الرّسم مولّد بالذكاء الاصطناعي
تبدأ الحكاية بطفلةٍ وُلدت في بيت لا يشبه المُعتاد. بيتٍ جمع بين خلفياتِ معتقداتٍ مختلفة، وأتى من حبٍّ حارَب الانقسامات الاجتماعية.
ولدَت تلك الطفلة دون أن يقرّر أحدٌ عنها الفئة التي ستدافع عنها باقي عمرها، أو الفكر الذي ستقضي معظم حياتها في محاولةٍ لإثبات أنّه على حقّ، كانت مسلّماتها الوحيدة صوتُ فيروز في الصّباح وأنّ الكتابَ صديق، وقيمها الثابتة المحبّة والأخلاق، وأن الدين، أيًّا كان، لا يُقاس بطقوسه بل بما يزرعه من رحمة وعدلٍ في القلوب. تربّت تلك الطفلة على احترام الجميع، والإصغاء إلى الآخر حتى لو اختلفت معهُ جذريّاً، وعلى رفض الظلم أيّاً كان مصدره.
صارت الطفلة صبيّة، وهي تحمل هذه البوصلة الأخلاقية في عالمٍ يتزاحم الانتماء فيه على أشكال الدم، ويُقاس الولاء بمقدار الحقد الذي تحمله ضد الآخر، أيّ آخر، ورفضت أن تنحاز إلى العنف بكلّ أشكاله، أو تبرّره بأيّ منطق. رفضت تلك الصبية السّلطة المطلقة بقدر ما رفضت التسلّط الذي يولد من أي نشوةِ نصرٍ حمقاء. لكن ثباتها على هذه المسافة من كلّ ما يدور جعلها غريبة عن الجميع: بالنسبة للبعض ممن اعتبرتهم أصدقاء وأنصتت إليهم، لم تكن «مخلصة» بما يكفي لقضيتهم، وبالنسبة لآخرين بكت من أجل جراحهم طويلاً، كانت «منحازة» أكثر مما يجب!
ومع مرور الزمن، وبرغم ما منحتها إياه هويّتها المنفتحة من مرونةِ التفهّم والتقبّل، أدركت الفتاة أنّ ما تواجهه من أحكامٍ جاهزة ليس سوى وجه من وجوه خطاب الكراهية الذي يتغذى على المراحل المشوّشة. فهذه اللحظات الرمادية، التي لا تشبه الحرب تماماً ولا تعترف بالسلم بشكله الكامل، هي التربة الأكثر خصوبة لنمو السرديات التي تختزل الناس وتحوّلهم إلى صفوف متقابلة، لا مكان فيها لمن لا يختار جانباً ينحاز إليه.
حين لا نكون مكبّلين بالكامل بالاستبداد ولا نعيش بعدُ حرياتٍ مضمونة، نتوه في حالة ضبابية نتخبّط فيها أفراداً ومجتمعات بهشاشة. يُطلق على هذه الهشاشة اسم «المرحلة الانتقالية»، وغالباً ما تكون زمن ارتباكٍ جماعيّ، تتصادم فيه السرديات، وتتنازع الهويات، وتتضارب المطالب، وفي مساراتٍ كهذه يجد الفرد نفسه مشتت الهويّة، فاقدَ المعنى، وخائفاً جداً، من المُختَلِف، من المستقبل والماضي، من ندوبه الذاتية ومشاعر المظلومية والذنب الجمعيّة.
في مثل هذه الترنّحات، يصبح الخطاب العاطفي ـ خصوصاً ذلك القائم على الخوف، والكراهية، والانعزال ـ أداةً فعالة وفتّاكة. تستعرُ نيران الكراهية والعنف في لحظاتٍ تاريخيّةٍ كهذه، لا لأن الناس يتحوّلون فجأة إلى كارهين، بل لأن الأرضية التي يقفون عليها متصدعة، والثقة بالمؤسسات مهترئة، والهوية الوطنية مأزومة، والعدالة مؤجّلة. وبين هذا وذاك، يتسلل خطاب الكراهية كظلّ طويلٍ لحكايات غير مكتملة، وندوب لم يُعترَف بها. لا يطرق هذا الخطاب الباب في شكل شتيمةٍ علنيّةٍ أو شعارات دامية بالضرورة، بل يمرّ عبر النوافذ المفتوحة على قلقنا، ومن الشاشات، ومن النكات، ومن الرأي الحرّ حين يُقصي، ومن التحليل السياسي حين يُحقّر، ومن التصنيفات العابرة… يتخفّى داخل رواياتٍ تَنزع من الآخر إنسانيّته، وتُصنّفه كتهديد، وتُبرّر العنف ضده، حتى يصبح طبيعياً، وحاضراً، بل وأحيانا بطوليّاً!
هكذا في المراحل الانتقاليّة، لا يعود خطاب الكراهية مجرّد مصطلحٍ تقنيّ في تقارير حقوق الإنسان، بل يتحوّل إلى أداةٍ خطيرة لإعادة تشكيل المجتمعات من الداخل: يُعيد توزيع الخوف، ويغدو أداة سُلطوية تُستخدَم لفرض موازين قوى جديدة، ولزرع ثنائيات حادّة في وعي الناس: «نحن» و«هم». «الخَيّرون» و«الأشرار». «المنتمون» و«الخونة». ويُعيد رسم خريطة الانتماء على أنقاض المواطنة والقانون والثقة.
في مثل هذا الجوّ العامّ، لا يُنتقد الآخر… بل يُختصر، يُشوّه، يُختزل في صفةٍ واحدة، وتُكسى جماعاتٌ كاملة بأثوابٍ لم تخترها. نرى ذلك بوضوحٍ مؤلم في النموذج السوري الحاليّ: حين يُصوَّر السُنّة كسلفيين إرهابيين، والعلويون كفلول، والدروز كخونةٍ ذوي دمٍ أزرق. كلماتٌ تُقال، وتُكرر، إلى أن تصبح مألوفة، لتخترق السطح، وتستقرّ في اللاوعي، وتُبنى عليها اصطفافات ومواقف أخلاقية وسياسية، قد تبدو عقلانية في ظاهرها، لكنها متورّطة في تعميمٍ أعمى لا يُنقذ أحداً.
أما الأخطر من أن يُقال كلّ هذا علناً بكلّ هذه البساطة، فهو أن يُعتقد به بصمت حتى من قبل من يُطلق عليهم نخب المجتمع المدنيّ والفئات الواعية. أن يُصبح التصنيف عادة، والعزل غريزة، والتخوين مجرّد ردة فعل مُبرَّرة. أن نتعامل مع مفردات كـ «أقليات» و«أكثريات» وكأنها حقائق مقدسة، لا أدوات فرزٍ تُعيد إنتاج الألم بأسماء جديدة.
هل يمكن كسر الحلقة عبر قراءة التاريخ؟
هل تمكن حماية المجتمعات التي تتلمّس طريقها نحو النور من أن تتحوّل غريزيّاً إلى حناجر تصرخ بالحقد والتخوين بأصواتٍ منهكةٍ بالآلام المغمّسة بالدم؟ تتساءلُ الصبيّةُ فيّ، وأعتقد أنها ليست وحدها.
لعلّ هذا السؤال قد راود معظم السوريين مرةً على الأقلّ منذ نشوة سقوط النظام وما تلاهُ من تداعيات، ولا أعتقد أنّ الإجابة تأتي من نظرياتٍ معلّبة ولا من أمنياتٍ وشعاراتٍ شاعريّة حماسية، بل تأتي ببساطة ومرارة، من تجارب عايشتها شعوب أخرى، مشَت فوق الركام مثلنا، وتعثّرت بما نتعثّر به الآن: الخوف، والانقسام، والرغبة الموجعة في العدالة.
ماذا لو تمعّنا في التاريخ؟ ثم اعتقدنا أنّه ما زال بالإمكان أن تولد ملامح طريق، وتقاطعات ثمينة، كأضواءٍ خافتة في نهاية نفقٍ طويل؟ قد لا تكون حلولاً جاهزة، لكنها علامات قد تساعدنا، نحن السوريين، على إعادة رسم المشهد.
في المراحل الانتقاليّة لا يعود خطاب الكراهية مجرّد مصطلحٍ تقنيّ، بل يتحوّل أداة خطيرة لإعادة تشكيل المجتمعات من الداخل، ولزرع ثنائيات حادّة في وعي الناس
تُظهر التجارب التاريخية العالمية أن نجاح الانتقال السياسي في فترات خطاب الكراهية المعمَّم لا يرتبط فقط بالتخلص من الأنظمة القمعية، بل بمدى التزام مؤسسات الدولة المدنية والمجتمع بآليات فعّالة للعدالة الانتقالية، وبقدرتها على تطوير حالتها الخاصّة من الانتقال نحو السلم والمصالحة.
في جنوب أفريقيا، نشأت تجربة استثنائية من نوع مختلف، فبعد عقودٍ من الفصل العنصري، كانت البلاد تقف على حافة اقتتالٍ أهليّ، حيث جروح الماضي لا تزال مفتوحة، والمظالم متراكمة. في ظلّ كلّ هذا، اختارت القيادة الجديدة، وعلى رأسها نيلسون مانديلا، معادلةً غير تقليديةٍ للعدالة، أساسها ليس العقاب بقدر ما هو الاعتراف والمصالحة. وهكذا وُلدت لجنة الحقيقة والمصالحة العام 1995، بقيادة القسّ ديزموند توتو، لتمنح مرتكبي الانتهاكات الفرصة للظهور علناً والاعتراف بما فعلوه، مقابل الحصول على عفو مشروط.
لم تكن هذه العملية تبرئةً لممارسي العنف، بل دعوة وطنية لكشف الحقيقة وتحمّل المسؤولية، ووسيلةً لإعادة الاعتبار للضحايا من خلال سردهم العلني لما عانوه. بدلًا من القفز فوق الألم أصبح هذا الألمُ جزءاً من رواية وطنية جامعة، وبرغم الانتقادات التي اعتبرت أن هذه المعادلة تغضّ النظر عن العدالة الجنائية، فقد أسهمت التجربة فعلياً في تفكيك البنية العميقة لخطاب الكراهية، وفي تخفيف التوترات العرقية، وفتح الباب أمام سردية جديدة لهوية جنوب أفريقيا ما بعد الفصل العنصري. أعادت هذه التجربة تعريف معنى العدالة في المجتمعات الجريحة، وأثبتت أن الحقيقة يمكن أن تكون أكثر شفاءً من الانتقام.
رغم أن هذه التجربة الغنية قد تمنحنا ملاحظاتٍ ثمينة، تبقى التجارب العربية مرآةً أقرب للروح والملامح، وتضاريس الوجع التي نعرفها جيداً. وربما لهذا السبب تحديداً، علينا أن نصغي إليها، مهما كانت مؤلمة، وحتى لو تكسّرت على عتباتها آمالنا المثاليّة وصفعتنا الواقعيّة الصادمة.
في مصر والعراق، بدا وكأن التحوّلات السياسية تحمل إمكاناتٍ للانفراج، لكنها اصطدمت بجدرانٍ أكثر تعقيدًا من الاستبداد ذاته، ففي مصر، بعد ثورة يناير 2011، تخيل الكونُ لوهلة أن الأبواب قد فُتحت أخيرًا أمام حلم العدالة والمحاسبة. عُيِّن وزير للعدالة الانتقالية، ووُضعت شعارات كبرى على جدران القاهرة عن دولة القانون. لكن، شيئاً فشيئاً، تحوّل الحلم إلى صدى. ثم جاءت «مذبحة رابعة» كندبة على وجه كلّ تلك الشعارات، ولم تُفتح لأجلها أبواب العدالة والمحاكم، بل ساد خطابٌ إعلاميٌّ يعاقب الجماعة لا الأفراد، ويبرّر القمع باسم «استعادة الدولة». تحوّل الإعلام إلى أداة تحريض، فيما وُضعت نصوصٌ قانونية لتجريم خطاب الكراهية ولم تطبّق. لم تكن المشكلة فقط في غياب المحاسبة، بل في غياب السردية الجامعة، وفي انقسام الحكاية المصرية إلى روايات متناحرة، كل منها تتغذّى على الكراهية لتبقى على قيد الحياة.
أما في العراق، فالقصة أكثر تعقيداً. فمنذ سقوط بغداد العام 2003، تعاقبت موجات من العنف الطائفي، ومشاريع انتقامية تموّه نفسها باسم العدالة. أُنشئت مؤسسات مثل «مؤسسة الشهداء»، لكنها اتخذت طابعاً فئوياً، بمنطق الانتقاء، وكأنّ الدم العراقي درجات. غابت العدالة، وحضرت تصفية الحسابات. ولما حان وقت المواجهة مع جرائم تنظيم «داعش» المتطرف، وُضعت خطط مصالحة وطنية لم يسمع بها الإيزيديون إلا في نشرات الأخبار. لا لجان تقصٍّ حقيقية، ولا محاكمات عادلة، ولا تعويضات شفافة. حتى حرية التعبير، التي كانت مؤهلة لتكون أحد صمامات الأمان، ضُيّقت بقوانين مثل «مكافحة الجرائم الإلكترونية» الذي استُخدم لكمّ الأفواه بدلاً من الإنصات إليها. وظلّ خطاب الكراهية حاضراً، لا في الخطاب السياسي فحسب، بل وفي أعماق المؤسسات التي تُعيد التهميش إلى الواجهة بإصدارات جديدة.
هكذا بعد أن ننظر إلى تجارب موازية، مختلفة ومتناقضة، نكتشف ألا وصفة جاهزة يمكن استيرادها، ولا حلول عامة يمكن إسقاطها كأننا ننسخ ورقة إلى أخرى. ما ينجح هناك قد يفشل هنا، والعكس. لكن ما يتكرّر دائماً، كخيط ناعمٍ بين تلك التجارب، هو أن الخروج من غابة الكراهية لا يتحقّق بالشعارات، بل بخطوات دقيقة، واقعية، تراعي تضاريس ندبات المجتمع الخاصّة.
محاولاتُ عبورٍ إلى ضفّة النجاة
في حالتنا السورية، لا بدّ من البدء من نقطة تبدو بسيطة لكنها جوهرية: ضرورة وجود لجان حقيقة مدنية مستقلة، لا تتبع أجندات سياسية، بل تنبع من حاجة الناس إلى العدالة الفعليّة، وتستمد قوتها من شراكات منظّماتٍ دولية تحفظ لها التوازن والاستمرارية دون انحيازات خارجيّة أو داخليّة. لجان لا تعمل خلف أبواب مغلقة، بل تفتح جراح الماضي بحذر، وتملك صلاحيات حقيقية في التحقيق والمحاسبة.
لعلّ التحدي الأكبر هو ألّا تُكتب سرديّتنا القادمة من منطق الغلَبة، ولا وفق مقاساتٍ تُرضي الجميع على حساب الحقيقة
أما ما تعتقده صبيّة منهكة من الاتهامات، لم تُصبها تبعات الثورة السورية بأضرار واقعيّة ثقيلة كالتهجير والفقد، لكن أصابتها عبر الآثار غير المباشرة بمختلف أنواع الاضطرابات الوجوديّة، فإنها لا تنكفئ عن التفكير بالضحايا الفعليين وآثار هويّتنا الثقيلة على حيواتهم ووجودهم، ومن هنا تجد أنه لا بدّ لصوتهم من أن يكون واضحاً في هذه المرحلة ولا بدّ من الاعتراف بدورهم، لا كمجرّد شهود على الألم، بل بوصفهم ركيزة لبناء الهوية الوطنية الجديدة، فاعلين يشكّل صوتهم جزءاً من المعادلة، لا تذكرة عبورٍ شكلية نحو مُصالحة مزيّفة و مؤجّلة. لأنه لا يمكن بناء ذاكرة جماعية عادلة دون منحِ المتألّمين وأصحاب التضحيات الأكبر المساحة للتعبير والتأثير، لا بوصفهم عبئاً، بل باعتبار الضحايا أول من يحقّ له سرد الرواية. الضحايا كلّهم، ضحايا الأمس واليوم، منذ بدء الاستبداد وحتى الانتهاكات والجرائم الأخيرة.
وفي منعطفاتٍ كهذه لا يمكن تجاهل دورِ الإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعيّ، والصحافة، بوصفها أكثر المساحات قدرة على التأثير في وعي الناس وتوجّهاتهم، كأداةٍ لا نحتاجُ في مرحلتنا الحاليّة أن تكون حياديّةً على طريقة التوازن البارد، ولا مصطفّةً مع سلطة اليوم أو البارحة، أو متبنّيةً لسرديّاتِ جماعاتٍ دون أخرى، بل مسؤولةً منحازةً للحقيقة، قادرةً على تفكيك اللغة التي غذّت العنف، وعلى رواية الحكاية بلغة أقل سُمّية، أكثر قرباً من الناس، كلّ الناس.
يوازي دورُ الإعلام في أجمل أحلامي، أهميةً وعمقاً، دور المجتمع المدني. كيف لا؟ وجُلّ ما صنع الإنسانة التي أنا عليها اليوم هو النشاط التطوّعي والعمل المجتمعي؛ رغم ما كان محفوفاً به من مخاطر وصعوبات وحدود، إلا أنه غرس فيّ وفي أقراني وعياً مختلفاً. لديّ يقين بأن المجتمع المدني السوري، إن مُنح صلاحياته الحقيقية، يمكن أن يشكّل مساحةً مرنة للترميم البطيء، وللحوار غير المشروط، ولإعادة بناء الثّقة بين فئاتٍ أنهكها الانقسام. لا لأنه يملك كل الإجابات، بل لأنه يستطيع أن يطرح الأسئلة الصعبة، ويوفّر بيئةً تتيح للناس اللقاء خارج التصنيفات الحادّة والولاءات الجاهزة. فعندما يبتعد عن الخطاب المعلّب ويقترب من التجربة الإنسانية اليومية، يصبح المجتمع المدني أحد أشكال المقاومة السلميّة في وجه إعادة إنتاج الكراهية بكل صورها.
إيمانٌ أخير
لعلّ التحدي الأكبر في كلّ هذه الكتلة المتشابكة من المتناقِضات الآمِلة البائسة، هو ألّا تُكتب سرديّتنا القادمة من منطق الغلَبة، ولا وفق مقاساتٍ تُرضي الجميع على حساب الحقيقة. لعلّ هذا التحدي يكمن في إدراك أننا نحتاج سردية تُنصت إلى الوجع دون أن تزيّفه، وتُجاهر بما لا يُقال، سردية جامعة لا تقف عند حدود المنتصر والمهزوم، بل تتّسع لتروي الحكاية كما عاشها كلّ من انكسر بها. سردية صادقة، مؤلمة بقدر ما هي مُرمِّمَة، لا تقوم على النسيان، بل تُبنى على شجاعة الاعتراف.
هذه ليست تعويذةً سحريّة، ولا أوهاماً حالمة، هي احتمالات أؤمن بأنها تستحق السعي إن أردنا حقاً النجاة من الحقد المؤجّل. لا يمكننا إعادة عقارب الساعة إلى الخلف، ولا إلغاءُ سنوات الانقسام والخوف من ذاكرتنا الجمعيّة، لكننا نملك - على هشاشتنا - رفاهية السؤال: ماذا بعد؟ وهل نملك خياراً غير المحاولة والإيمان؟ محاولة ألّا نعيد إنتاج الألم، ألا نحمل بداخلنا بذور الكراهية التي زرعها الاستبداد الطويل، وكلّ ما تلاه من تقلّباتٍ وانتهاكات، وأن نحلم رغم كل شيء بروايةٍ جامعة لا تُبنى على التعميم أو الانتقام، بل على الإنصات، وعلى ثبات البوصلة الأخلاقيّة والقانونيّة الثابتة التي لا تهزّها الانتماءات الضيقة، وعلى الحكايات المشتركة لا الجدران العالية بيننا.
أعلم أننا لا نملك اليوم قرار إنهاء خطاب الكراهية بضغطة زرّ، لكن يمكننا على الأقل ألا نكون امتداداً له، أن نكسر الحلقة مستفيدين من التاريخ، وأن نربّي أجيالاً تجعل من هويّتها السوريّة شمساً تنطفئ قربها كلّ الانتماءات.
هل يمكن لسوريا الانتقاليّة حقاً أن تنجو من تبعات الكراهية المتوارثة؟ رغم أن السؤال ما زال يتأرجح بين التطورات اليوميّة، والاحتقانات المتزايدة، والمجتمع المتهالك؛ فإنني مصرّةٌ في هذه اللحظة التائهة أن الحقيقة هي النافذة التي ستفتح قلوبنا على زُقاق الانتماء من جديد، وأن السرديّات لا تُشفى بالقمع والخوف والأحكام المسبقة، بل بالاعتراف والعدالة، بالتربية على الاختلاف، وبشجاعة أن نقول: «لقد أخطأنا».
تؤمن الطفلةُ التي كنتُها، تلك التي لم تكُن تعرف معاني أسماء الطوائف التي تصبح علنيّةً وصارخة اليوم أكثر من أيّ وقت مضى، والصبيّة المُنهكة بسوريّتها، بأننا نحتاج أن نعيد تعريف الوطن، لا كحائطٍ نقف عليه لنحصي الضحايا ونتقاذف الأحقاد، بل كأرضٍ يمكننا أن نزرع فيها الحقيقة، فيحصُدها أبناؤنا سلامًا لا يشبه التناسي، ومكاناً يليق بأناسٍ تعبوا من حمل حقائب التهجير والتوابيت على أكتافهم.
¯¯¯¯
- فاز هذا المقال بالمركز الثّاني في الدورة الخامسة من مسابقة «100 صوت سوري ضدّ خطاب الكراهية» - فئة الأصوات الجديدة