أحاول، في الأسطر القادمة، تفكيك بنية هذا السّؤال أولاً. ثمّ محاولة الإجابة عنه ثانياً. لأصل أخيراً إلى استطرادٍ يفرضُ حضورَه، دائماً. استطراد تمليه تحوّلات البلادِ وجنونها.
في بنية السؤال، وعناصر نواة الاجتماع
هذه البنية المركّبة للسّؤال تدفعك لتناول عناصرها منفردة أولاً، قبل الخوض في محاولة الإجابة الحاسمة بتحديد الدافع أو السبب في الاجتماع، أو انتظام الفرد في مجموعة.
تحييد أسباب الانزياح وتفكيك منظومة التشويه هو الخطوة الصفرية التي تسبق أي حديث عن دستور جديد أو عقد اجتماعي جامع
- نزوع صريح إلى البقاء وتجنّب الفناء.
- حاجة ضرورية إلى الآخر، لا يكتمل الوجود الإنساني دونها.
- وقدرة أوليّة على الحكم الأخلاقي قبل أن يتشكّل أي نظام قانوني أو قِيَمِي واضح.
تعمل هذه العناصر الثلاثة بشكلٍ متناغمٍ ودقيق لتفسّر الميل إلى الاجتماع. فنزوع الإنسان إلى البقاء، وخوفه من الفناء، ليس مجرّد حاجة بيولوجيّة – وإن كان كذلك - لكنّه يشكّل، أيضاً، محرّكاً يوجّهُ أفعاله وتصوّراته تجاه الآخر. فهو الركيزة التي يمكن على أساسها فهم دوافع السلوك في الطبيعة، ومبرر للبحث عن إطارٍ يوفّر الحماية والأمان. (هوبز). وبذلك تتجاوز الحاجة الضروريّة للآخر المعنى المادّي إلى مستوىً أعمق يتعلّق بالتعاطف، وتبادل المنافع، وتشكيل الروابط، ما يجعل (الجماعة) ضرورةً لضبط الحقوق. (لوك). وقد تجاوز علم النفس التطوّري ذلك إلى أنّ الإنسان، ومنذ طفولته، مهيّأٌ لبناء تلك الروابط التي لا يمكن تفسيرها بالمنفعة وحدها. تفرز هذه الحاجة إلى الآخر، وتلك الروابط الناشئة، بالضرورة، منظومة أخلاقيّة، يبدو أنّ الإنسان يملك القدرة الفطرية على إنشائها، فيميّز بين الضرر والنفع، وبين ما يستحق القبول أو الرفض. وقد أشارت الكثير من الدراسات السّلوكيّة إلى أنّ هذه القدرة لا تتطلّب منظومةً قانونيّةً متكاملة كي تعمل، فالاستجابةُ للعدل، والانحيازُ إلى التعاون هي آليّاتٌ فطريّةٌ تنشأُ قبل تشكّل أيّة ثقافة مكتملة. أعتقد أنّ هذه العناصر الثلاثة، تشكّل أساسَ أي اجتماعٍ بشري.
طيب، لنفترض أنّ حاجة الإنسان إلى البقاء، ومقاومته للفناء، قد هُدّدت تهديداً مباشراً. وسُلب الحق في الحياة من قِبَل أفراد في الجماعة أو المجتمع الّذي ينتمي إليه، بسبب رأيٍ سياسيٍّ أو موقفٍ مختلف. ولنفترض أنّ الحاجةَ إلى الآخر، سواءً كانت نفعيّةً أو فطريّة، قد قُوِّضت هي الأخرى، فلم يعد الآخرُ، داخل الجماعة، ملجأً أو سنداً. ثم، ولاعتباراتٍ لا تنتمي إلى المدنيّة، أو إلى الدولةِ أصلاً كمفهوم، جرى تصنيف الأفراد بناءً على انتماءاتٍ أضيق، فانهارت معها تلك المنظومة الأخلاقيّة الفطرية، وأصبح العدلُ مغيّباً والضرر مقدّماً على النّفع، وما يستحقّ الرفضَ يغلب ما يستحقُ القبول، في مناخٍ قائمٍ على التمييز والانحياز – هل يذكّرنا ذلك بمجتمعٍ ما في هذا الشّرق؟ - أقول: لو افترضنا أنّ ذلك حدث، يعني أن العناصر الثلاثة التي تشكّل أساس الاجتماع البشري جرى تشويهها، فماذا بوسع الأفراد المتضرّرين أن يفعلوا؟ ألا يتحوّل الدافع الفطري، عندها، إلى البحث عن «جماعة بديلة» تضمن الحدّ الأدنى من الأمان؟ وعن آخر يشكّل ندّاً على أساسٍ قائمٍ على العدل وعدم التمييز؟ وعن منظومةٍ أخلاقيّةٍ تعيد الإنصافَ وتمحو قيمَ الانحياز، وتلغي الأحكامَ التي تصنّف الناس حسب موقعهم داخل البنية السلطوية؟ بمعنى آخر، حين لا يبقى الاجتماع ضمانةً للبقاء، بل يصبح شكلاً من أشكال الخطر، في هذه اللحظة بالذات، يبرز الميل إلى الانفصال باعتباره محاولةً لاستعادة الشروط الأولى التي تشكّل النواةَ الصلبة للاجتماع.
مجتمعات الخوف: التشوّه الثاني
الكارثة الكبرى أن يتحول الخوف من شعور عابر إلى هويّة مستدامة؛ فتتكتل المجموعات لا لبناء مشروع مشترك، بل للاحتماء من شريك بات يُنظر إليه كعدو
إنّ النزوع نحو البقاء ومقاومة الفناء حَدَثَ، هذه المرة، خوفاً من الآخر/ الشّريك، بالتالي فقد انزاح العنصر الأوّل من النواة الصلبة عن هدفه الفطري المبدئي (الحماية من الطبيعة وتنظيم الفوضى بغية البقاء) إلى عامل دخيل طارئ هو (الخوف). وبذا، سيتحوّل هذا العامل، مستقبلاً، مع «سرديّة المظلوميّة»، إلى هويّة مستدامة - تخيّل مجتمعاً هويّته الخوف! –
مع الخوف – الهويّة، وسرديّة المظلوميّة المستدامة، ومع الآخر المطابق، الآخر الخائف، الآخر الذات، تنشأ منظومةٌ قيميّةٌ قائمةٌ أساساً على الخوف أيضاً. منظومةٌ محكّها الأساسي هو «سرديّة المظلوميّة». بالتالي، كل من يحيد عن تلك السرديّة، أو ينقص من قيمتها وأثرها في المجتمع الناشئ، أو يشكّك بقدرتها على تأسيس كيان قائم بذاته، سيتحوّل حكماً إلى «عدو». سينبذ، ويُتّهم بالخيانة.
النتائجُ، مع هذه الحال، كارثيّة: التفافٌ أعمى حول مرجعيّة محلّيّة تكرّس سرديّة المظلوميّة، وتستثمر في الخوف، عن حسن نيّة أو عن سوء نيّة. الأمر سواء. ونبذٌ للنخب ذات التفكير العاقل الهادئ الناقد. ولجوءٌ إلى خارجٍ، في أحسن أحواله، سيبيعك الأمان مقابلَ هويّتك.
ما العمل؟!
في ظل هذا السياق، ومع إنتاج «مجتمعات الخوف»، والانزياحات التي طالت عناصر النواة الصلبة للاجتماع، بتنا بحاجة أكيدة إلى قوّة قادرة على تصويب مواقع تلك العناصر. وإعادة إنتاج أسس واضحة لاجتماع جديد. فلا الكيان (الأم) سينجو إن فقد مكوّناته تباعاً، ولا تلك المكوّنات في طريقها إلى النجاة. ما العمل؟
أسأل عن كيفيّة عمل تلك النخب لأنني أعجب، في الحقيقة، ممن يتحدّثون عن عقدٍ اجتماعيٍّ جديدٍ ودستورٍ جديدٍ جامعٍ يُبنى على تعريفٍ جديد وجامع لهويّة جديدة. مع كامل احترامي لهذا الرأي. وهو رأي يعبّر عن مطلب ومهمّة ملحّة وواجبة وأتّفق معها حرفيّاً، لكنني أتّفق معها كخطوة ثانية. لأنني أرى أنّ مهمّة النخب تنقسم إلى خطوتين، وذلك بالاستناد إلى ما ذهبنا إليه من تشريح لبنية الاجتماع. الخطوة الأولى، الواجبة واللازمة، هي تحييد أسباب الانزياح أوّلاً. إلغاء ما أدّى إلى تشويه النواة الصلبة. كل ما أدّى إلى هذا التشويه حرفيّاً. فلا يمكن تعريف هويّة جديدة، ولا إنتاج عقد اجتماعي جديد، ولا الوصول إلى دستور يحفظ ذلك العقد ويكرّسه في ظل وضعٍ سياسيٍّ قائم أدّى إلى كل تلك الكوارث في النسيج المجتمعي.
وهنا لا أقصد فقط السلطة القائمة. بل أقصد المنظومة السلطويّة برمّتها. بدءاً من أساسها الفكري المشوّه وصولاً إلى أدواتها التنفيذيّة. كل هذه المنظومة يجب أن تحيّد (وآليّة ذلك هو موضوع بحث مستقل آخر قد نناقشه في مقال لاحق). هذه الخطوة الأولى في مهمّة النخب، قبل الانتقال، حتماً، إلى الخطوة الثانية.
الخطوة الثانية هي، بالضرورة، إعادة تعريف هويّة جامعة تعترف بكل المكوّنات وحقوقها. وإنتاج ذلك العقد الاجتماعي الجديد القائم على النواة الصلبة التي أشرنا إليها (البقاء. الآخر. الأخلاق)، وتكريس كل ذلك في وثيقة عليا تحوي قسمين أساسيين: الأوّل «مبادئ فوق دستوريّة» يتفق عليها الجميع وتكون بمثابة المرجع الثابت غير القابل للتعديل أو المساس. ويضمن حماية عناصر النواة الصلبة للاجتماع كما شرحناها. والثانية هي دستور الدولة الملائم للمرحلة والمنسجم مع مكوّناتها وتطلّعاتهم في الحرّيّة والعدل والمساواة.