تشكل الحقوق والحريات حجر الزاوية لأي دستور يُراد له أن يكون أساساً لعقدٍ اجتماعي جديد، خصوصاً في دولة تمر بمرحلة انتقالية كالتي تعيشها سوريا. ليس كافياً أن تذكرَ الحقوقُ في الدستور، بل يجب أن تكون هذه الحقوق محميّةً بضمانات قانونية ومؤسسية تمنع انتهاكها أو تأويلها سياسيّاً. ولنا في التجارب الدستورية الحديثة في العالم عامة، والعالم العربي خاصة، دروساً يمكن الاحتذاء ببعضها وتجنّب الأخرى.
صحيحٌ أن نصّ الدستور الذي يُلزم الدولة بحق معين، لا يضمن التزامها به بالضرورة - كما برهنت التجربة السورية - لكنّ وجود هذا الحق في النص الدستوري يشكل أساساً لتكريسه في القانون والتنفيذ. فالذرائع التي تستخدمها السلطات التنفيذية لتبرير تجاهل الحقوق الدستورية لا تلغي أهمية ذكرها في النص، بل تؤكد ضرورة الإصرار على حمايتها، وتكريسها بصياغات واضحة لا تحتمل التأويل، وضمان وجود هياكل مؤسسية تحميها.
الحقوق بين النص الدستوري وآليات الحماية
في السياقات التي تعقب النزاعات المسلحة، كما هو الحال في سوريا، لا تقتصر الحاجة إلى الدساتير على إعادة ترتيب المؤسسات أو تحديد صلاحيات السلطات، بل تتجاوز ذلك لتغدو جوهر العقد الاجتماعي وركيزته الأساسية، وأداةً لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة على أسس جديدة. وفي هذا الإطار، يُعدّ تضمين الدستور فصلاً خاصاً بالحقوق والحريات إحدى أهم دعائم الانتقال الديمقراطي، وأبرز تعبير عن قطيعة المجتمع مع ماضي القمع والتهميش الذي طبع حياة البلاد وأبنائها عقوداً طويلة.
ليس كافياً أن تذكرَ الحقوقُ في الدستور، بل يجب أن تكون محميّةً بضمانات تمنع تأويلها سياسيّاً
الذاكرة الجمعية في سوريا مثقلة بقصص الانتهاكات وفقدان الثقة وتجارب الحرمان، ولهذا فإن تثبيت الحقوق صراحةً في الدستور ليس مجرد ضرورة قانونية، بل ضرورة وجودية. فالمواطن الخارج من الحرب لا يبحث عن الأمان فحسب، بل عن ضمانات تحمي كرامته ووجوده القانوني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي. وهنا تبرز أهمية، بل رمزية، وجود فصل مُحكَم للحقوق في الدستور.
يوفّر هذا الفصل إطاراً واضحاً وملزماً للسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، يحول دون استخدامها مفهوم (المصلحة العامة) لتبرير تقييد الحريات أو إعادة إنتاج آليات الاستبداد باسم القانون. كما يتيح الاعتراف بكل الفئات التي عانت التهميش، كالنساء، والأقليات، واللاجئين، وضحايا الانتهاكات، وذوي الإعاقة، وأبناء الريف، إضافةً إلى غير السوريين مثل الفلسطينيين الذين حُرموا حقوقاً أساسية كالتملّك، فيمنحهم مساحة قانونية واعتبارية داخل الدولة الجديدة.
تزداد أهمية هذا الفصل عندما يكون مدعوماً بتقنيات قانونية حديثة، كحظر التمييز المباشر وغير المباشر، وتجريم التعذيب، وضمان المحاكمة العادلة، والنص على قابلية الطعن القضائي بقرارات الدولة، وإلزامية مواءمة التشريعات مع الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان. ويمكن حماية الحقوق أيضاً عبر النص على مؤسسات مختصة مثل مجلس حقوق الإنسان ومجلس الشباب، كما هو الحال في تجارب دولية عدة.
أما من الناحية الرمزية، فإدراج فصل كامل للحقوق في مقدمة الدستور أو في صدر نصه يرسخ أن الدولة ليست سلطة تعلو على المواطن، بل هي عقد توافقي بين أفراد المجتمع تُستمد شرعيته من احترامهم وحمايتهم، لا من إخضاعهم. وهذه رسالة بالغة الأهمية في المجتمعات الخارجة من صراعات عسكرية أو سلطوية، إذ تكون الذاكرة مثقلة بتجارب دستورية وأمنية زائفة. ويكفي التذكير بتجربة ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، حين تصدّر دستورها (القانون الأساسي لجمهورية ألمانيا الاتحادية) نصٌّ يؤكد صيانة كرامة الإنسان باعتبارها واجباً على جميع سلطات الدولة. وهو نص لم يكن رمزياً فحسب، بل شكّل التزاماً قانونياً مؤسِّساً لعقدها الاجتماعي.
لا يُقاس نجاح أي مرحلة انتقالية بإجراء الانتخابات أو تشكيل الحكومات فقط، بل وبشكل أساسي بمدى ما تكرّسه الدولة من ضمانات حقوقية واضحة ومباشرة، غير قابلة للمساومة أو التأجيل. ومن هنا، فإن أي دستور لا يخصّص فصلاً مستقلاً للحقوق والحريات، ويمنح هذا الفصل حجية دستورية عليا، هو دستور يعيد إنتاج الهشاشة، حتى لو بدا محكماً من حيث البناء المؤسساتي.
دروس دستورية من تجارب انتقالية
فلننظر إلى تجارب جنوب أفريقيا وتونس والمغرب، وهي تجارب تشترك في سياقات قريبة من الحالة السورية. يُعد دستور جنوب أفريقيا للعام 1996 لحظة مفصلية، لا في تاريخ البلاد فحسب، بل وفي مسار التحولات الدستورية العالمية. فبعد عقود من نظام الفصل العنصري، كان لزاماً إعادة تعريف الدولة بوصفها ضامناً لحقوق الإنسان، لا أداة للتمييز والقمع. وقد خصّص هذا الدستور سبعاً وعشرين مادة تغطي أكثر من ثلاثين حقاً أساسياً وعشرات الحقوق الفرعية، مما جعله واحداً من أكثر الدساتير تفصيلاً وشمولاً للحقوق على مستوى العالم. وزادت أهميته بفضل مضمونه الدقيق والملزم، وآليات الحماية التي يتضمنها، ولغته القانونية المرتبطة بمشروع عقد اجتماعي يسعى إلى بناء مجتمع حر تسوده العدالة والمساواة.
شملت هذه الحقوق طيفاً واسعاً من الحقوق المدنية والسياسية، مثل الحق في الحياة والكرامة والحرية والأمن والمساواة وحرية التعبير، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية مثل الحق في التعليم والسكن والصحة والعمل والماء. إضافة إلى الحقوق الثقافية والدينية واللغوية وحقوق الأطفال والنساء وذوي الإعاقة.
الدولة ليست سلطة تعلو على المواطن، بل هي عقد توافقي تُستمد شرعيته من حماية الأفراد لا إخضاعهم
كذلك الأمر في الدستور التونسي للعام 2014، الذي يُعد واحداً من أكثر النصوص الدستورية العربية تقدماً في الاعتراف بالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إذ ضَمِنَ حرية الضمير والمعتقد بنص يكاد يكون فريداً في العالم العربي: «الدولة راعية للدين، كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبي. تلتزم الدولة بنشر قيم الاعتدال والتسامح، وحماية المقدسات ومنع النيل منها، كما تلتزم بمنع دعوات التكفير والتحريض على الكراهية والعنف، والتصدي لها». كما نصّ على مبدأ المساواة بين النساء والرجال، وضَمِنِ حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة، مع حظر صريح للرقابة المسبقة.
في المغرب، امتاز دستور 2011 بإضافة مهمة، تمثّلت في النص على احترام التعدد الثقافي واللغوي للمملكة، والاعتراف بالأمازيغية والعبرية والحسانية وغيرها بوصفها مكوّنات للهوية الوطنية، وربط هذا الاعتراف بمجموعة من الحقوق الثقافية واللغوية، ما قدّم نموذجاً تُمكن الاستفادة منه في الحالة السورية لدمج التعدد ضمن منظومة الحقوق. إلى جانب ذلك، أقرّ عدداً من المؤسسات المعنية بحماية الحقوق، مثل المجلس الوطني لحقوق الإنسان بوظيفته الرقابية والداعمة، ومؤسسة الوسيط، وهي مؤسسة وطنية مستقلة ومتخصصة مهمّتها الدفاع عن الحقوق في نطاق العلاقة بين الإدارة والمرتفقين، والإسهام في ترسيخ سيادة القانون، وإشاعة مبادئ العدل والإنصاف والشفافية في تدبير الإدارات والمؤسسات العمومية، والجماعات الترابية (وهي هيئات الإدارة المحلية بمختلف تقسيماتها) وجميع الهيئات التي تمارس صلاحيات السلطة العمومية.
فجوة الضمانات في الإعلان الدستوري السوري
لا شكّ في أن الإعلان الدستوري السوري، الذي صدر في 2025، مثّل خطوة متقدمة من حيث الاعتراف بعدد من الحقوق الأساسية مثل حرية التعبير والتنظيم، وحماية المكونات واللغة والمعتقد، وتضمن إشارات مهمة إلى حماية المرأة والطفل، لكنه بقي في كثير من فقراته عاماً ومفتقراً إلى آليات واضحة لضمان هذه الحقوق. كما أنه لم يُدرج أدوات فعالة تحميها من تغول السلطة، سواء عبر القضاء أو هيئات مستقلة، وبعض الحقوق الجوهرية - مثل حرية الضمير، وحقوق ذوي الإعاقة، والحق في محاكمة عادلة - ظلت إما مغيبة أو غير مفسرة بالشكل الكافي.
لا تقتصر الحاجة في سوريا على إعلان الحقوق فحسب، بل تمتد لتشمل تثبيت آليات قانونية ومؤسساتية تكفل تنفيذها وحمايتها، فضلاً عن ضمان عدم تعطيلها تحت أي ذريعة أمنية أو سياسية عبر اللجوء إلى مبدأ «عدم التراجع عن الحقوق»، وهو مبدأ دستوري يمنع أي تعديل دستوري مستقبلي من تقليص مساحة الحقوق المُقرّة، مع رقابة دستورية فعالة ومستقلة، وإنشاء مجلس لحقوق الإنسان بصلاحيات واضحة، وضمان استقلال القضاء ليكون العين الساهرة على حماية الحقوق الدستورية. وبدون ذلك، نخاطر بإفراغ الحقوق من مضمونها والدستور من جوهره.