دون مقدمات أو شروحات فصلت مديرية صحة اللاذقية، قبل نهاية شباط/فبراير الماضي، 118 طبيباً وطبيبة من المتعاقدين معها بعقود متفاوتة المدد. خدم معظمهم في «المشفى الوطني» وفي مراكز صحية داخل المدينة وخارجها.
لا تُعرف معايير القرار على وجه الدقة. غير أن أغلبية المفصولين من أصحاب العقود السنوية مع المديرية، وبعض هذه العقود كانت تُجدد دوريّاً منذ عشرين عاماً. ومع هذا القرار تجاوز عدد المفصولين والمفصولات من طواقم مديرية صحة اللاذقية 2000 شخص، باختصاصات تتنوع بين الطب والتمريض والخدمات الصحية وغيرها.
خصخصة مقنّعة أم تخلٍّ عن المسؤولية؟
ليس فصل الموظّفين والموظفات من القطاع العام حدثاً جديداً في محافظات سوريا منذ فرار بشّار الأسد. بل بات أمراً عادياً من دون التفكير بمصير الآلاف، ومنهم من قضى أكثر من عقدين في الوظيفة براتبٍ لم يتجاوز، في أحسن حالاته مئة دولار.
غير أنّ القرارات المتعلقة بالقطاع الصحي تحظى بخصوصية، مع تزايد احتياج السكّان إلى الخدمات الصحّيّة العامّة أكثر من أيّ وقت مضى. إذ ارتفعت كلفة المعالجات الطبّيّة والأدوية ارتفاعاً كبيراً، فيما تراجع مستوى الدخل مع انفلات الأسواق. تعني هذه القرارات، في كثيرٍ من الحالات، دفع المفصولين والمفصولات إلى البحث عن فرصٍ خارج البلاد. كما تعني خسارة خبراتٍ استثمر المجتمع عقوداً في إعدادها.
2000 كادر صحّي هو حصاد «المقصلة الإدارية» في مديرية صحة اللاذقية وحدها خلال فترة وجيزة. رقمٌ لا يعني مجرد فقدان وظائف، بل وإفراغ المستشفيات العامة من خبرات تراكمت على مدار 20 عاماً
لا تفكّر السلطة كذلك بأصول القطاع العام من شركاتٍ ومؤسّساتٍ على أنّها نقاط قوّة للدولة، تستطيع بها المساهمة في إدارة عجلة الإنتاج الاقتصادي السوري بكلّ سهولة، مستفيدةً من عراقتها وقوّتها وقدرتها على التصدير الخارجي (الغزل نموذجاً). ما تراه السلطة فقط أنّها، مع تخلّصها من هذه الشركات، ستتحلّل من أعبائها المرتبطة بهذا القطاع.
قصر النظر هذا، ينضمّ إلى جملة قراراتٍ أخرى في قطاعاتٍ خارج الاقتصاد، مثل التعليم والإدارة. والهدف هو التخلّص من أعباء القسم الأكبر من موظّفي الدولة البالغ عددهم نحو 1.5 مليون موظّف/ة وعامل/ة وإداري/ة والإبقاء على الأقل، بشرط أن يكونوا من مشايعي السلطة قولاً واحداً، والأمثلة كثيرة.
ينضم هؤلاء «المعطَّلون» من «شبه العمل»، إلى قوافل معطَّلين آخرين، في الزراعة والصناعة والتجارة والتعليم وغير ذلك، شملت عشرات الآلاف في الساحل السوري فقط. فعلى سبيل المثال، صُرف نحو 3000 عاملٍ في قطاع الغزل والنسيج، بين جبلة واللاذقية، من الخدمة من دون أية تعويضات. ومثلهم من مؤسسة «الريجي»، والمؤسّسات الإنشائية (عمران والإسكان العسكري والإنشاءات وغيرها). فضلاً عن فصل 300 عامل تقريباً من محطة الحاويات في مرفأ اللاذقية وغيرها، والتعاقد بدلاً منهم مع عمال من محافظة إدلب برواتب لا تقل عن مئتي دولار، تدفعها هيئة المرافئ والجمارك التابعة مباشرة للقصر الجمهوري الجديد.
اقتصاد «البسطات»
تشمل الشرائح المعطّلة، مئات أصحابِ المهن الحرّة، من محامين ومهندسين ومقدّمي خدمات، بعد أن باتت حركة السوق في حدّها الأدنى. نتحدّث هنا عن مجتمعات المدن فقط. وتتيح جولةٌ واحدةٌ في شوارع جبلة واللاذقية مشاهدةَ آلاف البسطات التي تعترض الأرصفة في كلّ متر مربّع منها. في ساحة الشيخ ضاهر في اللاذقية يبدأ التوافد لحجز مكانٍ على الرصيف منذ السادسة صباحاً، ومن ينجح في وضع بسطته في موقعٍ استراتيجي يتشبّث به كلّ يوم، أملاً بتحقيق بيعٍ مضافٍ يدرأ عنه يوماً من جوع عائلته.
تبيّنُ جولاتُ الأسواقِ، أيضاً، أنّ غالبية الازدحام الملاحَظ، هو من قبيل «السيران»، إلا ما ندر. يقول صاحب بسطةِ لـ«إكسسوارات الموبايل» متحسراً: «زحمة ع الفاضي. لما كان يكون فيه عشرة بدل هالمية كان البيع أحسن». هذا البائع شابٌ ثلاثيني، يتعرّض، كما كان يحدث سابقاً، لحملات البلدية بين الحين والآخر، واحتمال مصادرة بضاعته (غير المرخّصة) قائمٌ دائماً.
يعود المثل الشعبي «لولا القرة والجرجير.. كانوا ماتوا ناس كثير» ليتردد في أرياف جبلة واللاذقية. المثل الذي وُلد إبان المجاعة الكبرى في مطلع القرن العشرين، يجد اليوم سياقاً جديداً
تاجر إكسسواراتٍ نسائيّة في الزراعة، الحيّ القريب من الجامعة، يقول: «أعمل بالتجارة منذ واحد وأربعين عاماً. لم أشهد كساداً مثل هذه الشهور». ليست الحرب في الشرق الأوسط السبب وحده، كما يقول التاجر المعروف.
لولا القرّة والجرجير..
في شماليّ وشرقيّ مدينتَي اللاذقيّة وجبلة، حيث ما تزال الزراعة حاضرةً، هناك مشاهد أوسع للمأساة. العاطلون من العمل كثر، ومن الجنسين. الأعمال الزراعية من قبيل الحفر والتعشيب والتقليم باتت مهناً مزدحمة، بعد أن كانت مجرد أشغال على هامش الأعمال الأساسية. كل صباح يخرج رجال ونساء إلى الحقول بحثاً عن أعشابٍ وحشائش لجنيها وبيعها، من القريصة إلى الهندباء البرية، إلى جذور السحلب البيضاء، إلى القرة والجرجير، وأنواعٍ أخرى كنا نعتقد أنّها خرجت من القاموس الغذائي.
من حسن الحظ أن السماء كانت كريمةً هذا العام، فأمطرت على الأراضي، وإلا لفتك الجوع بكثير من الأسر. يقول محاسبٌ سابقٌ في مديرية المالية في جبلة: «تذكرت المثل القائل: لولا القرة والجرجير، كانوا ماتوا ناس كثير. نعم، هو مثل ظهر أيام (سفر برلك)، مطلع القرن العشرين، يعود اليوم بقوة. الناس في الأرياف كلها تجول في الأراضي من الصباح إلى المساء، بحثاً عن باقة جرجير لعلها تبيعها بخمسة آلاف أو أقل ثمناً لربطة خبز».
ثقب أسود
كان دخل المحاسب السابق يعادل مئة دولار شهرياً، ومعه راتبٌ مماثلٌ لزوجته، كلاهما فُصل من وظيفته، فلم تعد الأسرة تنتمي إلى أية طبقةٍ اقتصادية أو اجتماعية معروفةِ الملامح، كما يقول لنا ضاحكاً. نتحدث هنا عن ثقبٍ أسود ابتلع البشر في البلاد، وفي الساحل والجبل بشكل خاص. لا طبقة وسطى، في هذه البلاد، إلا بحدودٍ ضيقةٍ جداً.
في أسواق أخرى في جبلة التقيت مدرسين وطلاباً وأصحاب حرف وغيرهم. في بلدة الشلفاطية، صعقتني المفاجأة حين التقيت بمهندس (ميكانيك طيران)، متزوّج ولديه طفلان، يعمل على بسطةٍ يبيع عليها برتقالاً وليموناً من أرض جدّته.
صادفت مهندس الطيران هذا، على أبواب الذكرى السنوية الأولى لمجازر الساحل، فروى لي كيف سقط جاره العشريني الجامعي قتيلاً فيها. ثم قال: «ستستمر الحياة شئنا أم أبينا، والأفضل أن نفكّر بها على أنّها حياتنا التي يجب أن نرعاها». لا يريد هذا المهندس سوى الحصول على فرصةٍ للخروج من البلاد، لا بحثاً عن رفاهية، بل هرباً من ثقب أسود يبتلع كثراً ممن تعلموا، وخدموا، بينما تتزايد أعداد الجوعى.