تُشكل لحظه كتابه الدستور - بوصفه أول لبنة في بناء الدولة الجديدة، أي دولة كانت - علامةً فارقة في تاريخ البلاد، لا سيما تلك الخارجة، أو التي تحاول الخروج من نفق الصراع المسلح وظلمات الاستبداد. بيد أن الدستور ليس نصاً قانونياً فحسب، بل هو في جوهره إعلان نوايا جماعية، وتعاقد سياسي بين القوى السياسية الأساسية في البلاد، وعهد اجتماعي بين مكونات المجتمع كافة، وخريطة طريق لبلد يحاول إعادة تعريف نفسه.
في حالتنا السورية، ثمة أسئلة عديدة مركزية وخطيرة في آنٍ تطرح نفسها: من يكتب الدستور؟ هل يتمتع بالشرعية الكافية؟ ما هي فلسفة الدستور الذي نريد؟ كيف يصبح هذا الدستور أداة استقرار، وتنمية، وحكم رشيد، لا أداة هيمنة وإقصاء؟ كيف يمكن أن تجبر نصوصه كسور المجتمع وجروحه، وتبني جسور التواصل في لحظه استقطاب عنيفة كالتي نشهدها في البلاد اليوم؟ كيف نبني دستوراً يتعلم من الماضي ويتجاوزه إلى مستقبل جامع؟ كيف نضمن استقلال القضاء؟ ما طبيعة العلاقات الدستورية المثلى بين كل من البرلمان والحكومة والجيش في سوريا؟ كيف نوازن بين احترام الشريعة وبين التزامات سوريا الحقوقية والدولية؟ كيف نضمن تنفيذ النصوص بعد كل ما مررنا به من تجارب قاسية؟ من يراقب تنفيذ الدستور، ومن يضمن عدم الالتفاف عليه، وما هو دور المحكمة الدستورية في ذلك؟
شرعية من يكتب الدستور
ليس الدستور مجرد وثيقة تُصاغ في مكاتب مغلقة من قبل خبراء قانونيين. بل هو فعل سياسي بامتياز، يتطلب شرعية تأسيسية تتجاوز الشرعية الثورية أو المؤقتة (التي تفرضها متطلبات المرحلة الانتقالية). يُكتب الدستور في ظروف الاستقرار، وفي حالة الأنظمة الديمقراطية، إما من خلال جمعية تأسيسية منتخبة، أو عبر عملية تشاورية موسعة تنتهي باستفتاء شعبي. أما في السياقات الانتقالية، وفي حالة من ضعف الاستقرار، وضعف الموارد، وتهالك البنية التحتية كما هو الحال في سوريا اليوم، فتغدو المسألة أكثر تعقيداً.
أي دستور يُكتب خلف الأبواب المغلقة، وبلا تفويض شعبي، سيولد ضعيفاً… بغض النظر عن جودة صياغته
تمتلك السلطة القائمة اليوم «الشرعية الثورية» بفعل انتصارها العسكري على النظام السابق، ثم توليها مقاليد السلطة في البلاد. لكنها حكماً لا تستند إلى شرعية صناديق الاقتراع، وبالتالي، فنحن أمام شرعية منقوصة. عليه، قد يؤدي استحواذها على عملية كتابة الدستور إلى إعادة إنتاج النظام ذاته الذي حاربته هي ذاتها، بينما يُفترض أن الدستور الجديد يهدف إلى تجاوز ذلك النظام وعهده.
الأخطر؛ أن يتحوّل الدستور إلى أداة لمنح السلطة القائمة غطاء قانونياً دائماً، وأداه شرعنة لحكمها وحكم السلطات المستقبلية في البلاد، بدلاً من أن يكون وسيلة لتحديد وضبط هذه السلطة، ودعمها في إرساء حكم القانون، وتعبيراً قانونياً عن عقد اجتماعي شامل غير إقصائي، معبر عن علاقة الدولة بمواطنيها ومكوناتها الاجتماعية، لا بين الحاكم والرعية.
بالتالي؛ أي محاولة لكتابة دستور دائم للبلاد من قبل السلطة الحاكمة بدون تفويض شعبي واضح، وبدون مشاركة تمثيلية حقيقية، ولا عملية تشاورية واسعة مع فئات المجتمع كافّة، ستكون عرضة لرفض مجتمعي، وستفشل في التأسيس لعقد اجتماعي جديد.
عادة ما تسعى القوى الديمقراطية إلى الحيلولة دون تصدّي السلطات الانتقالية لعملية كتابه الدستور، وذلك تفادياً لإنتاج دستور منقوص الشرعية. على سبيل المثال، أقرّ الإعلان الدستوري في السودان للعام 2019 أن كتابة الدستور النهائي ليست من صلاحية الحكومة الانتقالية، بل تُناط بعملية تشاركية أوسع تُدار بعد الانتخابات. وفي تونس، ورغم عثرات التجربة، تولّت جمعية تأسيسية منتخبة ديمقراطياً مهمة كتابة دستور 2014، ما منح النص درجة عالية من الشرعية المجتمعية. بالتأكيد ليس من السهل توفير شروط عمليه انتخابية شفافة ونزيهة في ظل ظروف النزوح واللجوء، ودمار البنى التحتية، وغموض مستقبل مناطق واسعه من البلاد لا تقع تحت سيطرة المركز بشكل كامل، لكن هذا لا يجب أن يحول دون إجراء عملية حوار واسعة، فعلية ومؤثرة، لا شكلية بطبيعة الحال، ولا دون دعوة الكتل السياسية الأساسية في البلاد للمشاركة في عملية الكتابة، بغية توفير أعلى مستوى ممكن من الشرعية.
التأسيس.. لحظة التشميل الحاسمة
ثمة خطر آخر يهدد عمليات صياغة الدساتير، هو تحويل لحظة الدستور إلى لحظة استثناء وإقصاء، بدل تشميل وتضمين، إذ تستغل السلطة الحاكمة قدرتها على التحكم بعمليه كتابه الدستور، وتنتهز حالة الاستقطاب الحاصلة لكتابه نص يعبر عن توجهات فئة دون أخرى.
لا يمكن التعامل مع عملية كتابه الدستور بطريقة تُماثل كتابة قانون عادي تصوغه الأغلبية المهيمنة على الجسم التشريعي. ففي حالة الدستور، نحن نكتب العقد الاجتماعي الذي يفترض أن يحظى بأعلى نسبة توافق ممكنة، ولا تكفي غلبةُ تيار يمثل الأغلبية، أياً كان شكل الأغلبية التي يدعي هذا التيار تمثيلها. ليس من الترف مثلاً أن تفترض أغلب دساتير العالم أن يحظى أي تعديل دستوري بموافقة الثلثين، أي بأوسع نسبة توافق بين المعارضة والموالاة، ذلك أن كتابة الدستور - وبالتالي تعديله – شأن يتطلب حالة حوار عميقةٍ لبناء أوسع توافق ممكن حول نصوص الدستور.
إحدى المشكلات المتكررة في دساتير الدول الخارجة من النزاعات أنها تُصاغ كـ«وثيقة تقنية» لا بوصفها عقداً اجتماعيّاً خاضعاً لفلسفة تكرس مشروعاً فكرياً واضحاً يعكس هوية الدولة المنشودة، وطموحات شعبها
تُمكن معرفة أثر غياب روح التوافق في كتابة الدستور عبر استعراض النموذج المصري، وتحديداً صياغة الدستور المصري العام 2012، الذي جاء بعد مرحلة انتقالية مشحونة، واستقطاب حاد بين مختلف القوى السياسية. الانسحابات المتكررة من الجمعية التأسيسية الأولي، ثم حل الجمعية الأولى وإعادة انتخاب جمعية جديدة، وسرعة كتابة النص، ونسبه المشاركة المنخفضة في الاستفتاء (لم تتجاوز 33%)، ومن ثم حصول الدستور على موافقة 64% من المشاركين في الاستفتاء فقط، كل ذلك عكس غياب روح التوافق، الأمر الذي أفقد الدستور روح العقد الاجتماعي الشامل، وأسهم في نهاية المطاف بسقوط التجربة الديمقراطية في أكبر بلد عربي.
توضح التجربة المصرية، وسواها، كما في كولومبيا ونيبال وغيرهما من البلدان التي شهدت نزاعات عنيفة، كيف يمكن أن تؤدي هيمنة طرف سياسي على العملية التأسيسية إلى فقدان النص شرعيّته المجتمعية، وتحويل لحظة الدستور من تأسيس مشترك إلى أداة لإعادة إنتاج انقسامات المجتمع، و/أو الاستبداد. وهو ما يجب على السوريين والسوريات التنبه إليه، إذ لا يكفي أن تُكتب المسودة، بل الأهم أن تُكتب باسم الجميع ولأجل الجميع، ضمن عملية شرعية وتمثيلية وتشاركية فعلية.
ليس هذا وحسب، فإذا ما كنّا ننوي صياغة دستورنا الدائم بروح التشميل والتضمين للجميع، فلا معنى لكتابته بعيداً عن المجتمع، بل من المهم والضروري أن تكون جلسات صياغته علنيّة، ومحاضره منشورة. ليست هذه لحظة عابرة، بل كتابة تاريخ الجمهورية السورية الثانية إن صح التعبير.
الفلسفة الدستورية.. لا دستور بلا روح
إحدى المشكلات المتكررة في دساتير الدول الخارجة من النزاعات أنها تُصاغ كـ«وثيقة تقنية» لا بوصفها عقداً اجتماعيّاً خاضعاً لفلسفة تكرس مشروعاً فكرياً واضحاً يعكس هوية الدولة المنشودة، وقيمها المؤسسية، وطموحات شعبها.
ليست الفلسفة الدستورية ديباجة جميلة، بل هي جوهر النص، إذ تحدد ما إذا كانت الدولة المنشودة مركزية أم لا مركزية، هل هويتها هويه وطنية جامعة تغيب فيها الهويات الفرعية، أم هوية وطنية قائمة على احترام الهويات الفرعية وتكاملها مع الهوية الوطنية؟ هل الفرد هو الأساس أم الأسرة؟ ما هو عامل التوازن بين حقوق الجماعات وحقوق الأفراد؟ إلخ
بصيغة أخرى، بعد فلسفة الإقصاء والهيمنة التي كرسها دستور العام 2012، لتجميل شكل النظام القائم (حينها) من دون أن يغير بنيته، ما هي فلسفة الدستور الذي ننشده اليوم؟
كيف يمكن أن يعكس الدستور فلسفة تأسيسية ترتكز على الكرامة الإنسانية، والوحدة في التعدد بدل الإنكار أو الإقصاء، والمواطنة المتساوية بوصفها أساساً للحقوق والواجبات، والسيادة الشعبية باعتبارها مصدر السلطات؟
ليست هذه المبادئ رفاهية لغوية، بل ضرورة أساسيّة لتأسيس عقد اجتماعي يُرضي المكونات السورية المختلفة، ويمنع عودة الاستبداد تحت ستار الشرعية الدستورية.
إذاً لا يُكتب الدستور الدائم ليُعلن عن نهاية الصراع وحسب، بل ليُطلق بداية جديدة لجمهورية جديدة ومستقبل جديد. وكي يؤدي هذا الدور، يجب أن يكون فعلاً سياسياً جامعاً، منبثقاً عن إرادة السوريين والسوريات جميعاً بلا إقصاء. يجب أن يُصاغ في مناخ من الاعتراف المتبادل، والوضوح الفلسفي، والشرعية التمثيلية.
ليس المطلوب فقط نصاً محكماً، بل رؤية دستورية تؤسس لثقافة سياسية جديدة تؤمن أن السلطة تُقيد، ولا تُطلق. وأن المواطن يُحمى، ولا يُخضع. وأن الدولة تُبنى بالتوافق، لا بالهيمنة.
هذا هو المعنى الحقيقي لسؤال: «من يكتب الدستور»؟
فليس الجواب مجرد أسماء، بل من يكتب ماذا؟ ولماذا؟ ولأجل من؟
وفي سوريا، لا بد من أن يكون الجواب: يكتبه الجميع، لأجل الجميع، بروح الجميع.