× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

تتحول إزالة الشعر من خيار شخصي إلى سلوك مراقبة/ فليكر-Charlotte Charlotte

بين السكّر والليزر: كيف تحول شعر الجسد إلى زنزانة نفسية للفتيات؟

حكاياتنا - خبز 28-01-2026

بعيداً عن كونه مجرد تفصيل تجميلي، يتحول الشعر الزائد لدى الفتيات في سن مبكرة إلى عبء نفسي ثقيل يعيد رسم علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام. بين تنمّر المقاعد الدراسية، ومعايير الجمال الرقمية المستحيلة، وتجارة المراكز التجميلية، تجد المراهقات أنفسهن في معركة استنزاف مادية ومعنوية

غالباً ما يجري التعامل مع الشعر الزائد عند الفتيات بوصفه مسألة تجميلية، مجرد تفصيل يمكن حله بطريقة أو أخرى، لكن الواقع اليومي يوضح أن الأمر أبعد من الشكل. يتحوّل الشعر في سن مبكرة إلى عامل ضغط مستمر، يؤثر على سلوك الفتاة، وطريقة لباسها، وعلاقتها بجسدها، ويعيد رسم حدود تفاعلها في المدرسة والشارع والفضاء العام.

سرعان ما يخرج هذا الضغط النفسي إلى العلن، ويظهر بوضوح داخل جدران المدرسة. هناك، في الصفوف والساحات، تكشف التجارب اليومية للطالبات كيف يمكن لتعليق عابر أن يترك أثراً عميقاً وطويلاً.

تحت سياط الكلمات

حنين، تلميذة في الصف السادس في إحدى مدارس اللاذقية، تتذكر كلمات زميلاتها ومزلائها عن شكل حواجبها: «كانوا يقولولي حواجبك متل الأوتوستراد، ليش ما في فاصل بيناتن؟». الكلمات التي قد تبدو مزحة صغيرة تتكرر يومياً، وتترسخ في الذاكرة، ما يجعل الجسد مساحة مراقبة دائمة.

في الصف السابع من المدرسة نفسها، تضيف نغم، 13 عاماً، بعداً آخر للضغط: «كل رحلة مدرسية أو نشاط جماعي يبدأ بسؤال واحد: ماذا سترتدين؟ ما بدي ألبس فستان، مشان ما يطلعوا فيّي ويضحكوا». تعليق مثل «ليش طالعلك شوارب مثل الصبيان؟» يترك أثراً طويل الأمد، ويحوّل الشعرة نفسها إلى سبب للانسحاب والتوتر الاجتماعي.

هذا التأثير لا يقتصر على المدرسة. في الأماكن العامة، يمكن أن يتحوّل إلى إحراج مباشر. مروة، 18 عاماً، تروي واقعةً في وسيلة نقل عامة حين بادرتها طبيبة للتعريف بنفسها، ثم بدأت الحديث عن شعر وجهها، وعرضت خدمات مركزها التجميلي.

تقول مروة: «وقفت قدام الشباب بالسرفيس خجلانة. تاجرت بمشاعري لتعملني زبونة». التنمّر هنا يتخذ شكل استغلال مباشر للضعف، ويحوّل الإحراج إلى فرصة تجارية.

فخ «الريلز»

الضغط اليومي يتعزز على منصات التواصل الاجتماعي: «ريلز» وإعلانات مصممة بعناية تظهر نساء يتحدثن عن تفاصيل حياتهن اليومية أو قضايا عامة، بينما تبقى الأجساد المصقولة العنصر الأكثر حضوراً. مع كل تصفح، تمر صور لأجساد مشدودة، بشرة بلا عيوب، وحواجب مرسومة بدقة. وتبدأ الأسئلة تلقائياً: لماذا تبدو الأخريات هكذا؟ وهل يمكن الوصول إلى هذا الشكل؟ مع كل مقارنة، يتراجع الإحساس بالرضا خطوة إضافية.

هذا النوع من الضغط لا يساعد الفتيات على تقبّل أجسادهن، بل يعمّق شعور النقص. المقارنة المستمرة، خاصة في سن المراهقة، تضع الفتاة في مواجهة نموذج غير واقعي، وتدفعها للتعامل مع جسدها كشيء يحتاج تصحيحاً دائماً، عوضاً عن أن يكون مساحة طبيعية للعيش.

عند هذه النقطة، لا يعود الضغط نفسياً فقط، بل مادياً أيضاً. جلسة إزالة الشعر بالليزر للوجه أو الشفة العليا قد تكلف بين 40 إلى 120 ألف ليرة سورية. المناطق الحساسة، مثل الإبطين أو خط البكيني، تصل إلى 160 ألفاً للجلسة. الساقان أو الذراعان قد تتجاوز تكلفتهما 300 ألف ليرة. أما الجسم كاملاً، فتتراوح تكلفته بين 380 إلى 650 ألف ليرة للجلسة الواحدة.

هذه الأرقام تضع كثيرات أمام معادلة قاسية: ضغط اجتماعي يدفع نحو الإزالة، وتكلفة مرتفعة تحتاج إلى تكرار. الليزر يُسوَّق كحل نهائي، لكن التجربة الفعلية لدى كثير من النساء تقول غير ذلك. النتائج متفاوتة، والجلسات تمتد، فيما يبقى الجسد تحت المراقبة

حين تصرخ الهرمونات ويغيب التشخيص

تشرح الأخصائية النفسية حنان عبد اللطيف حجم الضرر على الفتيات المراهقات: «التنمّر الجسدي، وخصوصا في سنّ المراهقة الحساسة، قد يصيب الفتاة بالقلق والاكتئاب والعزلة، وقد يؤدي في كثير من الأحيان إلى كره الجسد وفقدان الثقة بالنفس وحتى الانتحار».

في هذا المناخ تبدأ رحلة إزالة الشعر عند كثيرات. سمر كانت في الخامسة عشر عندما بدأت محاولتها الأولى للتكيف مع ما يُنظر إليه على أنه «طبيعي». شعر جسدها الكثيف كان مصدر قلق دائم، فاختارت الطريقة الأكثر شيوعاً: السكّر. كانت ترى أن الألم الجسدي، مهما كان قاسياً، أهون من ثقل الإحراج والمقارنة. لم تكن الجلسات مجرد إجراء روتيني، بل تجربة مشحونة. مع كل مرة، كان الألم الجسدي يتداخل مع شعور أعمق بعدم الرضا عن الذات.

الضغط اليومي يتعزز على منصات التواصل الاجتماعي: «ريلز» وإعلانات مصممة بعناية تظهر نساء يتحدثن عن تفاصيل حياتهن اليومية أو قضايا عامة، بينما تبقى الأجساد المصقولة العنصر الأكثر حضوراً

تقول سمر إنها كانت تقارن نفسها باستمرار بصديقاتها وبأختها. «كنت قول على طول: ما كان لازم أخلق بنت… وكان لازم أخلق صبي». هذه الجملة تختصر حجم الضغط الداخلي الذي كانت تعيشه. لم تكن إزالة الشعر هدفاً بحد ذاته، بل محاولة لتهدئة شعور دائم بأن جسدها خارج المقبول.

مع الوقت، لم تعد هذه المحاولات كافية. بعد تجارب متكررة مع السكّر، اتجهت سمر إلى الليزر، باعتباره «الحل السريع». تابعت إعلانات مراكز التجميل، وصدّقت الوعود بثقة طويلة الأمد. تنقلت بين المناطق لإجراء الجلسات، منتظرة نتيجة حاسمة. لكن الواقع جاء مختلفاً. الشعر لم يختفِ كما توقعت.

هنا يتغير مسار القصة من مسألة تجميلية إلى سؤال طبي. توضح طبيبة الجلدية د. نورا ناصر أن التعامل مع الشعر الزائد كقضية شكل فقط قد يؤدي إلى تجاهل أسباب أساسية. «قبل التفكير بأي حلول لإزالة الشعر، يجب التأكد من عدم وجود سبب صحي، ومعالجة السبب الرئيس في حال وُجد»، تقول. في حالات كثيرة، يكون الشعر الكثيف مرتبطاً بتغيرات هرمونية طبيعية في سن المراهقة، أو بحالات صحية تحتاج تشخيصاً ومتابعة، لا مجرد جلسات تجميل.

مع مرور الوقت، تتحول إزالة الشعر من خيار شخصي إلى سلوك مراقبة. تفحّصُ مستمر للساقين، والإبطين، والوجه، والمناطق المخفية. القلق لا يرتبط بوجود الشعر بحد ذاته، بل بلحظة انكشافه. الجسد يفقد عفويته، ويصبح مساحة تفتيش ذاتي دائم.

معايير متغيّرة و«عبء» ثابت

تاريخياً، لم تكن إزالة الشعر قاعدة ثابتة. تشير الباحثة فيكتوريا شيرو في موسوعتها عن الشعر، إلى أن دلالاته تغيّرت عبر العصور. في مصر القديمة، ارتبط شعر جسد المرأة بالجمال والخصوبة. في اليونان، اقتصرت إزالته على الطبقات الغنية بوصفه علامة مكانة اجتماعية. وفي أوروبا الحديثة، ومع صعود الحركات النسوية، تحول شعر الجسد إلى موقف ورسالة سياسية. هذا التاريخ يوضح أن ما يُنظر إليه اليوم كمعيار جمالي هو نتاج سياق اجتماعي متغير، لا حقيقة ثابتة.

ترى مختصات في الشأن الاجتماعي، من بينهن حنان عبد اللطيف، أن «قضية الشعر الزائد لدى الفتيات لا يمكن فصلها عن منظومة أوسع من التنمّر، والصور الجمالية المثالية، والضغط النفسي المتراكم، وأحياناً الإهمال الصحي». وتشير الباحثة السورية إلى أن اختزال هذه القضية في بعدها التجميلي فقط، ولا سيما في سنّ مبكرة، قد يفاقم مشاعر القلق ويؤسس لأزمات نفسية لدى الفتيات بدل معالجتها.

بين حنين ونغم ومروة وسمر، تتكرر القصة بأشكال مختلفة، غير أن الشعور واحد: جسد يُراقَب، ويُقاس، ويُطالَب بأن يطابق صورة جاهزة. من المدرسة إلى الشارع، ومن السوشيال ميديا إلى العيادات، تختبر هؤلاء الفتيات مبكراً معنى أن يتحوّل التفصيل الجسدي إلى عبء نفسي. 

قصصهن بحسب أطباء ومختصين قابلناهم، لا تتطلب حلاً تجميلياً سريعاً، بقدر ما تطرح سؤالاً أوسع عن التنمّر، والمعايير المفروضة، والحدّ الفاصل بين ما هو طبي وما هو اجتماعي، وعن الحاجة إلى مساحة أمان تسمح لهن، ولغيرهن كثيرات، بأن يعشن أجسادهن دون خوف أو مراقبة دائمة.

أُنتج هذا التقرير ضمن ورشة صحفية مشتركة لشبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MICT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة

نساء_سوريا_والضغوط_النفسية الشعر_الزائد_عند_الفتيات إزالة_الشعر_بالسكر

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0