ثمّة حساسية واضحة لدى السوريين والسوريات تجاه استخدام كلمة «أمة»، وهي حساسية متجذّرة في التاريخ السياسي والفكري الحديث لسوريا، لا سيما منذ الاستقلال عن فرنسا. يمكن ردّ أسباب هذه الحساسية إلى ثلاثة اعتبارات:
- أولاً، كان الاشتباك الأيديولوجي حول مفهوم الأمة قائماً بين ثلاثة تيارات رئيسة في البلاد: القومية السورية، والعروبة، والإسلام السياسي. لذلك تجنّبت الأدبيات السياسية السورية (الرسمية والمهيمنة) استخدام كلمة «أمة»، سعياً إلى ترسيخ فكرة أن سوريا كيان عابر بين ثلاث أمم متخيَّلة بحسب التيارات السائدة: «سوريا الكبرى» في الفكر السّوري القومي، و«الأمة العربية» في التيارين الناصري والبعثي، و«الأمة الإسلامية» في الطيف الإسلامي السياسي.
- ثانياً، ارتبط اللفظ في المخيال الشعبي والسياسي بفكرة الكيان الكبير والمهيب. فكلمة «أمة»، غالباً ما تُحصر في كيانات ضخمة مثل «الأمة العربية» أو «الأمة الإسلامية»، بينما ندر استخدامها لوصف كيانات صغيرة أو متوسطة كـ «الأمة البلجيكية» أو «الأمة السويسرية» أو «الأمة اللوكسمبورغية»، رغم كون هذه الدول أمماً قوميّة مكتملة بالنسبة لمواطنيها.
- ثالثاً، بدا المصطلح محصوراً في سياقات ثقافية معينة. إذ بدا وكأنه تعبير لغوي وثقافي خاص بالعروبة والإسلام، ولم يكن شائعاً في الثقافة السياسية السورية استخدام تعبيرات مثل «الأمة الألمانية» أو «الأمة الفرنسية»، رغم انتشارها في الأدبيات والخطابات السياسية الغربية.
غير أن هذا التحفّظ على استخدام كلمة «أمة» لم يكن دائماً جزءاً من الخطاب السوري. فقبل صعود التيار العروبي ممثّلاً بحزب البعث والتيار الناصري، وقبل بروز الإسلام السياسي ممثَّلاً بجماعة الإخوان المسلمين، كانت كلمة «أمة» متداولة في الأدبيات السورية، بما في ذلك النصوص الدستورية. ففي المداولات السياسية والثقافية ما قبل الخمسينيات، كان شائعاً أن يُخاطب الشعب السوري بوصفه «الأمة السورية»، وهو ما ظهر في بيانات الكتل الوطنية وأدبيات النخبة الليبرالية.
كذلك نصّ دستور العام 1930 في مادته التاسعة والعشرين على أن «الأمة مصدر كل سلطة»، وفي المادة الحادية والأربعين على أن «كل نائب يمثل الأمة جمعاء». وترد الإشارة إلى «إرادة الأمة السورية» في ديباجته. بل إن مضبطة الأسباب الموجبة لمشروع دستور 1920 استخدمت تعبير «الأمة السورية» في أكثر من موضع، من دون إغفال فكرة «الأمة العربية». أي أن الآباء الدستوريين الأوائل لم يروا تعارضاً بين تصور «أمة سورية» وإطار «أمة عربية». ومن المفهوم كذلك أن «الأمة السورية» في مشروع دستور 1920 لا تتطابق جغرافيّاً مع «الأمة السورية» في دستور 1930، إذ يتحدث كل منهما عن نطاق جغرافي مختلف.
«أمة المواطنين» تعني ببساطة أن ما يجمع السوريين والسوريات ليس الدين ولا الطائفة ولا القومية، بل المواطنة المتساوية التي تصون حقوق الإنسان وحقوق الجماعات
يُظهر هذا التحوّل في استخدام المفهوم كيف أسهم تطوّر الخطاب السياسي في تأطير الانتماء الوطني داخل فضاءات أوسع - عربية أو إسلامية - الأمر الذي جعل الهوية السورية تفقد استقلالها المفاهيمي وتُختزل في تصوّرات «فوق-وطنية» حالمة، سرعان ما انحدرت لاحقاً إلى ولاءات «تحت-وطنية». ومن هنا يتقدّم السؤال الجوهري: ما جدوى أن يرى السوريون أنفسهم «أمة»؟
لا يقتصر الجواب على البعد العاطفي أو الرمزي، بل يلامس جوهر المشروعين الدستوري والسياسي لسوريا المستقبل. فاعتبار السوريين «أمة» يعني تجاوز عقدة «القطرية» التي شكّلت، في آن واحد، نتيجة وسبباً لضعف الهوية الوطنية، ولتفكك البنية الاجتماعية الذي برز بوضوح خلال العقود الماضية، ولا سيما في السنوات الأربع عشرة الأخيرة. إن تصورنا لذواتنا كـ «أمة مواطنين» يفترِض أننا جماعة متماسكة ذات إرادة مشتركة ومصير مشترك، قادرة على إنتاج عقد اجتماعي خاص بها، وهو الأساس الذي تُبنى عليه السيادة، وتُستَمدّ منه الشرعية، وتتحدد على ضوئه الحقوق والواجبات في الدستور.
ما هي «الأمة»؟
نعود إلى السؤال الأساسي: هل نحن أمة؟ وقبل ذلك: ما هي الأمة؟ ولماذا يُعدّ هذا المفهوم محورياً في بناء الدولة؟
تعددت تعريفات الأمة تبعاً للمدارس الفكرية والسياقات التاريخية المختلفة. فهناك من رأى أن الأمة تتأسس على اللغة والثقافة المشتركة، وأن التعليم الوطني أداة مركزية في صياغتها، بحيث تصبح مشروعاً وطنياً وتربوياً، لا معطى عرقياً (يوهان فيشته). بينما اعتبر أنطوني سميث أن الأمة تقوم على استمرارية تاريخية داخل أرض محددة، لمجموعة بشرية تشترك في رموز وأساطير مؤسسة. أما إرنست غيلنر، فيرى أن الأمم نتاجٌ للحداثة، وأن الدولة الحديثة تحتاج إلى ثقافة موحّدة لتتمكن من الحكم والإدارة، ولذلك تُنتج الأمة. في المقابل، تذهب مونتسيرات غيبرناو إلى أن الأمة إرادة للعيش المشترك، لا مجرد أصل مشترك أو موروث إثني، وقد تكون سابقة على الدولة أو خارجها، كما في حالتي الأمة الفلسطينية والكردية، أو المثال الكاتالوني.
حسناً، أيٌّ من التعريفات السابقة لا ينطبق على السوريين والسوريات؟ نحن جماعة تعيش على هذه الأرض منذ آلاف السنين، ولنا رموزنا وثقافتنا وأساطيرنا ولغتنا. ولا أتحدث هنا عن «إثنية سورية»، مطلقاً، فهذه لا وجود لها إلا في أوهام «العقلية الفينيقية»، بل أتحدث عن جماعة بشرية متعدّدة الإثنيات والطوائف والأديان، تتشارك ثقافةً وأرضاً وتاريخاً ولغةً (فاللغة العربية لا تنفي وجود لغات أخرى هي جزء أصيل من الثقافة السورية)، وعن امتلاكنا مقومات قد تشكّل أساس «أمة المواطنين». كما أنني لا أرى أن الانتماء إلى أمة سورية يستلزم رفض وجود أمم أوسع، كالأمة العربية وغيرها. فما المانع أن تكون أمةٌ جزءاً من أمةٍ أخرى، كما تقول مونتسيرات؟ وحتى عزمي بشارة، وهو من أبرز المفكرين العرب المعاصرين، ينتقل للحديث عن «أمة المواطنة» في حدود الدول الوطنية التي نشأت بعد انهيار السلطنة العثمانية، دون أن يعتبر ذلك مناقضاً لفكرة الأمة العربية أو للقومية العربية.
اعتبار السوريين «أمة» يعني تجاوز عقدة «القطرية» التي شكّلت، في آن واحد، نتيجة وسبباً لضعف الهوية الوطنية، ولتفكك البنية الاجتماعية الذي برز بوضوح خلال العقود الماضية
في ظل ما عاشته سوريا من انقسامات سياسية وطائفية وإثنية، ومع تراجع شعور الانتماء إلى كيان وطني جامع، يبرز مفهوم «أمة المواطنين» إطاراً نظرياً وعملياً لإعادة بناء الهوية الوطنية على أسس مدنية ودستورية قابلة للتوافق. فـ «أمة المواطنين» تعني ببساطة أن ما يجمع السوريين والسوريات ليس الدين ولا الطائفة ولا القومية، بل المواطنة المتساوية التي تصون حقوق الإنسان وحقوق الجماعات داخل الوطن السوري الواحد. أي إن جميع الأفراد يشكّلون معاً «الأمة السورية» لأنهم متساوون في الحقوق والواجبات، ويخضعون للعقد الاجتماعي نفسه، ويحملون الانتماء السياسي ذاته - إلى الدولة.
عندما يعيد السوريون تعريف أنفسهم لا بوصفهم طوائف وقوميات وأدياناً ومذاهب، بل باعتبارهم مواطنين ومواطنات متساوين داخل «أمة سورية» حديثة، فإنهم يفتحون الباب لبناء وطن جديد، وطن تتعدد فيه الهويات وتُحترم جميعها، لكن، تتوحد فيه الإرادة. وطن لا يقوم على الذاكرة النازفة، بل على الأمل المشترك بمستقبل عادل. ولعل اللحظة الدستورية المقبلة - إذا أُحسن التعامل معها - ستكون فرصةً حقيقية لإعادة هذا التعريف، لا عبر مادة قانونية فحسب، بل من خلال مشروع وطني متجدد.