× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

لم يقصفني النظام؛ ولست مُذنبة

حكاياتنا - ملح 03-10-2025

في الذاكرة السورية، يُقاس الانتماء بعمق الجرح، وتُختصر الشرعية بعدد الغارات والاعتقالات. لكن ماذا عن الذين نجوا دون أن يُقصفوا أو يُهجَّروا؟ هذا النص محاولة لتفكيك شبهة النجاة، ومساءلة مقاييس الألم المهيمنة، والدعوة إلى الاعتراف بتعدد السرديات، فلا تكون النجاة تهمة بل شهادة أخرى على المأساة

الرّسم مولّد بالذكاء الاصطناعي

في بلدٍ تُقاس فيه شرعية الألم بعدد الغارات، وتُوزّع فيه شهادات المعاناة حسب خرائط القصف والاعتقال، لا تُستقبل النجاة بوصفها نعمة، بل تتحوّل إلى شبهة. 

لم يُقصف منزلي، ولم أُعتقل، ولم أُهجّر، غير أنني عشت كل ذلك من حولي ونجوت، وساقني الغضب في إحدى جلسات المكاشفة التي أصبحت طقساً من طقوسنا المتكررة - نحن السوريين والسوريات - إلى قول ما ظلّ عالقاً في صدري طويلاً: نظام الأسد لم يقصفني، ولست مذنبة، وإنما ناجية!

كان ذلك ردّاً قاسياً بعد محاولات متكررة لانتزاع صك الوطنية ممن شاءت الأقدار أن يكونوا بخير من منظور هذا المقياس، فالنجاة التي يُفترض أن تكون امتيازاً تحوّلت إلى عبء ثقيل، وإلى سؤال معلّق في عيون الآخرين: لماذا لم يصبك ما أصابنا؟

في المراحل الانتقالية، حين تبدأ المجتمعات بلملمة جراحها، يظهر خطاب كراهية من نوع مختلف؛ لا يستهدف الجلاد فقط، بل قد يطال من نجا من جلاده! إذ يُطلب من الناجين أن يعتذروا عن نجاتهم، وأن يُثبتوا ولاءهم للألم الجماعي، بل أن يبرهنوا أنهم لم ينسوا، ولم يتخلّوا، ولم يخونوا، كي يكونوا أطرافاً في العقد الاجتماعي الجديد للبلاد.

أستذكر دائماً الشعور الذي كان يعتريني خلال بعض الورش التدريبية الصحفية التي دأبت على حضورها في الأشهر التي تلت سقوط النظام، إذ كنتُ أجد نفسي في مواجهة غير معلنة مع سؤالٍ يطفو بين الطروحات: ما الذي يؤهلك للحديث؟

أصغي إلى زملاء يروون تجاربهم مع الاعتقال، مع القصف، مع الهروب عبر الحدود، فأحاول أن أجد مدخلاً لحكاية ما أو حادثة تعرّضت لها خلال السنوات الماضية، لكنني أتراجع. لا لأنني لا أملك ما أقول، بل لأن ما أملكه لا يُشبه النموذج السائد للألم، ولا يُقاس بالأدوات عينها التي تُقاس بها المعاناة الظاهرة.

في المراحل الانتقالية، حين تبدأ المجتمعات بلملمة جراحها، يظهر خطاب كراهية من نوع مختلف؛ لا يستهدف الجلاد فقط، بل قد يطال من نجا من جلاده!

أودّ الإشارة إلى أن هذا الشعور ليس وليد معركة داخلية أمرّ بها منفصلة عن الواقع الخارجي، فالجو السائد، في النقاشات العامة وفي كثير من المساحات المهنية وحتى في الحوارات الشخصية، يُعيد إنتاج سردية واحدة للألم، كأن هناك تجربة معيارية يجب أن تُشبهها كي تُسمع، وهكذا، يتحوّل الكلام إلى امتياز، ويُعاد توزيع حق التعبير بناءً على نوع الجرح وهوية فاعله، لا على عمقه أو أثره.

ومن أجل كل ما سبق، يجب ألا تتمحور طروحات الناجين حول المطالبات برد الاعتبار لهم، وإنما بإعادة توزيع المعنى، للتوقف عن قياس التجربة بمسطرة الألم الظاهر، والبدء بالإنصات إلى ما لا يُقال، لا لأنّه أقل أهمية، بل لأنه أكثر هشاشة، وأكثر حاجة للحماية، فحين تروى النجاة دون خوف تقوّض التصنيفات، وتفتح باباً لفهمٍ لا يقوم على المقارنة، بل على التعدد.

هذا بالضبط ما حاولت لجان الحقيقة والمصالحة أن تفعله في جنوب أفريقيا، وفي رواندا بعد الإبادة الجماعية، وفي البوسنة بعد مجازر سريبرينيتسا؛ من خلال فتح المجال لسرديات متعددة لا تُقاس بدرجة الألم، بل بصدق التجربة، إذ لم تبقِ صوت الضحية محصوراً بمن تعرّض للتعذيب أو القتل، بل شمل من عاش التمييز بصمت، ومن خسر بيته أو مجتمعه أو لغته، ومن ظلّ في الظلّ دون أن يُمسّ جسدياً، وقد أُتيح للناجين أن يرووا ما عاشوه دون أن يُطلب منهم إثبات شيء، ودون أن يُقاطعهم أحد ليسأل: «هل كان ألمكم كافياً؟»، وهكذا تحوّلت النجاة إلى مساهمة، لا إلى تهمة، وإلى شهادة على ما لا يُروى عادة.

من أجل كل التجارب الناجحة في إعادة تعريف الناجين، أكتب ذلك، لا دفاعاً عن النفس، ولا محاولة للاندماج والبقاء، وإنما دعوة للاعتراف بأن التجربة السورية لا تُختصر في مشهدٍ واحد، ولا تُروى بصوتٍ واحد.

---

  • فاز هذا المقال بجائزة لجنة التحكيم الخاصة، في الدورة الخامسة من مسابقة «100 صوت سوري ضدّ خطاب الكراهية»
من مُطالعة لجنة التحكيم
تدوينة حساسة، قوية من حيث الأثر والتفرّد، تتضمن شهادة شخصية تفتح باباً لنقاش مُهم، وتختتم بخلاصة واضحة: الدعوة للاعتراف بالتعددية في التجربة السورية
خطاب_الكراهية_في_سوريا 100صوت_سوري_ضد_خطاب_الكراهية

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0