× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

لماذا تضحك المرأة السورية على ما يُفترض أن يُبكيها؟

حكاياتنا - ملح 01-02-2026

هذا المقال يفكك سيكولوجيا «الضحك المر» عند المرأة السورية، بوصفها استراتيجية نقدية منظمة تُسقط القداسة عن السلطة والأبوية المنهارة، ويستكشف الخيط الرفيع بين السخرية بوصفها فعل مقاومة، وبين تحولها إلى «مُخدر معرفي» يطبع العقل مع الكارثة

دعونا نعترف بصراحة: لقد تراجع البكاء بوصفه استجابة أساسية في سوريا. فقدت دموعنا قيمتها في بورصة العذاب اليومي. في البدء، كان البكاء فعلاً ثورياً، ثم أصبح عبئاً، والآن هو «نوستالجيا مُرهقة» لا نملك ترفها. فلماذا نذرف فائض ماء العين على كارثة، بينما نحن بحاجة كل قطرة لتدبير شوربة العدس في زمن التقنين؟

المرأة السورية بالذات، ورثت دور «الحاوية العاطفية» للمجتمع خلال الأعوام المنصرمة. كان من المفترض أن تكون سجل الذاكرة المليء بالآهات، إلا أنها أعلنت إفلاسها العاطفي. 

في مواجهة هذا العبء التاريخي، وجدت هذه المرأة سلاحاً أكثر فتكاً وأقل استهلاكاً للطاقة: السخرية اللاذعة التي لم تعد آلية دفاعية سيكولوجية سطحية، وإنما استراتيجية نقدية منظمة بكل ما للكلمة من معنى.

هي ترجمة عملية لتحول مشاعر الغضب والاشمئزاز إلى نكتة سوداء تحمي الذات وتهاجم كل شيء: بدءاً من فشل الزوج المنهك، ومروراً بكذب السلطة الأبوية البالية، وانتهاءً بعبث الشعارات الكبيرة. وهي طريقة لتقول: «لقد شاهدتُ كل هذا الركام، ولكني سأضحك عليه... قبل أن يضحك عليّ».

«المرأة الحديدية» وعبء الكوميديا

توقفوا عن ترديد العبارة: «المرأة السورية صامدة مثل الجبل!». هذه الكليشيه البائسة لم تكن مدحاً بقدر ما هي تفريغ سياسي لوظيفتها. إنها محاولة لتجميل جريمة الحرب بجعل الضحية تبدو «بطولية» لتسكت عن المطالبة بالعدالة. سئمت المرأة السورية من أداء دور «البطلة-الضحية المثالية» في مسرحية الكون العبثية.

وهنا يأتي فعل السخرية النسوية من خلال تحويل الجندر إلى أداء هزلي مقصود. المرأة لا ترفض دور المعيلة الجديدة فقط، إنما تهزأ به، كما أنها لم تعد تتقمص دور «المُخلّص» الذي فرضته الظروف فقط، بل صارت تؤديه بطريقة مبالغ فيها، كأنها تقول: «حسناً، إذا كنتم تريدون مني أن أكون الرجل الجديد، فانتظروا أن أفعل بذلك بأسلوب سخيف للغاية».

قد تعمل السخرية كـ «مُخدر معرفي»، فبمجرد أن ننجح بتحويل الألم إلى نكتة ذكية ومُحكمة نشعر أننا «فعلنا شيئاً» تجاه الكارثة. ما قد يُولّد وهماً بالتعافي

هذا الأداء الساخر يهدف إلى فضح هشاشة البنية الأبوية المنهارة التي تحوّل فيها الرجل القديم إلى «شبح» يجلس في المنزل يراقب «هيمنة» المنظمات المانحة. وبسخريتها، تعلن ببرود: «لقد فشل مفهومكم للرجولة، وواجبي الآن أن أضحك في جنازته».

النكتة سلاح فكري

السخرية النسوية في سياق الانهيار السوري «مُخطط لغوي- معرفي» يُفكك آليات السيطرة عبر التهكم، وليست فقط رد فعل انفعالي متسارع. إنها تكتيكات مُنظَّمة تستهدف تفجير البنى التي فشلت في حماية المجتمع، مُعلنة أن الضحك هنا هو إعلان عن نهاية سلطة الترهيب، وبداية سلطة الوعي النقدي، عبر آليات متعددة:

  • الآلية الأولى: التجريد من القداسة (De-Sanctification): وهنا تُصوِّب السخرية نحو الشعارات والخطابات الميتافيزيقية التي استُهلِكت بوصفها أدوات تخدير، إذ تُحوّل المرأة هذه المفاهيم الطنانة إلى «نكتة رديئة» لا قيمة تداولية لها، مُعلنةً بطلانها السياسي عندما تُقارن بواقع الاحتياج الجسدي، وهذا التجريد هو فعل تقويضي جذري للخطاب المهيمن.
  • الآلية الثانية: وهي العبث بوصفه منهجاً (Absurdity as Critique): إذ تُمارَس السخرية هنا عبر التأكيد المفرط على اللاعقلانية اليومية، فيجري تضخيم اللامعقول في القرارات الاقتصادية أو الإدارية لدرجة تجعل الواقع نفسه يبدو كأنه مُصمَّم عمداً لإثارة الاشمئزاز. إن هذا الـ «تأكيد» الساخر هو منهج تحليلي يقول: إن الفشل وصل إلى مرحلة لم يعد فيها منطق القوة وحده كافياً، وإنما أصبح منطق العبث هو المُسيطِر، والمُتفرِّجة تضحك على هذا العبث.
  • الآلية الثالثة: تحويل مُتطلبات الشرف (The Inversion of Honour): إذ تُوَجه السخرية لتفجير المعايير المزدوجة حول الجسد والهوية. وهنا ترفض المرأة الفصل بين «الشرف الخاص» (الذي يتمحور حول جسدها) و«الشرف العام» (المتمثل بالنزاهة السياسية). فالنكتة هنا تُعلِن أن السلطة الأخلاقية للرجل، أو للمجتمع التقليدي، تسقط من خلال عجزه عن تأمين أساسيات الحياة، وهذا التحويل الساخر هو إلغاء لرمزية الهيمنة الأبوية.

بهذه الآليات، تُحقِّق السخرية النسوية مهمتها المزدوجة، فهي تُبقي الوعي النقدي حياً في وجه محاولات الترويض، وتُفرِغ المُسبِّبين الأساسيين للألم من هالتهم الوهمية.

التطبيع مع الكارثة

لكن، السؤال الذي يفرض نفسه: ما ثمن هذا الضحك الواعي؟ السخرية، رغم أنها سلاح فتاك، لكنها ليست مُحصَّنة ضد النقد. فالنقد الجمالي هنا يفرض تساؤلاً أكثر مرارة من النكتة نفسها: متى تتحول «استراتيجية المقاومة» إلى «آلية ترويض ذاتي»؟

يُمكن للسخرية أن تعمل كـ «مُخدر معرفي» رفيع المستوى، فبمجرد أن ننجح في صياغة الألم على شكل نكتة ذكية ومُحكمة، نشعر أننا «فعلنا شيئاً» تجاه الكارثة. هذا الإحساس الوهمي بالسيطرة قد يُولّد وهماً بالتعافي، ليطيل ذلك زمن وجودنا في حالة «اللا-استجابة السياسية».

المرأة التي تضحك على انقطاع الكهرباء، مثلاً، قد تسهم من دون قصد في تطبيع العقل الجمعي مع الانهيار. كما أن السخرية النسوية الأكاديمية قد تنغلق على ذاتها، لتصبح حكراً على نخبة قادرة على إنتاج الخطاب النقدي، فتُقصي تجارب نساء لا يملكن الأدوات النظرية ذاتها، وهنا يتحول الضحك من سلاح ضد السلطة إلى سلاح يفصل بين النساء أنفسهن. ولا ريب أن الخطر الدائم هو أن يتحول الضحك، الذي بدأ كإدانة، إلى شهادة صامتة على التكيّف مع الجريمة.

الضحك دليل إدانة 

في نهاية المطاف، لا يمكن النظر إلى السخرية في سوريا إلا بوصفها فعلاً وجودياً عابراً في حرب خاسرة. إنها أشبه بمُختبَر نقدي يُشرِّح الواقع ويُعلّق أعضاءه الفاسدة على حبال النكتة السوداء.

أثبتت المرأة السورية، عبر ضحكتها القاسية، أن العجز عن البكاء يمكن أن يكون أقوى أشكال المقاومة الفكرية، فالسخرية هنا هي الإعلان الأخير عن السيادة الذاتية على العقل حينما سقطت السيادة على الجسد والوطن. 

ولكن، يجب ألا نغفل أن هذا الضحك هو في الوقت نفسه دليل إدانة مُعلَّق ومُرعِب لواقع أجبر الناجيات على تحويل الألم إلى مُنتج فني ساخر من أجل تجنب الجنون أو الانهيار. عندما تضحك المرأة، هي لا تُرسل رسالة تفاؤل، إنما تُطلق تحذيراً: «وصل الإذلال إلى ذروته، وإذا لم يعد الضحك يفيد، فليس لدينا ما نخسره بعد الآن».

نساء_سوريا_والحرب السخرية_النسوية

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0