوع وتصحيح هذا المفهوم، وأذكر أن أحدهم قال: «نعم عمو فهمت عليك، معك حق كأنو حدا عم يقلنا سجن مكة مثلاً أكيد بدنا نتدايق... اطلعوا عالإعلام عمو واحكوا ووضحوا الحقيقة».

يا الله ما أجمل كلماتهم.. مصابهم وألمهم يفوق ما كنت أتحدث عنه بأضعاف، لكنهم اختاروا أن يساندونا ويعطونا أفكاراً لنتغلب على مفهوم سلبي سائد يخص منطقتنا.

لم يقل أحد منهم «لجهنم صيدنايا وأهلها»، ولم يطلب أحد منهم أن «تُحرق صيدنايا باللي فيها»، ولم يقترح أحد منهم أن «نغير اسم المدينة لنمحو العار الذي التصق بها»، كانوا يجرّبون أن يفهموا المعاناة ويعطوا حلولاً.

مجدداً.. إن لم يكن هذا هو جوهر العدالة الانتقالية فيكف ستكون؟ إن لم نمضِ في هذا البلد إلى الأمام ونتطلع إلى مستقبلنا ونحاول أن يفهم بعضنا بعضاً - على اختلافنا - كيف سنعيش معاً نحن السوريين والسوريات؟

ليت هؤلاء الاشخاص يحفرون مفاهيمهم في عقول بقية السوريين.. لعل إنسانيتهم تنفعنا.

ودّعوني قائلين: «إلكم بيت بحماة إذا قررتوا تجوا عليها».

وودّعتهم قائلة إن لديهم منزلاً في صيدنايا إن قرروا يوماً المجيء إليها، ليروها عن قرب.. كما هي.

¯¯¯¯

  • فاز هذا المقال بالمركز الأوّل في الدورة الخامسة من مسابقة «100 صوت سوري ضدّ خطاب الكراهية» - فئة الأصوات الجديدة
من مطالعة لجنة التحكيم
المقال مميز باختيار الزاوية، ويتناول مسألة مهمّة في موضوعة العدالة والإنصاف، مع استعراضه بلغة سلسة ومؤثرة التأثيرَ السلبي لوصم مدينة بأكملها بوصمة سجن كان عبارة عن مسلخ بشري

خطاب_الكراهية_في_سوريا 100صوت_سوري_ضد_خطاب_الكراهية

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0