الرّسم مولّد بالذكاء الاصطناعي
لكي نفهم حقيقة المشهد السوري في العام 2025، سوريا ما بعد سقوط بشار الأسد، بكل ما فيها من جماعات متمزقة وخطاب كراهية متفشٍ، لا يكفي أن نستعرض السنوات العشرة الأخيرة رغم أنها تحوي مأساة ضخمة ولها وزنٌ كبير في التأثير على الواقع، لكن ومع ذلك يجب أن ننبش في الجذور، لنرى متى نُثِرت بذور الكراهية، ما التربية التي تلقفتها، ومتى بدأت تثمر؟
كيف هندس الطاغية دولة الكراهية؟
كان الجرح الأول يوم وُلدت الدولة السورية الحديثة من رحم الاستعمار الفرنسي، لا كجمهورية، بل ككائنٍ مشوّه: جيشٌ بُني على أسسٍ طائفية ومناطقية، زرع بذرة الشك في قلب المؤسسة التي يُفترض بها أن تحمي الجميع، وسياسة فرق تسد، كما يوثق نيكولاس فان دام في عمله التأسيسي «الصراع على السلطة في سوريا».
سُلِّم المولود إلى نخب مدنية تقليدية، نخب ورثت الحكم في ظل تحديات جمة، فأخفقت بقصد أو بغير قصد في تجاوز ولاءاتها التقليدية وبناء إحساس حقيقي بالمسؤولية الوطنية الشاملة.
تُركت الأرياف بكل أطيافها تغلي على نار الإقصاء، وباتت هناك فجوة كبيرة بين من يحكم في المدينة والفلاح البسيط في الريف، فجوة لا يملؤها سوى حقد الفلاح، وشعوره بالمرارة.
من رحم تلك المأساة، وُلد حزب البعث، حاملاً وعد الخلاص: «العدالة الاجتماعية، والمساواة، والانتماء القومي الجامع». فتهافت إليه المهمشون من أبناء الأرياف، ظنًّا أنهم وجدوا أخيراً القارب الذي سيحملهم من التهميش إلى المواطنة. لكنهم لم يعلموا أنهم كانوا يدخلون معسكراً مغلقاً لا يعدهم بالنجاة، بل بإعادة إنتاج الظلم تحت شعارات مقلوبة.
في دهاليز الدولة العسكرية، تلك الفقاعة المعزولة عن صراخ الشعب، بدأت لعبة الكراسي الدموية، لم يكن البقاء للأكثر إيماناً بالمبادئ، بل للأكثر تماسكاً في عصبيته، والأمهر في لعبة الثقة والخيانة.
في العام 1970، حسم حافظ الأسد الصراع داخل «البعث» لصالحه، وبدأ توطيد قلعة تحرسها المخابرات. لم يسعَ إلى شرعية من الناس، بل صاغ شرعيته من الرعب، وبنى منظومته على ثلاث ركائز:
- أولًا، دولة أمنية: شبكة متداخلة من الأجهزة، مهمتها ليست حماية البلاد بل مراقبة الناس واغتيال ثقتهم بعضهم بالبعض الآخر.
- ثانياً، دولة إفساد: منظومة من الريع الاقتصادي تُكافئ الطاعة وتُعاقب الاستقلال.
- ثالثاً، دولة إذلال: مسرحية كبرى، يُجبر فيها المواطن على تمثيل الولاء، ليُقتل فيه حس الكرامة، ويُزرع الخوف كهوية، وهي الآلية التي وصفتها الباحثة ليزا ودين في تحليلها لـ«غموض الهيمنة».
دولةٌ كهذه لا «تستخدم الكراهية»، بل تتنفسها. إنها خطاب كراهية صامت، مؤسَّس ومُمأسس، يتسلّل إلى اللغة، والمدرسة، والمناهج، والتلفاز، والهمس.
ثم جاء الابن: وريثٌ بلا كاريزما، لكنه أغرق النظام أكثر في الفساد، واعتمد على الآلة الأمنية بشكلٍ أكثر مباشرةً وفجاجة. ولأنه عاجز عن بناء شرعية وطنية، أعاد تشكيل الدولة حول معمار طائفي غير معلن. لم يعلن أنه نظام طائفي، لكنه زرع التوزيع الطائفي في أجهزة الأمن، وركّب في وعي الأكثرية شعوراً مضمراً بالإقصاء، ليس مصدره الطائفة، بل تمثيل الدولة المشوَّه لها.
هكذا تشكّلت آلية صامتة: إحساس عام بالضيم، لا تُمكن تسميته ولا يمكن إنكاره، يغذّي خطاب الكراهية من تحت الطاولة، دون أن يصرّح أحد بشيء. فنشأ ما يشبه «الطائفية المكبوتة»، لا تظهر إلا عند الانفجار.
لم يكن النظام علوياً، بل «أمنوياً»، طائفياً بالوظيفة لا بالانتماء، جعل من الطائفة جداراً بشرياً، ومن الأكثرية خزاناً للغضب المؤجل.
من بن لادن إلى الزرقاوي: نبوءة الوحش العابر للحدود
في موازاة تلك القلعة السوداء، كان وحشٌ آخر ينمو... لا في أقبية المخابرات، بل في كهوف أفغانستان والسودان.
كانت تلك مخاضات ولادة فكرة «الجهاد العالمي»، كما صاغها عبد الله عزام وأسامة بن لادن، وهي فكرة، كما يوضح لورانس رايت في كتابه «البروج المشيدة» لا تعرف الحدود، وتؤمن أن الأنظمة العربية الحاكمة - ومنها النظام ف سوريا - أنظمة كافرة لا بد من إسقاطها بالسيف والنار.
وسط الفوضى، تولّى أبو مصعب الزرقاوي زمام التنظيم الجديد: «القاعدة في بلاد الرافدين»، بنسخته الأكثر هوساً بالطائفية والدم.
هنا، اجتمع طريقان: الجهاديون الذين عبروا سوريا ببركة النظام السوري نفسه، والوقود الطائفي الذي فجّره الاحتلال.
ومن هذا التزاوج الدموي، وُلد تنظيم «داعش» المتطرف كنتاج مشوّه لفكرة الخلافة، وكسلاحٍ جاهزٍ للعبور إلى سوريا.
2011 - لحظة الاصطدام: حين التقى الوحشان
حين اندلعت الثورة السورية، خرج الناس مطالبين بالكرامة، لا بالخلافة، ولا بالثأر. لكن النظام، الذي عرف جيداً كيف يدير مسرح الرعب، أطلق سراح المتشددين، وزجّ بالناشطين السلميين خلق قضبان التغييب. في الوقت ذاته، كانت قوافل «الجهاد العالمي» تشق طريقها من العراق إلى سوريا، الأرض الموعودة.
وهكذا، التقى الوحشان.
وجد الجهاديون في سوريا ساحة مفتوحة، واستثماراً مناسباً للغضب السنّي العالمي، بل تضافرت أفكارهم مع بيئة داخلية سورية، قمعت التنوع وأقصت الكثيرين، لتجد فيها تربة خصبة للنمو.
ووجد النظام فيهم تبريراً لبقائه، وعدواً مثالياً لتسويق نفسه أمام الغرب.
وبين هذا وذاك، سُحق المجتمع السوري: من جهة، نظام يقتل باسم الوطن، ومن الجهة الأخرى، فصائل تقتل باسم الله.
حين ورث المجتمع خطاب قاتله
في كانون الأول/ديسمبر 2024 وما تلاه، لم يسقط النظام وحده، بل انهارت أيضاً البنية الأخلاقية. الكراهية التي كانت همساً، صارت منطقاً عاماً. ترك النظام فراغاً لم تملأه عدالة انتقالية، بل تحريض وانتقام.
الدولة الجديدة لم تحاسب الجناة، لم تفتح المحاكمات العلنية والشفافة على الجرائم المروّعة التي أودت بحياة مئات الآلاف من السوريين على يد النظام الأسدي، بل اكتفت بأخبار مقتضبة عن إلقاء القبض على بعض «الشبيحة».
هذا الإغفال للقصاص العادل، وهذا الإنكار غير المعلن لحق الضحايا في الاعتراف والحقيقة، بات في حد ذاته وقوداً جديداً لخطاب الكراهية المتفشي، ورسالة بأن الدم السوري لا يزال رخيصاً. عندما تُصمت أصوات الضحايا وتُنسى دماؤهم، يظل الشعور بالظلم مشتعلاً، ما يدفع المجتمع نحو البحث عن أشكال أخرى من العدالة، أو الأسوأ: الانتقام، خارج أطر القانون والمصالحة.
والخطاب الجهادي، الذي رُوِّج له يوماً، ترك في المجتمع ثنائيات قاتلة: مؤمن/كافر، نصيري/سنّي... إلخ فاختُزِلت الهويات في معسكرات موت رمزي.
أما بعض النخب الجديدة، فقد أعادت تدوير خطاب المظلومية السنية، وحوّلتها إلى غطاءٍ لإقصاء كل مختلف. كل نقد يُعد طعناً، وكل تصالح يُتهم بالخيانة.
وهكذا صار الفضاء العام مصنعاً للكراهية، يُدار لا مركزياً، بصوتٍ مدني لكنه غوغائي.
الأخطر: أن الكراهية لم تعد حدثاً، بل مناخاً. من لا يصرخ بها يُقصى، ومن يجرؤ على العقلنة يُخَوَّن.
خطاب الكراهية بمفهومه الحرفي منتشر في سوريا اليوم، «اللغة التي تهيئ للقتل»، وفي بلد وثقت فيه الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 2818 شخصاً بينهم 201 طفلاً و194 سيدة في النصف الأول من العام 2025، 1217 شخصاً منهم 51 طفلاً و63 سيدة على يد القوى المسلحة المشاركة في العمليات العسكرية في الساحل في شهر آذار/مارس.
الكراهية في ظل غياب العدالة الانتقالية تؤدي حتماً للقتل!
حادثة السكن الجامعي: كيف يُترجم خطاب الكراهية إلى دمٍ؟
في نيسان/أبريل 2025، انتشر تسجيل صوتي مشبوه يتضمن إساءة للنبي، ونُسب زوراً إلى شيخ درزي.
الرد لم يكن مساءلة ولا مطالب بالعدالة، بل عنفاً مباشراً: طلاب يعتدون على زملائهم الدروز في السكن الجامعي بحمص.
وتزامن هجوم الطلاب على زملائهم، مع احتجاجات في الطريق «نصرة لرسول الله»، وهجوم على جرمانا، ثم صحنايا، وصولاً إلى السويداء، مع خطاب إبادي يتفشى بدءاً من السوشال ميديا، ووصولاً إلى أجساد الضحايا!
كلّ ما كان موجوداً هو «صوت».
والنتيجة: دمٌ، ضربٌ، انقسامٌ طائفي، ورعبٌ جماعي.
الحادثة تُظهر بدقة كيف يُنتِج خطاب الكراهية سلسلة كاملة من الأفعال:
من التحريض الرمزي، إلى العنف الجسدي، إلى الصدام الأهلي.
حين يصبح خطاب الكراهية بنية إنتاج للموت
وبالنظر إلى المثال المطروح بالمحور السابق، وإلى مجازر الساحل في آذار الدموي، المجازر التي كانت وليدة حرفية لخطاب انتقامي وآخر تكفيري، مجازر سبقها أشهر من إعداد الجريمة! يمكن تتبع سلسلة القتل وتبنيدها إلى خمس مراحل:
- زرع العدو: يُصنّع الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي و«الدعاة» عدواً جديداً: الطائفة، المدينة، المختلف.
- نزع الإنسانية: يصبح الآخر «نصيريّاً، عدوّاً للدين»، فلا يظل مستحقاً للحياة.
- شرعنة القتل: يُبرَّر العنف كـ«رد طبيعي» أو «حقد سنين».
- ولادة القاتل: ليس غريباً، بل هو «ابن البلد»، يرى نفسه منقذاً.
- تمجيد الجريمة: القاتل لا يُدان، بل يُكرَّم، ويُحتفى الجريمة كـ«نصر وطني».
النتيجة: بدون عدالة انتقالية، تبقى الكراهية سيدة الموقف، ويغدو القتل طقساً مقبولاً.
لم تُفتح ملفات الاعتقال، لم يُحاسب الجناة، لم تُطهَّر الذاكرة.
فما الذي تبقى؟ مجتمعٌ يعيد إنتاج قاتليه، ويورّث كراهيته، ويُغلف عنفه بوشاح الشهادة والكرامة.
ضدّ عنف الذاكرة
ما نعيشه اليوم في سوريا لا يُختزل فقط في غياب القانون، بل في غياب الإقرار. حين يُمحى وجه الجلاد، وتُنسى ملامح الضحية، فإن الكراهية لا تموت... بل تخلع قناعها وتتحول إلى هواء فاسد يتنشقه الجميع.
كل من يتحدث عن «سوريا الجديدة» دون أن يتحدث عن عدالة انتقالية شجاعة، ومصممة بإرادة سورية حرة، لا يبني وطناً، بل يُعيد ترتيب الركام.
العدالة الانتقالية ليست شعاراً أممياً، بل ضرورة أخلاقية وتاريخية يجب أن تُبنى على أربعة أعمدة لا غنى عن أيٍّ منها:
- الاعتراف بالجرائم عبر تحقيقات علنية وشفافة تُحترم فيها المعايير الحقوقية الدولية.
- الاستماع للضحايا، لا بوصفهم موضوعات شفقة، بل بوصفهم مالكي الذاكرة.
- محاسبة الجناة، أيّاً كانت مواقعهم أو انتماءاتهم، دون تساهل ولا انتقائية.
- إصلاح مؤسسات الدولة جذرياً، وخاصة الأمنية والقضائية، حتى لا يتكرر الكابوس باسم العلم والنشيد.
هذه الأعمدة ليس ترفاً سياسياً، فبدونها، كل بناء سيُدفن في أول عاصفة كراهية قادمة.
في هذا السياق، تشكل المبادرات المحلية - مهما بدت صغيرة - نواة للمصالحة الحقيقية، إذا لم تقع في فخ التجميل أو الإنكار.
أذكر هنا - كمثال لا كمشروع شامل - نشاطاً شاركت في تنسيقه بعنوان: «أنا سوري... أروي وأُصغي». جلسة واحدة جمعت طلاباً من خلفيات مختلفة: دروزاً، علويين، سنّة، ومسيحيين… تبادلنا الحكايات، لا الأحكام. لم نُحل النزاع، ولم نحرر البلاد. لكن، وللمرة الأولى، شعرت أن الصوت يُنصت إليه ولا يُقاطع، والألم يُقال دون أن يُعاد تأطيره طائفياً أو أيديولوجياً.
المفارقة أن هذا اللقاء لم يكن مبادرة من جهة رسمية، بل جزءاً من جهد أوسع لمجموعة سورية مدنية تُدعى «سُلَّم»، آمنت أن مقاومة الكراهية تبدأ من مساءلة الذاكرة.
هكذا، تبدأ المصالحة لا من شعارٍ فوقي، بل من فعلٍ قاعدي: الإصغاء بوصفه فعلاً مقاوماً، والاعتراف بوصفه البذرة الأولى لبناء وطن لا يقوم على دفن الجثث تحت «التسامح».
لا عدالة تُصنع بالسكوت
ما نعيشه اليوم ليس إرث حربٍ فقط، بل هو تراكم صمت، وتواطؤ ذاكرة، وتطبيع مع القتل كعادة يومية. لم يسقط النظام وحده، بل سقط أيضاً المعنى، وغابت العدالة كما غابت الحقيقة. وكيلا نعيد كتابة المأساة بأيدينا، لا بدّ من أن نعيد تسمية الأشياء بأسمائها: القاتل قاتل، والضحية ضحية، والكراهية مرض يتفشّى بالصمت والتواطؤ أكثر من السلاح.
لا وطن يُبنى على إنكار الألم، ولا عدالة تُصنع بالسكوت. الإصغاء ليس رفاهية، بل ضرورة وجودية. وإن كان لا بدّ من بداية، فلتكن من هنا: من الحكاية. من صوتٍ يقول «أنا أروي»، وصوتٍ يردّ «وأنا أصغي». حينها فقط، قد تبدأ سوريا بالخروج من أنقاضها، لا كدولة، بل كوعد إنساني جديد.
---
-
فاز هذا المقال بواحدة من ثلاث جوائز إضافية في الدورة الخامسة من مسابقة «100 صوت سوري ضد خطاب الكراهية