× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

الرسم مولّد بالذكاء الاصطناعي

«2+2=5»: عيد سقوط الأسد أم عيد التحرير؟

حكاياتنا - ملح 26-12-2025

هذا نص وجداني عن الفرق بين سقوط الطاغية وقيام الحرية؛ قراءة في بنية الاستبداد التي لا تغادر بسقوط الرموز، بل تعيد إنتاج نفسها في الساحات والنفوس

(الجزء الأول من عنوان التدوينة مُقتبس من جورج أورويل)

في العام 2005 كنت طالبة في الثالث الثانوي، أغرّد مع الجميع في سرب واحد، لكنّ إحدى زميلاتي صنعت لنفسها خروجاً مدوياً، ضجت به المدرسة وما حولها، ربما كان الدافع الملل، لكن النوايا الطيبة لا تحسب في ظروف صعبة كهذه، فأن يصنع الملل لـ«رئيس الجمهورية» قرنين أحمرين ووجهاً مشوهاً، هو أمر أكثر تعقيداً من تبريره بطيش مراهقة، وبحصة «تربية قومية» مملة. 

بالطبع، تخيُّل بقية الحكاية ليس صعباً، قامت الدنيا ولم تقعد، وبين الانتقال من اتهامات بتهديد أمن الدولة إلى أيادٍ خارجية تعبث بإرادة بالشباب، حُلّت القضية في النهاية بتكتم شديد، تلاه غياب طويل للفتاة عن المدرسة. 

قصة كهذه قد تكون أكثر من بديهية في بلد يحكمه الدكتاتور، وفي مرحلة كان الحساب على الأفكار داخل الرؤوس وليس على الأفعال فقط. 
لكن، أن تعاد القصة، وبتفاصيل أكثر قسوة، من بينها استجواب داخل المدرسة، واتهامات بتهديد السلم الأهلي، وشتائم لا تُعد ولا تحصى على مواقع التواصل الاجتماعي، لفتاة في السابعة عشرة من عمرها لُفّقت صورة لها تُظهرها كأنها تدوس على العلم السوري الجديد، هذا أمر يدفع للتفكير مليّاً بنوع التغيير الحاصل، وهل حدث تغيير بالفعل؟

احتاج الأمر لقاء إعلامياً لتوضيح اللغط، وبياناً من المدرسة، وكادت مشكلة مفبركة أن تهدد مستقبل فتاة شابة إلى الأبد. يعني: «كأنّك يا أبو زيد ما غزيت».

قد يقول قائل: «لكنه علم الوطن»، فيردّ صوتي الداخلي: ألم يكن أيضاً علم الوطن الذي أُحرق في ساحة «كلية التربية» أمام أعيننا في العام 2011؟ لكنني لا أرد، بل أكتفي بالابتسام.

دفعت فتاة شابة بسبب حماسها ثمناً باهظاً، ثمناً جعلني على المستوى الشخصي أعيد تعريف كلّ ما اعتقدت أنه بديهي، سؤال واحد ظلّ يتردد داخل رأسي: الفتاة أم العلم، من يستحق الاحترام أكثر؟

فلنحتفل بالسقوط ونتمهل قليلاً بشأن الحرية

 أتذكر أن صديقاً سألني يوم سقوط الأسد: ماذا تشعرين؟ أخبرته أن شعوري يشبه شعور شخص يقفز من حفرة إلى أخرى، هو بالفعل يُحلق، لكنه يدرك أنه ساقط لا محالة، فصارحني بأن هذا شعوره بالضبط. أنا من غرب البلاد وهو من شرقها، أنا ذقت سياط الوطن وهو ذاق سياط الغربة، نتفق على خوفنا من الخيبة.

صوتي الداخلي يعلو مرّة أخرى، وأنا أراقب الناس يملؤون الساحات احتفالاً بالحرية، وصفحات العالم الافتراضي تضج بالصور والشعارات، وبنصوص طويلة عن معنى العيش في بلد محرر، أما كلمة الحرية فقد كانت دون أدنى شك الكلمة الأكثر استهلاكاً في الأسابيع الماضية. لكنني أعجز عن قول أي شيء، ولا حتى كتابة جملة واحدة تصف شعوري.
حين عمل المفكر البرازيلي باولو فريري، مع الفلاحين والعمال الفقراء في البرازيل، اكتشف أن كثيرين منهم يستطيعون ترديد كلمة «الحرية» دون أن يكون لها أي حضور حقيقي في حياتهم اليومية

 ببساطة، لأني لست حرة، وهذا ليس جديداً، فأنا منذ زمن طويل لست حرة. وكل ما أشعر به اليوم هو خيبة ثقيلة، تزداد وزناً كلما سمعت كلمة «حرية» تُستهلك.. تقال بدون أي معنى، ترفع كشعار جاهز فقط، وتُحكى بخفة، وكأن الحرية نكتة عابرة أو موضوع قصيدة احتفالية تلفظ بثقة غريبة، ثقة جارحة ومهينة للمعنى نفسه. فهل نعرف فعلاً كيف نكون أحراراً على كل المستويات؟ وهل ندرك أن الحرية على المستوي السياسي على الأقل، تمنحنا حق نقد نظام قائم، لا شتم نظام ساقط فقط؟

حين عمل المفكر البرازيلي باولو فريري، مع الفلاحين والعمال الفقراء في البرازيل، اكتشف أن كثيرين منهم يستطيعون ترديد كلمة «الحرية» دون أن يكون لها أي حضور حقيقي في حياتهم اليومية. كانت الكلمة موجودة في اللغة، لكنها غائبة عن التجربة، وهذا برأيه من أكبر المشكلات التي تظهر في التعامل مع المفاهيم الكبرى، مثل الحرية والعدالة والكرامة، بوصفها أصواتاً تُنطق لا معنى يُعاش. 

 ماذا قد تعني الحرية لمن لا يملك حتى نفسه وآراءه؟ 

هذه القطيعة بين ما يُقال وما يُعاش هي أكثر ما يؤلمني ويصادر صوتي، ترعبني الاحتفالات العامة فأرتد مرّة أخرى إلى خوفي الفردي الصامت.
الفرح والاحتفال بسقوط الأسد، لم يكن مرادفاً للتحرير في نظري ولا في أي لحظة، وهذا لا يعني أني لست ممتنة لعيشي تلك اللحظات النادرة من السعادة وأنا أراقب خروج المعتقلين وسقوط الطاغية، ولا يعني أن الأمر لا يستحق عيداً واحتفالاً وطبولاً تقرع حتى الصباح، مشكلتي مع التسميات فقط، فـ«عيد للتحرير» عليه أن يعني سقوطاً لمعنى الطغاة والاستبداد والاعتقال، وهذا ما لم يحدث، حتى الآن على الأقل.

 أنا خائفة اليوم كما كنت بالأمس، وربما أكثر، لأن الخوف الآن بلا اسم واضح، بلا صورة واحدة تُمكن الإشارة إليها. خائفة حتى من الناس الذين يحيطون بي، والذين يستخدمون اليوم كلمة «تحررنا» أداةً جديدة للقمع والترهيب.

أتابع خبر اعتقال طبيب في اللاذقية على خلفية وشاية من قبل إحدى الممرضات بسبب منشوراته على «فايسبوك»، وقبله اعتقال الناشط المعروف باسم عزازيل ديب، ثم توقيف الصحافي إياد شربجي، لأصبح أكثر يقيناً بأن السجّان لم يغادر، بل غيّر بدلته ولهجته وألعابه فقط. 

 أفتح صفحتي على «فايسبوك»، أحذف منشوراتي الأكثر غضباً، أراجع قائمة الأصدقاء، ألتزم الصمت في الأماكن العامة، وأعود للتركيز على الجدران وآذانها. الخوف هو ذاته، والقلق ذاته، والحدود غير المرئية التي تحاصر الجسد والكلام لم تختفِ. ‏

أفكر بالحرية ولا شيء آخر، بينما أراقب الشالات التي توضع على الرؤوس بمجرد الاقتراب من حاجز يقال إنه تابع لفصيل وليس للأمن العام، أشفق على الكلمة بقدر ما أشفق على نفسي، لأن صوتي قد خفت في نهاية المطاف، خفت حتى اختفى بين أصوات الجموع الذين يطالبونك يومياً بأن تصفقي بدل أن تسألي، وأن تحتفلي بدل أن تقلقي، وأن تصمتي بدلاً من أن ترفضي. 

 المشكلة ليست في الحاكم، بل في بنية كاملة تعلمت كيف تعيد إنتاج نفسها، وكيف تستثمر في الخوف، وتعيد تعريف الطاعة على أنها نجاة.

أنا لا أبحث عن «يوتوبيا»، ولا أنكر بشاعة ما سقط، لكنني أرفض أن أُجبر على التسميات. الحرية التي لا تحميني حين أرفض، ليست حرية. والتحرير الذي يمنعني من الكلام، ليس تحريراً، مهما علا صوته في الساحات. 

عيد_التحرير ذكرى_سقوط_الأسد الحرية_في_سوريا

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0