في عالمٍ يزداد تشبّعاً بالذكريات الرقمية، لم يعد الحنين مجرّد شعور، بل تجربة بصرية يمكن استدعاؤها بتقنية «الذكاء الاصطناعي التوليدي» في كل لحظة.
تحت عنوان «Hug my younger self»، يحتضن الناس صور طفولتهم التي أعيد تشكيلها تقنياً، كأنهم يُتمّون دائرة الحنين الناقصة. ملايين الصور تمنح أصحابها وهماً جميلاً بأن الزمن يمكن أن يعود، ولو في هيئة «بكسلات» ذكية.
لكن في الموازاة، هناك من لا يملكون حتى صورة واحدة ليعانقوها. أولئك الذين لم يبقَ لهم من طفولتهم سوى فراغ الذاكرة، بعدما ابتلعت الحروب وجوههم الأولى ومنازلهم. ما يبدو مجرّد «فقدٍ شخصي» لصورة، يتحوّل في الحالة السورية إلى مأساةٍ جماعية تمحو الوجوه كما تمحو المدن؛ فالحرب لا تقتل الأجساد وحده، بل تحرق الأدلة على أن أصحابها مرّوا من هنا أصلاً.
شهادات من الرماد
في سوريا، حيث احترقت البيوت والألبومات معاً، لم تعد الطفولة ذكرى يمكن لمسها. ملايين اللاجئين عبروا الحدود بلا أرشيف، وكأنهم وُلدوا من جديد في المنفى بذاكرة بيضاء.
من هذا العالم المفقود، يروي أحمد (لاجئ من دير الزور في ألمانيا) لـ «صوت سوري» قائلاً: «لا أملك سوى صورة واحدة لي مع شقيقي الأصغر قبل الانهيار. كنت أود أن أُري أولادي كيف كان والدهم طفلاً، لكن كل شيء ضاع».
قصة أحمد تتقاطع مع وجع أمينة (من حمص) التي تقول: «كنا نملك ألبوماً يوثّق كل شيء؛ من الأعراس إلى أول أيام الحضانة. حين عدنا بعد القصف، لم نجد سوى رمادٍ غطّى كل شيء».
هذا الفقد يتجاوز المادة إلى الهوية، وهو ما تؤكده المرشدة النفسية أنصاف نصر لـ «صوت سوري»، شارحة أن الأطفال الذين ينشؤون بلا «سجل بصري» يواجهون فجوة في إحساسهم بالاستمرارية الذاتية؛ فالصور ليست ترفاً، بل أدوات لبناء الانتماء الزمني.
تمسك بالذاكرة
هنا تبرز تجربة أولئك الذين حاولوا مقاومة النسيان بالصورة نفسها. المصور السوري مالك الرفاعي، ابن من مدينة داريا الميقيم حالياً في تركيا، عمل على توثيق رحلة النزوح العام 2016. يقول لـ»صوت سوري» إن الذكريات المصوّرة «كانت الوسيلة الوحيدة للتشبث بالوجود. الصور التي فقدناها هي شهادات على أننا كنا وعشنا هناك».
وهكذا، في الألبومات المحترقة وبين الوثائق المفقودة، يتحوّل الحنين والذاكرة إلى سلعةٍ رقمية تتحكّم بها الخوارزميات في عالم التكنولوجيا، بينما يبقى الإنسان، في واقعه، بلا صوت أو ماضٍ يرفعه أمام العالم. لكن خلف هذا الفقد الشخصي ثمة سؤال أعمق عن معنى الذاكرة ذاتها: ماذا يحدث للهوية حين تُمحى صورها؟ وكيف يتغيّر فهمنا للذات في زمنٍ صار فيه الحنين منتجاً تكنولوجياً؟
بين استهلاك الحنين ومخاطر الخصوصية
لا يقتصر فقدان الصور والذكريات على المستوى الفردي، بل يمتدّ ليشكّل أزمة أرشيف جماعي في بلدٍ تمزّق بفعل الحرب. أظهرت دراسات ومشاريع بحثية عديدة، مثل مشروع «Archives in Times of War» المموّل من الاتحاد الأوروبي، كيف نُهبت أرشيفات الدولة السورية ودُمّرت، وكيف يحاول السوريون في المهجر إعادة بناء سجلاتهم الشخصية من بقايا الصور والوثائق القانونية، كأنهم يعيدون ترميم ذواتهم من الرماد.
وفي تقرير بعنوان «No Papers, No Rights» أصدره «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، جرى توثيق جانب آخر من الكارثة: آلاف السوريين فقدوا وثائقهم المدنية في النزاع بعد تدمير مكاتب السجل المدني أو إغلاقها، ما جعل هويتهم القانونية معلّقة بين الحدود.
ماذا يحدث للهوية حين تُمحى صورها؟ وكيف يتغيّر فهمنا للذات في زمنٍ صار فيه الحنين منتجاً تكنولوجياً؟
أما منظمات المجتمع المدني التي حاولت حفظ ما تبقّى من الذاكرة الرقمية، فقد واجهت، كما تشير منصة «IFEX»، تهديدات أمنية وتقنية مستمرة جعلت أرشيفاتها عرضة للمحو أو القرصنة، ليغدو الأرشيف نفسه ضحية جديدة للحرب.
في الجانب الآخر من المشهد العالمي، تتناول مقالات عديدة ظاهرة«Hug My Younger Self» باعتبارها شكلاً جديداً من استهلاك الحنين في عصر الذكاء الاصطناعي.
بينما يتحول الحنين سلعةً رقمية تتحكم بها الخوارزميات، تبرز تحذيرات أخلاقية وتقنية. موقع «CyberNews» يحذر من مخاطر تحميل صور الطفولة على المنصات لغرض «العناق الرقمي»، لما يحمله ذلك من تهديدات للخصوصية والبيانات البيومترية.
وهنا تبرز المفارقة الكبرى: بين إنسانٍ يخاطر بخصوصية ماضيه من أجل «ترند»، وإنسانٍ سُلب ماضيه قسراً ويبحث عن «قصاصة ورق» تثبت هويته.
الذاكرة.. هوية خارج متناول «الكود»
الفيلسوف فالتر بنيامين كتب عن الحنين بوصفه أثراً للزمن المفقود، بينما رأى سيغموند فرويد وكارل يونغ أن الذاكرة هي ما تعيد تشكيل الذات وتمنحها تماسكها عبر الزمن.
السوريون، خلال تهجيرهم، عاشوا هذا الواقع المؤلم: طفولة مسلوبة، وماضٍ مُحي، وحنين تحوّل إلى فراغ. وفي المقابل، يمكن لشخص في مدينة أوروبية أن يعانق صورته الصغيرة بنقرة زر، فيستعيد الدفء الذي حُرم منه ملايين الأشخاص في الحروب.
حين نقارن بين العالمين، يظهر التفاوت البشري البسيط والمأسوي: بعضنا يمتلك الذكريات في صور قابلة للاستعادة، وقسم آخر يحملها فقط في القلوب التي تشتعل حزنًا عند التفكير بها.
يبدو أن ترند «Hug My Younger Self» ليس مجرد موضة، بل تعبير عن حاجة الإنسان الحديث لمس ماضيه عبر الشاشات. قد يأتي يوم يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي توليد صور تشبه تلك التي التهمتها النيران، لكن هل يمكنه استعادة الرائحة، والصوت، وضحكة اليقين الأولى؟
تبقى بعض الذكريات خارج متناول الخوارزميات، مؤجلة للأبد، لتلك الطفولة السورية التي لم تُلتقط، ولذاكرةٍ لا تزال تبحث عن مكانٍ آمن تسكن فيه.