في الصباح الباكر، ومن منطقة الآشورية في مدينة القامشلي، يسير الطفل دارفان بخطوات مترددة على الطريق المُعبد المؤدي إلى منزله، يحمل في يده دفتراً مهترئاً يلفّه بكيس بلاستيكي خشية المطر.
يقول بخجل: «توقفت عن الذهاب إلى المدرسة، أغلقت».. لم يفهم بعد كيف تحوّل الدفتر الذي كان بوابته نحو المستقبل، إلى «وثيقة نجاة» من الضياع لمراجعة الأحرف العربية.
منذ سيطرة الإدارة الذاتية على المدارس التي كانت تتبع وزارة التربية السورية، تحوّل المشهد التعليمي إلى ساحة صراعٍ جديدة بين المنهاجين، واللغتين، والشرعيتين، وبين من يملك «المنهاج» ومن يملك «الاعتراف به».
من المقاعد إلى الشوارع والمنطقة الصناعية
منذ العام 2015 سيطرت الإدارة الذاتية على عشرات المدارس الحكومية في القامشلي وريفها، ومنعت تدريس المناهج الرسمية الصادرة عن وزارة التربية السورية، وفرضت مناهج جديدة مكتوبة بالكردية والعربية والسريانية. مع ذلك ظلت بعض المدارس قادرة على تدريس المنهاج الحكومي.
قبل مدة وجيزة قررت «الذاتية» سحب المنهاج الحكومي من التداول بشكل نهائي.
كان القرار لحظة مفصلية: آلاف الطلاب وجدوا أنفسهم في الشوارع، فيما تحوّلت ساحات بعض المدارس إلى مبانٍ للهيئات الإدارية المدنية، وأخرى باتت مؤسسات تعليمية تُطبق مناهجها.
في حديثه لـ«صوت سوري»، يقول محمد علي (15 عاماً)، الذي كان في الصف الثالث الإعدادي حين أغلقت مدرسته: «كان حلمي أن أصبح مهندساً، لكنهم قالوا إن شهادتنا الجديدة غير معترف بها في الجامعات. لهذا منعني والدي من الالتحاق بمناهج الإدارة الذاتية، وقال ليّ: ما فائدة علم بلا مستقبل؟».
فيما يقول الطالب الكوردي ريباز (13 عامًا): «قرّر أبي أن أتعلم صنعة أفضل من المدرسة التي لم يعد لها من فائدة». ريباز اليوم يعمل في ورشة حدادة مقابل أجرٍ زهيد، لكنه ما زال يحتفظ بدفتره القديم، يفتحه أحياناً في المساء ويقلّب صفحاتها.
حين تتصارع المناهج... تضيع الطفولة
تؤكد الإدارة الذاتية أنها تعدّ مناهجها مشروعاً تحرّرياً وثقافياً يكرّس هوية المكونات السورية ويُنهي عقوداً من «الإنكار القومي»، لكن المفارقة أن كثيراً من العائلات الكوردية نفسها، وبل قيادات رفيعة المستوى في كامل المنظومة الإدارية والسياسية والعسكرية، امتنعت عن إرسال أبنائها إلى تلك المدارس؛ ليس رفضاً للغة الكوردية، بل خوفاً من مستقبلٍ بلا شهادة معترف بها.
تضاءلت أصوات أجراس المدارس، وتزايدت الدورات الخصوصية، ومراكز التعليم «البديل» التي تدرّس سراً منهاج الحكومة السورية أو المناهج الأجنبية عبر الإنترنت
المدرس شيار (اسم مستعار) يقول شارحاً المفارقة: «أنا كوردي وأؤمن بحقنا في التعلم بلغتنا، لكني أيضًا مع الاعتراف القانوني بالمناهج. التعليم لا يُبنى على النوايا، بل على الاعتراف. ماذا سأقول للطالب حين يسألني: أين سأتقدم لامتحان الثانوية؟».
يتحدث المدرس عن «صراعٍ صامت بين لغتين ومنهاجين؛ منهاج الإدارة الذاتية الذي يرى فيه البعض تحرراً من المركزية البعثية، فيما آخرون يرونه عزلة معرفية. ومنهاج الحكومة السورية الذي يتمسّك به الأهالي بوصفه باباً للجامعة، رغم ما يحمله من رموز النظام القديم. وبين هذا وذاك ضاع الأطفال والتعليم والشباب، وتحوّلت الصفوف إلى ساحة لتجاذبات الهويّة والسياسة».
مدارس الكنائس... آخر الحصون
في قلب القامشلي، تظلّ مدارس الكنائس المسيحية آخر من يقاوم هذا الانقسام. ترفض هذه المدارس تدريس مناهج الإدارة الذاتية، وتتمسّك بمناهج وزارة التربية السورية، مستندة إلى ترخيص رسمي بصفتها «مدارس خاصة».
لكن الضغوط لا تتوقف. في العام 2018، أغلقت الإدارة الذاتية بعض هذه المدارس ليومٍ واحد، ما أثار موجة احتجاجات غير مسبوقة في الأحياء المسيحية.
يقول الأب بولس، مدير إحدى المدارس السريانية لصوت سوري: «لسنا ضد اللغة الكوردية، ولكن لا يمكننا التضحية بمستقبل أطفالنا. التعليم ليس ساحة تجارب سياسية، بل رسالة إنسانية».
ويضيف «حالياً تعيش تلك المدارس في منطقة رمادية بين القبول والرفض، حيث تسعى الإدارة إلى احتوائها دون صدام، بينما يحاول رجال الدين الحفاظ على توازن هش بين البقاء والتمرد. ولكنها أُغلقت أيضاً مع تعهد مالكيها ورجال من الكنائس والسياسيين والنشطاء السوريين من المكون المسيحي بإعادة فتحها مُجدداً، ما يُعيد صراع الهويّة ضمن مكانة جديدة».
مبادرات محلية
في دورةٍ تعليمية صغيرة نظّمها معلم متقاعد في منزله، يتكدّس عشرات الأطفال على المقاعد الخشبية.
يقول المعلم فارس أبو آزاد: «نحن ندرّس العربية والرياضيات والعلوم، فقط لأننا لا نريد لجيلٍ كامل أن يضيع. لا نأخذ أجوراً ثابتة، بعض الأهالي يدفعون ما يستطيعون، وآخرون لا يملكون شيئاً».
كثير من الأهالي كفوا عن إرسال أطفالهم إلى المدارس التابعة للإدارة الذاتية، خوفاً من أن يجدوا أبناءهم خارج منظومة التعليم المعترف بها رسمياً.
وهكذا، تضاءلت أصوات الأجراس، وتزايدت الدورات الخصوصية، ومراكز التعليم «البديل» التي تدرّس سراً منهاج الحكومة السورية أو المناهج الأجنبية عبر الإنترنت.
تروي السيدة عبير شمسي لـ«صوت سوري» كيف تدرّجت الأزمة: «كنت أرسل أبنائي إلى المدارس الخاصة غير الرسمية»، وهي عبارة عن بضع غرف تفتقد للشروط الصحية للتعليم، غير مرخصة من وزارة التربية السورية، ويُغض النظر عنها من قبل مديرية التربية في الحسكة، وتدرس مناهج الحكومة السورية، لكن بطريقة غير رسمية، أيّ يحصل الطالب على الجلاء المدرسي ممهوراً بخاتم مدرسة أخرى.
تضيف عبير «قررنا الاستقرار في دمشق، بعد إصرار الإدارة الذاتية على منع تدريس مناهج الحكومة السورية بدءاً من هذا العام، والكارثة أن وزارة التربية لم تعترف بالشهادات الصادرة عن المدارس الخاصة غير النظامية، ولم تقبل تسجيل أبنائي في الصفوف التي وصلوا إليها. كل هذه الأعوام كان التعليم في تلك المدارس، كذبة كبيرة».
بين الشرعية السياسية والاعتراف الدولي
تحاول الإدارة الذاتية منذ سنوات إقناع المنظمات الدولية واليونسكو بالاعتراف بمناهجها التعليمية، دون جدوى، فالقضية ليست تربوية فقط، بل سياسية في جوهرها، ترتبط بعدم الاعتراف الرسمي بالإدارة نفسها التي تتهما دمشق بأنها تسعى إلى «تجزئة الهوية الوطنية».
تقول الباحثة التربوية ميادة حسن، المقيمة في الحسكة: «نحو أكثر من 200 ألف طفل خارج العملية التعليمية في شمال شرق سوريا. ما نراه اليوم ليس فقط أزمة مناهج، بل انهيار في بنية الثقة بين الدولة والمجتمع، وبين الهوية والمستقبل».
لغةٌ بلا اعتراف… واعتراف بلا معنى
كثير من خريجي الثانوية لم يجدوا طريقاً إلى الجامعات السورية أو الأجنبية، فعادوا إلى النقطة الصفر. تقول الطالبة رشا ميرخاس المتخرجة من جامعات الإدارة الذاتية: «حصلت على شهادة الثانوية من مدارس الإدارة الذاتية بعد دراسة لمدة ست سنوات، إذ التحقت بها منذ الصف الأول الإعدادي».
تضيف: «سافرنا إلى (إقليم) كوردستان العراق للاستقرار، لكنني لم أستطع التسجيل في أي جامعة لأن شهادتي غير معترف بها».
وتختتم حديثها: «راسلت العديد من الجامعات السورية عبر مكاتب تسجيل الطلاب والخدمات الجامعية، لكن النتيجة هي ذاتها، وبالنهاية شعرت كأني لم أتعلم شيئاً».
يقول ميرخاس شيخموس وليّ أمر الطالبة رشا: «هل نريد تعليماً قومياً معزولاً عن العالم؟ أم آخر يفتح الباب أمام الاعتراف الدولي؟ اللغة حق، نعم، لكنها لا تكفي وحدها لصنع مستقبل».
ذاكرة المدرسة التي غابت
في حي الوسطى بالقامشلي، أغلقت مدرسة «عبد المسيح حيداري»، وصارت مبنى فارغًا تتجمع فيه القطط. على جدرانها ما زالت بقايا لوحات الطلاب، وأسماء محفورة بخط اليد.
«حسام يحب الفيزياء، روجين تحلم أن تكون طبيبة» تقول المُدرسة شيريهان، التي كانت تعمل فيها منذ عشرين عاماً، مضيفة: «كل حجر في هذه المدرسة يحمل صوت طفل. كنا نبدأ اليوم الأول من الأسبوع بالإرشادات والنصائح، واليوم يبدأ الأطفال بالبحث عن مكانٍ ليلعبوا فيه».
في المقابل، تدير الإدارة الذاتية مدرسة في الطرف الشرقي للمدينة، ترفع على مدخلها لافتة بثلاث لغات: العربية، الكردية، السريانية. لكن الغرف شبه فارغة. «الطلاب قليلون، والأهالي مترددون»، يقول المدير، مبيناً «نحاول بناء نظام جديد من الصفر، وسط فوضى الحرب، هل هناك مهمة أصعب من ذلك؟».