× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

اللوحة مُقتطعة من غلاف الرواية

رواية «قيامة جميلة» لـ أديب حسن: الحبّ درب خلاص

المقهى - مراجعات 01-12-2025

في رواية «قيامة جميلة» يجعل أديب حسن من اللغة فعلاً للقيامة، ومن العاطفة خلاصاً إنسانياً، ومن الهجرة فرصة لإعادة ولادة الذات. ومن خلال شخصيتي جان وجميلة، يقدّم صورة عن شعوب تبحث عن قيامة تخصها وعن ولادة جديدة وسط الخراب. معلناً قدرة الإنسان على النهوض من تحت الرماد

يعدّ الشاعر والروائي أديب حسن واحداً من الأصوات الكُردية السورية البارزة في المشهد الأدبي المعاصر، جمع بين الشِعر والرواية، وامتاز بقدرة على تحويل التجربة الشخصية إلى خطاب إنساني واسع.

يتجاوز عمله الروائي الجديد «قيامة جميلة» (دار «ميزوبوتاميا» - دمشق 2025)، الحكاية العاطفية المباشرة، ليصبح مشروعاً وجودياً قائماً على فكرة الانبعاث من رماد الذات والجماعة. إنّها رواية تُحاور الموت في صور شتّى، وتستدعي الذاكرة الفردية والجماعية لوضعها في مواجهة الحاضر، وتبحث في النهاية عن إمكان ولادة جديدة، قيامة تخص الإنسان الممزّق بين الجغرافيا والتاريخ.

الرحلة لا الوصول

منذ اللحظة الأولى يتردد صدى العبارة المركزية: «الرحلة.. لا الوصول»، وهي عبارة تفتح النص على تأويلات متعددة. يحمل جان، القادم من سفوح جبل «جودي»، مذياعه كمن يحمل صوته الداخلي، ويلتقي بالعجوز الغامض الذي يضعه أمام اختبار وجودي: أن يظلّ في الطريق، أن يعتبر المسافة نفسها غاية، أن يحيا الرحلة بوصفها قيمة عليا.

بهذا المعنى يغدو السرد كله تمريناً على إعادة تعريف الحب، إذ يظهر العشق كدربٍ مفتوحٍ تتجدّد فيه الذات وتتعلم عبره معنى الصبر والأمل. الوصول يحمل تهديد النهاية، بينما الطريق يمنح الذات معنى مستمراً، ويمنح النص قابلية للانفتاح على احتمالات أوسع.

بنية الاعتراف

اختار الكاتب أن يوزّع الحكاية بين صوتين رئيسين: صوت الغائب الذي يروي حكاية جان، وصوت المتكلّم الذي تمنحه جميلة لتكتب ذاتها من الداخل. هذا البناء الصوتي يجعل الرواية مساحة يتقاطع فيها الاعتراف مع الحكاية، والبوح مع الغنائية. جميلة تقترب من القارئ وتفتح أمامه صندوق حياتها وماضيها، وتصرّ على أن يكون حضورها مكتوباً بضمير المتكلّم، وكأنها بذلك تستعيد زمام حياتها. تقول في لحظة تعريف صافية: «ها أنا في غرفة صغيرة باردة رفقة حقيبتي، هذا "الاستوديو" كما يسمى هنا. أنا: جميلة، أو: قصة قيامتنا هنا ستبدأ».

تتحرك الشخصيات بين جبل «جودي» في كُردستان وجسور قسنطينة في الجزائر، ثم إلى فضاء الشركة الناشئة حيث يعمل البطلان معاً

يمنح هذا الصوت النص بعداً حميماً، ويجعل القارئ شاهداً على امرأة خرجت من ماضي الجزائر الأسود لتبدأ كتابة جديدة لذاتها، تمثل قيامة شخصية موازية للقيامة الجماعية.

تتحرك الشخصيات بين جبل «جودي» في كُردستان وجسور قسنطينة في الجزائر، ثم إلى فضاء الشركة الناشئة حيث يعمل البطلان معاً. تتحوّل الأمكنة من خلفيات جامدة إلى كائنات حية تشارك في السرد وتمنح الأحداث أبعادها الخاصة. يحمل «جودي» رمزية الخلق الأول والسفينة الناجية من الطوفان، وقسنطينة تحمل ذاكرة الجسور المعلّقة فوق الوادي كأنها تحاول أن تصل بين السماء والأرض. بينما تمثل الشركة الحديثة فضاءً معولماً يذيب الهويات في نظام اقتصادي صارم. هكذا يعيش النص توتراً دائماً بين المكان الأسطوري المشبع بالرموز، والمكان العصري المفرغ من الذاكرة، ويجعل من هذا التوتر جوهر تجربته الفنية.

يكتب أديب حسن بلغة شاعرية تتخطى حدود السرد الكلاسيكي، الجمل مشبعة بالمجاز، مشحونة بالإيقاع، وممتدة كأنها مقطع من نشيد طويل، بينما الصور يتناسل بعضها من بعض. إنها رواية تُعلي من مكانة الشِعر داخل النثر، وتحوّل الكتابة نفسها إلى طقس يوازي الطقوس الدينية، فيغدو النص معبراً نحو المعنى الأعمق للحب والمنفى.

رمزية القيامة

تُقدم القيامة في النص كتجربة إنسانية وجودية أكثر من كونها حدثاً دينياً؛ إذْ يعيش جان قيامة خاصة حين يكتشف أن حلمه بالحب قادر على منحه معنى جديداً للحياة، وتختبر جميلة قيامة موازية حين تغادر ماضي الجزائر الدموي لتعيد تشكيل ذاتها. هكذا يصبح الوعد بالقيامة متجسداً في اللغة وفي العاطفة معاً، ويبلغ النص ذروته حين يرد: «قبل أن تنطبق السماء على هيكل الطائرة… أشع، أشع يا حبيبنا، من عمق الوادي تعلو مجلجلة صورتان تتحدان في قيامة بحكاياه».

يتخطّى الحب في الرواية حدوده المعتادة، ليؤكد قدرة العاطفة على إنقاذ الإنسان من قسوة التاريخ، وفتح أفق يتجاوز الجراح نحو إمكان الانبعاث

حمل كلا الشخصين ذاكرة مثقلة، فجان يتحدّر من جغرافيا ممزّقة بالتهجير والنزوح، بينما جميلة تحمل جراح «العشرية السوداء» في الجزائر، ويبقى الماضي حاضراً في كل تفصيل، يتسرب إلى الحاضر كما يتسرب الحلم إلى اليقظة. تنطوي كل قبلة بين العاشقين على صدى المجازر، وكل لحظة حب تتحوّل إلى مواجهة ضد النسيان، لتكشف الرواية أنّ الحاضر امتداد للماضي، وأن الحب يتحقق عبر مصالحة الذاكرة والاعتراف بها.

يتجاوز الجسد في «قيامة جميلة» حدود الرغبة ليصبح مساحة تُكتب عليها طبقات التاريخ الشخصي والجماعي. تنظر جميلة إلى جسدها كأرشيف يضم الندوب ووقائع النجاة، وتحوّل لحظة التأمل في المرآة إلى فعل سردي يوازي النص المكتوب. بهذا يتحول الجسد إلى رواية ثانية تكشف في آن واحد عن الألم وإمكانية القيامة. فهو شاهد على ما عانت منه الشعوب من حروب، وفي الوقت نفسه وسيلة للخلاص، إذ يغدو الحب الجسدي فعلاً مقاوماً للعدم ومساراً يعيد وصل الإنسان بقدرته على التجدد والانبعاث.

أما الهجرة في الرواية فقدرٌ يفرضه الخراب. يعيش جان وجميلة تجربة النزوح بكل ما فيها من اغتراب وصعوبة اندماج، ومع ذلك يقدم النص الهجرة كاختبار للروح، اختبار يجعل العاشقين قادرين على إعادة صياغة وجودهما.

العنوان بوصفه عتبة تأويلية

يحمل عنوان الرواية «قيامة جميلة» دلالات عديدة، فهو يشير إلى البطلة (جميلة)، كما يلمّح إلى الجمال نفسه بوصفه فعلاً يقوم من بين الركام. وهو مفتاح لفهم الرواية، إذ يربط بين الذات الفردية (جميلة) وبين القيمة الكونية (القيامة). كل قيامة في النص تعني ولادة جديدة، سواء للشخصيات أو للشعوب أو للغة نفسها، بما يضع القارئ منذ البداية أمام وعدٍ جمالي ووجودي في آن.

يتخطّى الحب في الرواية حدوده المعتادة، ليؤكد قدرة العاطفة على إنقاذ الإنسان من قسوة التاريخ، وفتح أفق يتجاوز الجراح نحو إمكان الانبعاث.
يحضر في النص العجوز الغامض، وجبل «جودي»، وأصوات المواويل، كعناصر أسطورية توظَّف لإضاءة الواقع. تمنح الأسطورة المعاناة الإنسانية بعداً أوسع، وتجعل الهجرة جزءاً من قدر كوني، فتتحول الرواية إلى فسحة يلتقي فيها الحلم بالواقع، وتصبح جسراً بين التاريخ والأسطورة.

خاتمة مفتوحة على الأمل

حين تصل الرواية إلى ختامها، يظل الباب مفتوحاً على احتمالات متجددة، وتبقى القيامة وعداً يتكرر في كل قراءة، فيما يستمر الحب كطريق ممتد نحو الأفق. 

تتجاوز رواية «قيامة جميلة» حدود الحكاية لتفتح أفقاً شِعرياً ووجودياً يربط بين الحب والمنفى، بين الجسد والذاكرة، وبين الأسطورة والواقع، لتمنح القارئ تجربة قرائية عميقة. 

ــــــــــــــــ

الكتاب: قيامة جميلة (رواية)

المؤلف: أديب حسن (سوريا)

الناشر: دار ميزوبوتاميا- دمشق (2025)

الأدب_السوري_المعاصر رواية_قيامة_جميلة أديب_حسن

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0