نغماتٌ متنافرة. أصواتٌ تنطق بالعربية تارةً، وبالإنكليزية تارةً أخرى، ثم بالفرنسية، أو البرتغالية، أو الإيطالية، أو الإسبانية. بعضها يترافق مع إيقاعٍ فرحٍ سريع بينما ينساب نغمٌ هادئ من بعضها الآخر. سيلٌ من الـ«Reels» على هاتفي يخلق ضجيجاً يشوش على الأفكار والمخاوف التي تضج في رأسي باقي اليوم.
في مثل هذه الأيام قبل عام، سقط الأسد. يضجّ هاتفي بفيديوهات الاحتفالات، وتسريبات بشار الأسد ولونا الشبل، ومقابلة أسامة عثمان، وجنازة مراد محرز، وإعلانات الإضراب الذي دعا إليها غزال غزال، وذكريات فرح السويداء العام الماضي، والحزن الذي يقابلها اليوم هناك.. أخبار منع قسد للاحتفالات في المنطقة الشرقية، ومشاهد احتفالات عيد البربارة في وادي النصارى الأسبوع الماضي، وإعلان تبرع «أبو عمشة القيادة» بتمويل زينة شجرة الميلاد في السقيلبية، ودموع السيدة الأولى في احتفالات «ذكرى النصر»، والقائد «الفاتح» كما سمّاه أحد الفيديوهات في استرجاعٍ مشوّش لأمير المؤمنين – أموياً كان أم عثمانياً، ما بيناتنا – يطلب من السوريين إطاعته «طالما أطاع الله فيهم». هاتفي يحفل بالضجيج السوري على كامل الطيف.
ضجيج
ليس الضجيج مزعجاً دائماً. هناك ضجيجٌ ممتع: صخب المدن مثلاً. ضجيجٌ مريح: أصوات الطبيعة مثلاً. حتى احتدام الآراء المتنافرة في جلسة نقاش مع فنجان قهوة أراه ضجيجاً مشوّقاً. لكن الضجيج السوري مختلف. الضجيج السوريّ فوضويّ. هي الفوضى، هي تماماً ما لا أحتمل. أبحث عن مهربٍ في أي شيء عدا الشأن السوري، لكن فوضاه تحاصرك أينما اتجهت، مع أيٍّ تكلمت، في اللحظة التي تقدّمين نفسك على أنك سوريّة تنساب تلك الفوضى إلى عقلك من جديد. فكيف تلخّصين كل تلك التناقضات؟
كثيراً ما أُسأل عن الوضع في سوريا. لدي بضع جمل مهذبة أجيب بها، على مبدأ «الله يفرج أحسن شي». بينما كنت أغرق في ضجيج الفيديوهات السريعة خطرت لي فكرة: ألن يكون من الأسهل أن أضع «مانيفستو» يلخّص أين أقف من كل ما يحدث؟ أعطيه لكل من يسأل من دون أن أضطر إلى شرحٍ مطوّل. في الوقت نفسه، أستخدمه لأرتب قليلاً من فوضى تناقضات الخطاب السوري.
الضجيج السوري مختلف. الضجيج السوريّ فوضويّ. هي الفوضى، هي تماماً ما لا أحتمل
أسرح في خيالي: أقف مع مجموعةٍ من الأشخاص. ليسوا أصدقاء بالضرورة. الموقع؟ في خيالي هو ساحةٌ لمطعمٍ صغير في حديقةٍ عامة تُنظم فيها سهراتٍ موسيقية أسبوعية. أعلم، الموضوع جديّ أكثر من أن يكون مجال محادثة في سهرةٍ موسيقية! لكن ما باليد حيلة، الطيور على أشكالها تقع.
أحمل حقيبتي الصغيرة على كتفي، ويسألني أحدهم السؤال إياه: «أووه أنت سوريّة؟ كيف تشعرين إزاء الوضع في سوريا الآن؟ يبدو أن الأمور في تحسن؟» لا أُجهد نفسي بالرد، أمد يدي إلى الحقيبة وأسحب نسخةً من «المانيفستو» المطبوع بعنايةٍ على ورقٍ مصقول.
- نعم، طرت من الفرح لسقوط الأسد وهروبه المذل. لا، لم أكن يوماً مع نظامه ولم أكن «ناشطة» كذلك. كانت لدي آرائي التي عبرت عنها بطريقتي، وقيمٌ آمنت بها وأفعالٌ قمت بها، لا لإشهارها، ولكن لأنني آمنت أنها على الجانب الصحيح، بأقل خطرٍ قد أتعرض له أنا أو أولئك الذين أحبهم. وعندما دهم الخطر، تركت البلاد إلى غير رجعة.
- لا، لست معجبة بالحكومة الجديدة. أستطيع أن أفرح بانتهاء حكم الأسد ونظامه الإجرامي الدكتاتوري، مع معرفتي بأن بقاءه وزواله، و«القيادة الجديدة» ووجودها «الانتقالي» جاءت كلها بقراراتٍ دولية لا تعطي قيمةً لقطرة دمٍ سوريّ سالت طوال أربعة عشرة عاماً. أستطيع أن أفرح بانتهاء حكمٍ استبدادي دمويّ، أن أفرح وأبكي مع فرح الخلاص السوريّ وإحساس الكثيرين أن تضحياتهم لم تذهب هدراً. وأستطيع في الوقت نفسه ألّا أكون سعيدة بحكمٍ استبداديّ دمويّ آخر نزل علينا كنتاجٍ كولونياليّ لا خلاص منه على ما يبدو.
- أستطيع أن أشعر بكل ذلك وأن أفهم في الوقت نفسه التوازنات الدولية والإقليمية والأولويات الجيوسياسية والأمنية التي قد أتفق مع بعضها وأختلف مع بعضها الآخر، والتوجه لشرقٍ أوسط جديد يُرسم لنا.
- أستطيع أن أفهم البراغماتية في التحول الظاهري للجماعة التي أصبحت السلطة اليوم، والبراغماتية والمصلحة لأشخاصٍ ذوي طموح يبررون اتساقهم معها بمحاولتهم «فعل ما هو خير للبلد»، في الوقت نفسه الذي أعرف فيه أن هذه الحكومة اقترفت، أو في أحسن الأحوال سمحت باقتراف، مجزرتين في ظرف ستة أشهر خلقت خلالها عقداً دموياً جديداً لها لا ينفصل كثيراً عن تاريخها قبل 8 كانون الأول/ديسمبر 2024. وهي مهدت لهذه المجازر بالتغاضي عن خطاب الكراهية، إن لم يكن التشجيع على تفشيه.
- لا أستطيع تقبل ازدواج المعايير: نرفض نظام الأسد لأنه مجرم، لكن نقبل نظام الشرع مع كل تاريخه، لأنه «جلّ من لا يخطئ» أو «المسامح كريم»، أو بسبب السؤال الأسوأ: «ما البديل؟» وكأن بلداً بطولها وعرضها لم تستطع إنتاج بديل لبشار الأسد خلال أربعة عشرة عاماً، ولن تكون لديها القدرة على إنتاج بديل لنظام الشرع أيضاً. لا أستطيع أن أغفل البعد الطائفي لهذه الازدواجية في الأساس أو محاولة التلاعب الإدراكي (gaslighting) لسؤال البدائل السيئ إياه.
- لا، لست معجبة بالحكومة الجديدة. هذه الحكومة التي أعطت نفسها الحق باتخاذ قرارات تتعلق بالعقد الاجتماعي والأمن القومي، من الرفع العشوائي للدعم، إلى التسريح الممنهج لبعض الموظفين، واختلاق هوية بصرية، واعتماد نشيد وطني، من دون أن تكون حكومة منتخبة أو تتمتع بالصلاحيات الدستورية الكافية لاتخاذ هذه القرارات. لا لست معجبة بالحكومة الجديدة التي تبدو وكأنها مجرد تغيير «طرابيش» ووجوه لنظامٍ يعيد إنتاج نفسه. لا لست معجبة بالحكومة الجديدة التي تتجاهل مظلومية أسر المفقودين والمعتقلين، وتسمح بنهب المعاقل الأمنية وطمس مسارح الجرائم في السجون والمعتقلات. لا لست معجبة بالحكومة الجديدة التي تحيّد النساء في الفضاءات العامة وتسمح بتراجع مكتسباتهنّ الحقوقية. لا لست معجبة بالحكومة الجديدة.
- لست شخصاً متديناً، لكنني لا أريد، ولا أدعو، لإزالة الدين من سوريا وأدرك تماماً الحاجة للعمل على تغذية الاعتدال الديني بكونه بديلاً عن التطرف. وبالتوازي مع ذلك، الحاجة لإرساء دولة قانونٍ مدني. أدرك أيضاً أن الوصول إلى حالة اعتدال ديني يتطلب (من بين عوامل أخرى كثيرة) عقداً اجتماعياً قائماً على العدالة، وعدم التمييز، والقدرة المتكافئة على الوصول إلى الخدمات، وتقوية شبكات الأمان الاجتماعي. أدرك أيضاً أن كل ذلك يتطلب وقتاً لكنني لا أتفق أن الحكومة الحالية «بحاجة إلى وقت» لأنها لا تملك الخبرة الإدارية (لا، خبرة التجربة المشوهة في إدلب لا تكفي)، ولأنها عملت منذ وصولها على تفكيك الخبرات الموجودة أساساً في دوائر الدولة. أدرك أيضاً أن الخط الذي تتبعه الحكومة الحالية، مع فوضاها الداخلية وغياب أي استراتيجية اقتصادية حقيقية، يعمل عكس ذلك أصلاً.
- لا، نظام الأسد لم يكن يوماً علوياً. نظام الأسد كان نظاماً مافيوزياً يعتمد على الولاءات الشخصية التي لم تكن أيضاً ضماناً على بياض. نظام الأسد تلاعب بالعلويين والسنة والدروز والمسيحيين وبكل مكونٍ من مكونات الجغرافيا السورية من دون استثناء. مع العلويين تحديداً اعتمد مبدأ «الإفقار من أجل الإخضاع»، وضعهم في أحزمة فقرٍ حوله ليشكلوا خطوط الحماية الأولى له. أوهم أضعفهم بالسلطة والقوة وبأنهم محميون. كأي فئةٍ ضعيفة عبر التاريخ انتشى بعضهم بقوةٍ فارغة ظن أنها تحميه براتبٍ يقبضه آخر الشهر، أو برتبةٍ على كتفه لا يراها غيره، أو بقوة «المعلم» التي تسمح له أن يبطش بمن حوله، كل على قياسه وقياس المعلم. محا هويتهم وأذابها فيه موهماً إياهم بأن وجودهم وبقاءهم مرتبطان بوجوده وبقائه، في الوقت الذي استعملهم حطباً ليغذي حرب وجوده هو.
- أفهم «المعضلة العلوية»، وفي الوقت نفسه أرفض الخطاب المستحدث الانفعالي الهادف لخلق وأسطرة هوية علوية غير موجودة إلا في الخيالات الرومانسية لمن يعتنقها. أرفض بالمقابل الخطاب الأموي، والخطاب الطبقي ضد فئات من الشعب السوري «لأنهم ما بيشبهونا». أرفض الخطاب الطائفي، والهوياتي، والفئوي بكل أشكاله مهما كان. أرفضه ليس رفضاً للتنوع، على العكس تماماً، أؤمن بالاحتفاء بتنوعنا. لكنني أرفض أشكال الخطاب هذه لأنها نقيض المواطنة. لأنني أرفض أن تستخدم زينة شجرة الميلاد بوصفها حالة رمزية مخادعة (tokenism) للمسيحيين لإظهار تسامح هذه الدولة وتقبلها «وجود الآخر»، فيما تسمح بالقتل «الفردي» والخطف «الطوعي» للنساء على أساسٍ طائفي طالما أنه لا يصل إلى درجةٍ تحرك رأياً عاماً عالمياً يشكل ضغطاً على الحكومات التي يهمها أن تظهر سوريا دولة آمنة بما يتيح لها الخلاص من اللاجئين. أرفض هذا الخطاب، وأرفض هذا الحكم لأنني كنت، وما زلت، أحلم بدولة مواطنة، بدولة قانون، قائمة على العدالة والمحاسبة، بدولةٍ وطنيةٍ تخلق هويةً جامعة مستقبلية للسوريين وتحتفي بتنوعهم في الوقت نفسه.
- أنا محبطة وغاضبة. كل هذه الفوضى تحبطني. العمر المسروق يغضبني. مليئةٌ بالإعجاب والتقدير لكل من لا يزال لديه، ولا تزال لديها، طاقةٌ على القتال من أجل هذه الأهداف. لكنني متعبة وأرغب أن أعيش قليلاً بعد أن سلبت شبابنا حربٌ، وجائحة، وكوارث شتى. وحقيقةً، لا أرغب بالحديث عن سوريا في سهرةٍ موسيقية!
أستفيق من خيالي على الضجيج ذاته. بالتأكيد لن أطبع «مانيفستو»، ولن أستلّه من حقيبتي لأجيب عن أسئلةٍ لا تهم أحداً غيرنا نحن السوريين والسوريات.
أعود إلى صمتي وجملي المهذبة في الرد على من يسألني عن الوضع في سوريا: «ليس الوضع مثالياً، ولكننا نتمسك بالأمل».. أجيب بابتسامةٍ دائماً. لكن إلى من يهمه الأمر، من هم مثلي، لأولئك المتعبين والمثقلين بالتناقض والفوضى والأحلام المجهضة، أكتب المانيفستو إياه وأرسله في الفضاء، لعلّ صوت البيانو الضعيف يعلو.