الصورة: إعادة فتح الطريق بين الأشرفية وبقية أحياء حلب قبل أيام / سوشال ميديا
أثناء دراستي الجامعية في حلب، اعتدتُ كلّ صباحٍ أن أعبر من ساحة الجامعة باتجاه الشيخ مقصود والأشرفية، لأشعر أنني أدخل جزءاً من حلب الحقيقية، حلب الأحياء الفقيرة التي لا تُعرّفها الجغرافيا ولا السياسة، بل يعرفها صوت الباعة في الصباح، ورائحة الخبز الحار، وأحاديث الجيران التي تتنقّل في الشيخ مقصود والأشرفية بين العربية والكوردية بلا حرج ولا ترجمة.
سرتُ في طرقاتهما، أكلتُ في مطاعمهما البسيطة، جلستُ على إطلالة المقابر التي تروي حكايات الأجيال، ونمتُ في بيوتهما التي تختزن في جدرانها ما لا تختزنه كتب التاريخ. حين أسمع اسم «الشيخ مقصود» أو «الأشرفية» اليوم، يستيقظ في داخلي زمنٌ كامل. تتزاحم فيه أسماء الأصدقاء، ومقاعد الدراسة، والمقاهي الصغيرة، ووجوه الناس الذين لم يسألوا يوماً عن الطائفة أو القومية، لأن العيش المشترك لم يكن شعاراً مستهلكاً، بل عادة يومية.
لا تزال قُصص لعبة الورق، والحلاق الكوردي القادم من عين ديوار في أقصى الحدود السورية مع إقليم كوردستان العراق، وحكايات العشاق وقصص الحُبّ، تراود مُخيلتي.
شقق الإيجار التي سكنها الأصدقاء وعلاقاتهم مع «الوسط الحلبي» وعموم شباب سوريا، هي الأخرى حكاية لم تُرو فصولها بما يكفي كي تسد أفواه الحاقدين والناقمين على المساواة والعيش معاً.
مدينة تتنفس من أعلى تلالها
الشيخ مقصود والأشرفية ليسا «حيين كرديين» في شمال حلب، بل عينان تطلّان على المدينة ورئتان تتنفسانها. من هناك ترى قلعة حلب تلمع عند الغروب، وتسمع في الأسفل أصوات الأذان والباعة وصخب الأسواق. كان الحيّان يضمان خليطاً من الكورد والعرب والآشوريين والأرمن والتركمان، في فسيفساء تنسجم مع تركيبة حلب نفسها.
قبل عقود طويلة استقر فيهما آلاف الكورد القادمين من «الجزيرة السورية» وعفرين بحثاً عن عمل أو تعليم، فكانا الجسر بين الريف والمدينة، بين المهمشين والطبقة العاملة، بين من يسكنون الأطراف ومن يحلمون بأن يصيروا جزءاً من نسيج حلب.
كان الحيّان مرآةً للتكامل لا للفصل: الطالب الكوردي يدرس في جامعة حلب، والعامل العربي يجد في ورش الشيخ مقصود زملاء يتحدثون بلغتين ويضحكون بلغة ثالثة اسمها التعب. هناك تعرفت إلى صور التفاعل الاجتماعي العميق بين الكورد والعرب في حلب، بعيداً عن الحسابات السياسية، في تفاصيل الحياة اليومية البسيطة: فرن، مدرسة، باص مزدحم، أو بيت يؤوي ثلاثة طلاب من ثلاث مدن مختلفة.
من دفء الحياة إلى برودة الحرب
حين اندلعت الحرب السورية، كانت حلب واحدة من أكثر المدن التي دفعت الثمن. ومعها دفعت أحياؤها الطرفية - مثل الشيخ مقصود والأشرفية - أثماناً مضاعفة. تحوّلت التلال التي كانت تُطل على المدينة من مكانٍ للتأمل إلى نقاط اشتباك، وصار الخوف لغةً مشتركة جديدة.
في تلك السنوات السوداء، تعرّض الحيّان للحصار والدمار والنزوح، لكنهما بقيا صامدين. كانت النساء كورديات وعربيات يوزعن الخبز والدواء، وكان الشباب ينظفون الشوارع بعد القصف، وكأن البقاء نفسه صار فعل مقاومة.
كان الحيّان مرآةً للتكامل لا للفصل: الطالب الكوردي يدرس في جامعة حلب، والعامل العربي يجد في ورش الشيخ مقصود زملاء يتحدثون بلغتين ويضحكون بلغة ثالثة اسمها التعب
اليوم، بعد أكثر من عقد، تتكرر مشاهد القلق. المعارك تعود لتطل برأسها من جديد، وكأن المدينة لم تتعلم من وجعها. لكن ما يُقلق أكثر من صوت السلاح، هو صمت الحوار. tحتى إن توقفت الاشتباكات العسكرية، قد تبقى «الاشتباكات المدنية» مشتعلة: من يتولى الإدارة المحلية؟ كيف تُدار الخدمات؟ من يتحكم بالكهرباء والمياه والتعليم؟ ومَن يقرّر مستقبل حيَّين يرتبط مصيرهما بحلب بشكل طبيعي؟ والأهم: متى سنشعر أن الانتماء والهويّة الجامعة والحقوق السياسية، هي أساس بناء هذه الدولة من جديد؟
حلب لا تكتمل بلا حيّيها
الواقع يقول إنه لا مفرّ من حلب ولا مفرّ من الشيخ مقصود والأشرفية. فإدارة شؤون الحيَّين والحياة اليومية فيهما، ليست ممكنة بمعزل عن المدينة. والسلطات المحلية في حلب تعرف أن تجاهل الحيين يعني خسارة جزءٍ من روح المدينة.
من الناحية الإدارية والاقتصادية، يعتمد الحيّان على حلب في الحركة التجارية، والمواد الأساسية، والجامعة، والمشافي، والمعامل. وفي المقابل، يشكّل الحيان سوقاً ومتنفساً سكانياً مهماً لحلب المكتظة. العلاقة هنا ليست خياراً سياسياً يمكن البت فيه بقرار، بل هي علاقة عضوية عميقة. لذلك، فأي جدارٍ يرتفع لن يكون سوى جدارٍ في قلب المدينة، يمنع عنها الهواء.
الحوار.. لا الرصاص
الحوار في عموم سوريا، وضمناً في ملف الشيخ مقصود والأشرفية ليس رفاهية، بل ضرورة وجودية. فمنذ سنوات، يعيش الحيان حالة «هدنة معلّقة»، لا حرب كاملة ولا سلام تام.
اليوم؛ ومع كل توتر جديد، تتجدد المخاوف من عودة المدينة إلى النقطة الصفر. لكن كل قطرة دم تُسفك في الشيخ مقصود أو الأشرفية ليست خسارة لأحد الطرفين فقط، بل خسارة لحلب كلها، ولسوريا كلها. لأن هذين الحيين نموذج مصغّر لما يمكن أن تكون عليه البلاد: شراكة رغم الاختلاف، وعدالة رغم التباين، وذاكرة رغم الجراح.
كل محاولة لفرض السيطرة بالقوة ستولد جرحاً جديداً في جسد المدينة، بينما كل خطوة نحو الحوار والإدارة المشتركة ستعيد قليلاً من دفء حلب القديم، حين كان الصباح يبدأ بنداء الخبّاز الكوردي في الشيخ مقصود، وينتهي بصوت المؤذن في صلاح الدين.
حلب التي ننتظر قيامتها
ربما لم تعد حلب اليوم كما كانت، لكن في كل زاوية من أحيائها، بما فيها الشيخ مقصود والأشرفية، ما زالت هناك روح حلب التي عرفناها. حلب التي تجمع المختلفين لا تفرّقهم، التي تغسل وجعها بالعمل لا بالانتقام، والتي تفهم ألا مستقبل لأي طرفٍ من دون الآخر.
طريق الحلّ لا يمرّ عبر خطوط التماس، بل عبر جسور الثقة. جسور تحتاج إلى ترميم، كما تحتاج الأبنية القديمة إلى دعمٍ كي لا تنهار.
في النهاية، قد تتوقف المدافع، لكن معركة الوعي لم تتوقف بعد. فإما أن نعيد لحلب وجهها الإنساني المتعدد، أو نتركها تنزف في صمت، بين حيّين يشبهانها أكثر مما تشبه نفسها.
<