كل صباح تتفقد مروة حاج أحمد بريدها الإلكتروني، تنتظر ردّاً واحداً فقط على عشرات طلبات التوظيف التي أرسلتها، علّها تحظى بفرصة عمل مناسبة في المجال الذي درسته واختارته بشغف.
مروة، صحافية شابة من مدينة حارم بريف إدلب وتقيم الآن في أعزاز بريف حلب، تخرّجت في كلية الإعلام قبل عام، لكنها لم تحظَ بوظيفة ضمن اختصاصها، رغم امتلاكها خبرةً طويلة اكتسبتها خلال عملها في مؤسسات إعلامية عديدة أثناء دراستها. ولذلك عملت في شركة اتصالات قرب مكان سكنها، لكنها خسرته أيضاً قبل نحو شهر.
لم تغب الفرص نهائياً، إذ عُرض على مروة العمل في إحدى المؤسسات الإعلامية الرسمية في دمشق، إلا أن صعوبة تغيير مكان السكن وارتفاع أسعار الإيجارات في العاصمة اضطُرّاها إلى رفض العرض، إضافةً إلى مسؤولياتها العائلية بوصفها الابنة الكبرى والمعيلة لأسرتها.
***
بعد سقوط نظام الأسد ازداد الواقع المهني للصحافيات السوريات تعقيداً، خاصة في إدلب وريف حلب، حيث كانت المنطقة تضم أعداداً كبيرة من الصحافيات، وبات الحصول على فرصة عمل مستقرة تحدياً كبيراً يرافق الكثير منهن.
إيمان سرحان، صحافية من إدلب بدأت عملها الإعلامي قبل نحو عقد من الزمن، وعملت لصالح مؤسسات إعلامية عديدة، قبل أن تضطر للعمل مُدخلةَ بيانات في مستشفى لتغطية نفقات أسرتها، فالبحث الطويل لم يثمر عن فرصة مناسبة في مجال الإعلام. تقول إيمان «توجد فرص عمل في المدن الرئيسة، لكننا صحافيات إدلب وريف حلب من الصعب أن نكون جزءاً منها».
تواجه صحافيات سوريات في شمال غربي سوريا اليوم تحدياتٍ متعددة تحول دون حصولهنّ على فرص عمل. تصطدم طموحاتهن بعوائق الجغرافيا، وتكاليف التنقل والقيود الاجتماعية، والأهم من ذلك الحصول على عمل ضمن اختصاصهن في ظل شروط يصفنها بـ «القاسية» تفرضها المؤسسات الإعلامية.
توضح مروة: «أصبحت فرص العمل في المجال الإعلامي قليلةً جداً، وفي الوقت نفسه باتت العديد من المؤسسات تطلب موظفين للعمل في مكاتبها بدمشق، وهو ما دفعني للبحث عن فرص في الشمال السوري أو عبر الإنترنت».

تُقدَّر تكلفة إيجار منزل متواضع في مناطق ريف دمشق القريبة من المدينة بنحو 300 دولار شهرياً، وتصل إلى نحو 700 دولار شهرياً في المنازل الأقرب إلى المركز أو الأكثر اتّساعاً، فيما لا يتجاوز متوسط الرواتب في مؤسسات صحفية رسمية وخاصة 800 دولار، وهو ما يُعد أحد أبرز الأسباب التي تدفع مروة وغيرها من الصحافيات إلى التفكير مليّاً قبل مناقشة فكرة الانتقال إلى العاصمة.
تضيف مروة «أسأل أصدقائي باستمرار إن كانت الوسائل الإعلامية التي يعملون فيها بحاجة إلى صحافية، وأُرسل سيرتي الذاتية أحياناً. كما أتابع فرص العمل على وسائل التواصل الاجتماعي، وأشارك في التدريبات بهدف التشبيك، لكنني لم أتمكن من الحصول على فرصة مناسبة حتى الآن».
***
رهف، صحافية من ريف حلب، تخرّجت في الدفعة التي تخرّجت فيها مروة. تبحث هي الأخرى عن عمل ثابت، اقتصر عملها خلال الفترة الماضية على الكتابة بـ «القطعة» بصفتها صحافية مستقلة، تقول إن «معظم الجهات والوسائل الإعلامية تشترط امتلاك معدات لا قدرة لي على شرائها».
تُحمّل رهف الجهات الرسمية مسؤولية التوظيف، معتبرةً أنها تملأ الشواغر دون نشر أي روابط تسجيل، إلى جانب الدور الكبير الذي تلعبه الوساطات والمعارف في التعيين، على حد قولها. وتضيف أنها اضطّرت للعمل صحافية مستقلة بأجور متدنية، وأحياناً مصوّرةً فوتوغرافية في مناسبات أو في مجالات بعيدة عن الصحافة.

مع ازدياد المنافسة في العمل الإعلامي، باتت العديد من المؤسسات اليوم تشترط مزايا إضافية لم تكن مطلوبةً سابقاً، مثل الالتزام بدوام مكتبي، والقدرة على التنقل والسفر لحضور تدريبات وتغطيات، إضافةً إلى مهارات الظهور أمام الكاميرا أو امتلاك خبرات احترافية عالية، ما أسهم في الحد من حضور الإعلاميات، خاصة في إدلب وريف حلب، حيث تشكل العادات الاجتماعية والارتباطات العائلية عائقاً أمام حرية الحركة والتنقل.
هكذا يضيع الكثير من الفرص، خاصة مع توسّع الرقعة الجغرافية للعمل الصحفي بعد سقوط النظام، ما أتاح المجال لعدد أكبر من الصحافيين للانخراط في العمل الميداني، على خلاف السابق حين كانت المساحة الجغرافية محدودة والعمل محصوراً ضمن نطاق ضيق.
سلوى عبد الرحمن، صحافية تمتلك أكثر من عشر سنوات من الخبرة، تقول إن «أغلب الوكالات لا تريد مراسلين في إدلب، لست مضطرة لتغيير سكني والانتقال إلى محافظة أخرى وترك أولادي ولا قدرة لي على الاستئجار في مدينتين».
تشير سلوى إلى أن معظم المؤسسات لا تغطي تكاليف التنقل والإقامة لحضور المؤتمرات والاجتماعات، ما يفرض على الصحافية الخروج باكراً وقطع مسافات لتغطيتها.
سلوى تؤكد أن تغطية هذه الفعاليات شبه مستحيلة، وهذا ما دفعها للعمل في إنتاج مواد «القطعة» مع ما يحمله هذا العمل من تحديات، «ممكن ما يقبلوا المقترح، أو يرفضوه بعد تصويره، أو قد يكون الأجر قليلاً، ومن الممكن التأخر في التسليم». وبأسى تخبرنا سلوى أنها وبعد عشر سنوات من العمل الصحافي والميداني تجد نفسها اليوم بلا عمل ثابت.
***

لا يختلف الحال كثيراً بالنسبة للأمهات العاملات في الصحافة. معدّة هذا التقرير أم وصحافية، تعمل في المجال منذ ستة أعوام.
منذ بداية العام، وبعد توقف العديد من المنظمات عن العمل في شمال غربي إدلب، تواصلت مع جهات إعلامية عديدة بهدف العمل معها، إلا أن النتيجة كانت أن معظم الفرص تتطلب دواماً مكتبياً، وهو ما يشكّل عائقاً في ظل وجود الأطفال والعائلة.
اضطررتُ أكثر من مرة للاعتذار عن المشاركة في تدريبات تُقام في دمشق أو خارج سوريا، وفضّلت حضورها عبر الإنترنت، نظراً للمسؤوليات المترتبة عليّ في رعاية أطفالي وعائلتي، وغياب الدعم الأسري الذي يمنعني من السفر.
حتى إنني اضطُررت في المرة الأخيرة إلى اصطحاب طفلي معي من إدلب إلى دمشق.
***
ترى حنين السيد، وهي صحافية من إدلب تركت تخصصها الجامعي واتجهت إلى العمل الإعلامي مع بداية الثورة السورية في ردّة فعل على ما شاهدته من وحشية واعتداء واعتقالات لطلاب جامعة حلب، أن «أغلب الصحافيات أصبحن اليوم أمهات وزوجات ولديهن أطفال، وهذا يعيق عملنا في أماكن أخرى بسبب ارتباطنا بالعائلة».
الصحافيات في نظر حنين، أسهمن بكل ما استطعن على مدار 15 عاماً، بالكتابة وبالصوت والصورة، وكان لهن دور كبير في نقل زوايا كان يصعب نقلها من خلال الصحافيين. ورغم ذلك يجدن أنفسهن اليوم خارج الميدان.
لمار (اسم مستعار) صحافية لا يختلف حالها كثيراً عن زميلات المهنة، تقول إنها لم تجد دعماً من محيطها، واقتصر عملها في الصحافة خلال أكثر من عام على العمل دون علم زوجها. وتضطر في كل مرة تخرج فيها للتصوير إلى اختلاق رواية مختلفة، والنشر باسم مستعار، فقط لتتمكن من ممارسة الشغف الذي لطالما حلمت بتحقيقه.
في المقابل، تحفّظت إدارة صحيفة الثورة الحكومية عن الردّ على مشكلات الصحافيات التي تواجههن، ورفضت الإجابة عن أي استفسار يتعلق بوضع الصحافيات الحالي والسياسات المتبعة ومعايير التوظيف المعتمدة لديها، مكتفيةً بالقول «نحن كمؤسسة رسمية لا يمكننا الإجابة».
***
تتفق الصحافيات اللواتي جرى لقاؤهن على أن إنصافهن يبدأ بإتاحة فرص عمل عن بُعد، مثل أعمال التحرير والوظائف التي لا تتطلب حضوراً مكتبياً، إلى جانب تقديم تسهيلات ومنحهن أولويةً في التوظيف والمشاركة في الفعاليات الرسمية والاجتماعات المركزية، والابتعاد عن تصدير المؤثرين والشخصيات التي ظهرت فجأةً دون التحقق من خلفياتها المهنية.
لا تزال مروة تفتح هاتفها كل صباح بحثاً عن فرصةٍ تعيدها إلى المهنة التي درستها واختارتها عن قناعة. وتختصر قصتها واقع صحافيات وجدن أنفسهن خارج الميدان، لا بسبب غياب الكفاءة، بل تحت وطأة الجغرافيا والقيود الاجتماعية وشروط سوقٍ إعلاميٍّ يضيق بهن أكثر، على أمل أن تُفتح أمامهن آفاقٌ أوسع.