× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

«قسد» ودمشق وسياسة «المراوغة في المكان»: هل تُطبّق اتفاقية آذار؟

عقل بارد - على الطاولة 14-10-2025

يتناول هذا المقال تعقيدات العلاقة بين «قسد» والسلطات السورية الانتقالية بعد اتفاق العاشر من آذار، كاشفاً كيف تحوّل التفاهم السياسي إلى صراعٍ مؤجل تديره الأطراف بسياسة «المراوغة في المكان»، وسط خلافٍ عميق حول شكل الحكم ومستقبل الإدارة الذاتية في مشهدٍ تتنازعه الحسابات الإقليمية والدولية

الصورة: سانا

منذ توقيع اتفاقية العاشر من آذار/مارس 2025 بين الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي؛ شهدت العلاقة بين الطرفين منعرجات عديدة: تهدئة هنا واشتعال هناك، لقاءات تقنية متفرقة، ووساطات أميركية أو فرنسية متكررة.

ورغم الزخم الذي رافق الإعلان عن الاتفاقية، لم تثمر هذه اللقاءات حتى الآن عن خطوات فعّالة تُمهّد لتطبيقها، في ظل خلافات وُصفت بأنها «جوهرية»، وتعددٍ في الأطراف الفاعلة التي تتقاطع مصالحها في هذا الملف المعقد.

محاولة لتفكيك المشهد

تُعدّ آلية الحكم في سوريا وشكل السلطة إحدى أبرز العقد في هذا الملف، إذ تتمسك «قسد» بـ الإدارة الذاتية التي نشأت وترسخت خلال سنوات الحرب، وتمتعت بهيكلية واضحة تُدير عبرها مناطق واسعة من الحسكة والرقة وأجزاء من دير الزور وريف حلب.

في المقابل، ترفض السلطات الانتقالية، ومعها تركيا، هذا الطرح، وتصرّ على إنهاء «الذاتية» لصالح نظام حكم مركزي.

لم تُبنَ اتفاقية العاشر من آذار، التي وُقعت على عجل بالتزامن مع المجازر التي شهدها الساحل السوري، على أسسٍ علمية تُفكك التعقيدات الميدانية والسياسية والأيديولوجية والتاريخية التي تتداخل في الملف الكردي. ويبدو أنّ الرهان كان على إمكانية تحقيق تقدم لاحق عبر لقاءات تقنية تُعالج العقد واحدةً تلو الأخرى.

غير أنّ الاكتفاء بخطوطٍ عريضة في الاتفاقية زاد الهوة بين الطرفين، خصوصاً بعد أن تمكنت القوى السياسية الكردية من توحيد صفوفها والتوافق على أولوية النظام اللامركزي في سوريا، ما يعني فعلياً حماية الإدارة الذاتية. ومع غياب أي انفراجٍ سياسي واضح حتى اللحظة، يبقى الملف مرشحاً للانتقال تدريجاً من الطاولة إلى الميدان العسكري الجاهز للاشتعال.

التوترات على خطوط التماس بين «قسد» والفصائل التابعة للسلطات الانتقالية ليست جديدة، إذ تكررت الاشتباكات منذ عهد نظام الأسد، وتطورت أحياناً إلى معارك عنيفة بدّلت خرائط السيطرة. ومع ذلك، لم تؤثر تلك المعارك جوهرياً في مناطق سيطرة «قسد» التي تحتضن قواعد أميركية عدّة، وتُحكم قبضتها على ملف النفط ومنابعه في الشرق السوري.

هذه الاضطرابات المزمنة منحت القوى الدولية قدرةً كبيرة على التأثير في خطوط التماس عند الحاجة، فضلاً عن حالات الانفلات المستمرة التي تنتهي عادةً بإعلان وقفٍ لإطلاق النار دون معالجة جذور المشكلة.

الشيخ مقصود والأشرفية: اختبارٌ للتوازن

قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2025، بدا حيّا أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في حلب نموذجاً مصغراً لما يمكن أن ينتجه التعاون المحدود بين الجانبين. فقد تولّت «الذاتية» إدارة الحيين، مع انتشارٍ لقوات «الأسايش» داخلهما، بالتنسيق مع الأمن العام لتأمين محيطهما.

يمتاز الحيّان بخصوصيةٍ مركّبة بسبب محاذاتهما لمنطقة بلليرمون الصناعية، التي تضم عدداً كبيراً من المصانع والمعامل، في وقت تروّج فيه السلطات الانتقالية لسياسة النمو الاقتصادي على أنه ركيزة لنجاح مشروعها السياسي.

وسط هذه الظروف، جاء التصعيد العسكري الأخير على أطراف الحيين، وما رافقه من تصعيد إعلامي، بمثابة اختبارٍ حقيقي لقدرة كل طرف على إدارة أوراقه. فقد حشدت القوات التابعة للسلطات الانتقالية وحداتها على تخوم الحيين استعداداً لاقتحامهما بعد فرض حصارٍ محكم، فيما أظهرت القوات التابعة لـ «قسد» امتلاكها أسلحة فعّالة وقدرة على توسيع دائرة الصراع وتعكير صفو مدينة حلب، وتدمير الصورة التي تحاول السلطات رسمها كحكومةٍ قادرة على بسط الاستقرار.

أمام هذا المشهد، بدا واضحاً التأني الكبير في تعاطي الطرفين مع الأحداث: لم تُوسّع «قسد» نطاق المعارك، ولم تُقدم القوات الحكومية على الاقتحام، بانتظار اكتمال «المؤشرات» اللازمة، وعلى رأسها الموقف الأميركي الذي لم يمنح الضوء الأخضر لتفجير معركةٍ جديدة.

تدخّل المبعوث الأميركي توماس بَرّاك سريعاً لرعاية اتفاق وقفٍ فوري لإطلاق النار، تلاه اجتماع عاجل بين رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع وقائد «قسد» مظلوم عبدي، لم يسفر عن نتائج مكتوبة سوى التأكيد على استمرار العمل لتطبيق اتفاقية العاشر من آذار/مارس.

محاولات لإعادة ترتيب المشهد

على هامش أحداث الأشرفية والشيخ مقصود، برزت إشارةٌ لافتة في شكل الإعلان عن وقف إطلاق النار. إذ أعلن وزير الدفاع، مرهف أبو قصرة، عن لقائه بمظلوم عبدي وتوصلهما إلى الاتفاق، فيما تجاهلت وسائل الإعلام الرسمية اللقاء بين عبدي والشرع.

يُظهر ذلك توجهاً واضحاً لإعادة تصنيف «قسد» بوصفها مجرد فصيلٍ عسكري تابع لوزارة الدفاع، على غرار فصائل «الجيش الوطني» وسواها، وليس كندٍّ سياسي للرئاسة. وهو ما يعني عملياً رفضاً من السلطات الانتقالية للاعتراف بعبدي كطرفٍ مكافئ لرئيس الدولة.

سبقت هذه الخطوة إشاراتٌ مشابهة، أبرزها رفض السلطات إجراء جولة تفاوضية في باريس، احتجاجاً على مؤتمر «كونفرانس وحدة الموقف» الذي جمع مكونات شمال وشرق سوريا في نيسان/أبريل الماضي، وسعت «قسد» عبره للعب دور حامٍ للتعددية السورية بعد مشاركة شخصيات دينية واجتماعية من مختلف الطوائف، بينها شيخ عقل الطائفة الدرزية حكمت الهجري ورئيس المجلس الإسلامي العلوي الشيخ غزال غزال.

شكّل ذلك المؤتمر نقطة تحوّل لـ«قسد» والإدارة الذاتية، إذ مدّ جسوراً مع المجتمع في الجنوب والساحل، لكنه في المقابل أغلق باب الحوار مع السلطات الانتقالية لفترةٍ طويلة، شهدت خلالها جولات دبلوماسية مكثّفة للشرع نحو واشنطن ونيويورك وموسكو، لترميم العلاقات مع القوى الكبرى الفاعلة في الملف السوري.

تبعاً لذلك، تحوّل ملف «قسد» من اتفاقٍ سياسي مباشر بين الشرع وعبدي إلى خطة عملٍ عسكرية تهدف إلى دمج القوات الكردية في وزارة الدفاع، بوصفها خطوةً تقنية لا سياسية، أسوةً ببقية الفصائل. إلا أنّ الواقع الميداني أثبت أن عدداً من هذه الفصائل - رغم الإعلان عن دمجها - لا تزال تحتفظ بهيكلها واستقلالها السابقين.

من المهم أيضاً ملاحظة تجاهل السلطات الانتقالية أي إشارة دستورية مباشرة تنسجم مع اتفاقية 10 آذار/مارس، سواء في الإعلان الدستوري أو في مؤسسات الدولة قيد التشكيل، وحتى في مجلس الشعب الذي استُثنيت منه مناطق الإدارة الذاتية والسويداء. كما غاب ذكر الأعياد الكردية (وعلى رأسها عيد النوروز) عن المرسوم الذي حدّد العطل الرسمية في البلاد.

في المقابل، رفضت الإدارة الذاتية تطبيق المناهج التعليمية التي أقرتها وزارة التربية، وأغلقت المدارس التي تبنّتها، في خطوةٍ أكدت من خلالها تمسّكها بسلطتها الفعلية داخل مناطقها.

المراوغة مستمرة؟

في ظل هذه المعادلة المأزومة، كان من الطبيعي عودة الاشتباكات في مناطق التماس بين «قسد» والفصائل الموالية للسلطات الانتقالية في محيط سد تشرين رغم قرار وقف إطلاق النار. كما يبدو استمرار الخروقات، وربما الانزلاق إلى مواجهاتٍ أوسع، نتيجة مباشرة لسياسة «المراوغة في المكان» التي يتبعها الطرفان، في محاولةٍ لربح الوقت بانتظار تبدّل المواقف الدولية.

وما لم يُفكَّك هذا الملف من جذوره عبر معالجة النقاط الخلافية الجوهرية - السياسية منها والدستورية والإدارية - فسيبقى مرشحاً للاشتعال من جديد، مع كل تبدّلٍ في الميدان أو تبدّلٍ في المزاج الإقليمي.

اتفاقية_10_آذار الشرع_وعبدي الشيخ_مقصود

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0