رؤية جندرية لإدارة الموارد في سوريا بعد النزاع
تشهد المجتمعات الخارجة من النزاعات لحظاتٍ تأسيسيةً نادرةً تتيح إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع والموارد الطبيعية. في مثل هذه اللحظات، لا يكفي التعامل مع إعادة الإعمار بوصفها عمليةً تقنيةً لإصلاح البنى التحتية، بل ينبغي النظر إليها كفرصةٍ لإعادة بناء العقد الاجتماعي على أسسٍ جديدة. في هذا السياق، تبرز العدالة البيئية مدخلاً دستورياً محورياً، لا لحماية البيئة فحسب، بل لإعادة توزيع المخاطر والفرص، وتعزيز المشاركة، ومنع إعادة إنتاج أنماطِ الإقصاء التي أسهمت في هشاشة المجتمع قبل النزاع.
في سوريا اليوم، يتركز الجدل العام حول مستقبل البلاد على قضايا كبرى مثل شكل الحكم، وتقاسم السلطة، والعدالة الانتقالية. وعلى أهمية هذه الملفات، فإنها غالباً ما تغفل سؤالاً أكثر التصاقاً بالحياة اليومية: كيف سيعيش الناس؟ من أين سيحصلون على المياه؟ من سيزرع الأرض؟ ومن سيدفع ثمن الخراب البيئي والاقتصادي الذي خلفته الحرب؟
تعكس طبيعة النقاشات السائدة ميلاً متكرراً إلى التعامل مع البيئة ومواردها بوصفها ملفاً تقنياً يمكن تأجيله إلى ما بعد «الاستقرار». كما يجري التعامل مع قضايا الجندر والإدماج المجتمعي باعتبارها مطالب فئويةً قابلةً للتأجيل. هذا الفصل المصطنع بين ما هو سياسي وما هو بيئي، وبين ما هو دستوري وما هو اجتماعي، لا يشكل سوء تقديرٍ للأولويات فحسب، بل يعيد إنتاج منطق الإقصاء ذاته الذي أسهم في تفكك المجتمع السوري قبل النزاع وخلاله.
الإرث البيئي للنزاع: مديدٌ وخطِر
شكّلت الموارد الطبيعية والبنية التحتية البيئية أحد ميادين الحرب الصامتة. فتدمير محطات المياه، وتلويث التربة بفعل العمليات العسكرية، وانتشار مصافي النفط البدائية، وإهمال إدارة النفايات والركام، وقطع الأشجار وحرائق الغابات، كلها ممارسات خلّفت أضراراً طويلة الأمد، لا تقل خطورةً عن الدمار العمراني. هذه الأضرار لا تختفي بانتهاء العمليات العسكرية، بل تستمر آثارها لعقود، وتؤثر مباشرة في الصحة العامة، والأمن الغذائي، وفرص العمل، والاستقرار المجتمعي. في كثير من المناطق، لم يعد الوصول إلى المياه النظيفة أو الأرض الصالحة للزراعة أمراً بديهيّاً، بل تحدّياً يوميّاً يحدد من يستطيع البقاء ومن يُجبر على النزوح.
العدالة البيئية قضية سياسية بامتياز، إذ لا تتعلق فقط بحماية الطبيعة، بل بأسئلة السلطة والثروة: من يتحمل كلفة التلوث؟ ومن يستبعد من اتخاذ القرار بشأن الموارد؟
بالنظر إلى ما تقدّم، يبدو جليّاً أن تجاهل الإرث البيئي للنزاع في لحظة صياغة الدستور يعني ترك أحد أهم مصادر الهشاشة دون معالجة. فالعدالة البيئية، في جوهرها، لا تتعلق فقط بحماية الطبيعة، بل بضمان توزيع عادل للأعباء والمنافع البيئية، وفهمٍ أعمق للأسئلة: من يتحمل كلفة التلوث؟ من يحصل على المياه النظيفة؟ من يستفيد من استثمار الموارد الطبيعية؟ ومن يُستبعد من اتخاذ القرار بشأنها؟ هذه أسئلة سياسية بامتياز، لأنها ترتبط بتوزيع السلطة والثروة داخل المجتمع.
دسترة العدالة البيئية
إدراج العدالة البيئية في الدستور السوري ليس تفصيلاً كمالياً، وإنما إقرار بحقوق سياسية واقتصادية بامتياز، ويمكن تحقيقه عبر ثلاثة مسارات:
- أولاً، الاعتراف بالحق في بيئة سليمة كحق أساسي غير قابل للتفاوض. هذا الاعتراف يشكّل مرجعيةً ملزمةً للمشرّع وصانع السياسات، ويضع حدوداً أمام الاستغلال غير المنظم للموارد أو المشاريع التي تُلحق ضرراً طويل الأمد بالمجتمعات المحلية. كما يفتح المجال أمام المساءلة القانونية في حال الإخلال بهذه الحقوق.
- ثانياً، يتيح الدستور وضع مبادئ ناظمةٍ لإدارة الموارد الطبيعية على أساس الشفافية، والمصلحة العامة، والاستدامة. فمرحلة إعادة الإعمار قد تمثل فرصة لإعادة توزيع الموارد بشكل أكثر عدالة، لكنها قد تتحول، أيضاً، إلى بوابةٍ لاحتكارٍ جديدٍ إذا لم تُقيّد بضماناتٍ دستوريةٍ واضحة. النص الدستوري يمكن أن يربط استثمار الموارد بمراعاة الأثر البيئي والاجتماعي، ويضمن مشاركة المجتمعات المحلية في القرارات التي تمس أراضيها وسبل عيشها.
- ثالثاً، تسهم العدالة البيئية في منع تجدد النزاع. ففي العديد من السياقات، كانت ندرة الموارد أو سوء إدارتها عاملاً في تأجيج التوترات. لذا فان العمل عل دستورٍ يعترف بأهمية الإدارة العادلة والمستدامة للموارد، ويقرّ بحقوق المجتمعات في الوصول إليها، يضع أساساً لتقليل احتمالات الصراع في المستقبل.
العدالة البيئية الجندرية: إعادة توزيع للحقوق قبل الموارد
لا يمكن فهم العدالة البيئية بمعزلٍ عن بعدها الاجتماعي والجندري. فالبيئة ليست مساحة فارغة، هي مساحةٌ يعيش فيها أناسٌ تتفاوت أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، وتتأثر فئاتهم، بشكلٍ غير متكافئ، بالأزمات البيئية، وأيّة معالجةٍ دستوريّةٍ للبيئة ينبغي أن تراعي هذه التفاوتات، وأن تضمن ألا تتحول السياسات البيئية إلى عبءٍ إضافيٍّ على الفئات الأكثر هشاشة. كما أن ضمان المشاركة الواسعة، بما في ذلك مشاركة النساء والفئات المهمّشة، يعزز شرعية الدستور ويعمّق ارتباطه بالواقع.
وإذا كان الاعتراف بالعدالة البيئية خطوةً أساسيةً في بناء الدستور السوري بعد النزاع، فتجاهل أبعادها الجندرية والاجتماعية يُفرغها من مضمونها. فالبيئة لا تؤثر بالطريقة نفسها على الجميع، بل تتقاطع آثارها مع مواقع الأفراد داخل البنية الاجتماعية: الجندر، والفقر، والإعاقة، والنزوح، والانتماء الجغرافي. من هنا، تصبح العدالة البيئية من منظور جندريٍّ واجتماعيٍّ شرطاً جوهريّاً لعمليةٍ دستوريةٍ شاملةٍ وعادلةٍ، لا تكتفي بالشعارات، بل تعالج جذور الهشاشة وعدم المساواة.
الحرب لم تكن محايدة
لم يُوزَّع الضرر البيئي الناتج عن النزاع في سوريا بالتساوي، بل تداخل مع بنى اجتماعيةٍ قائمةٍ على تفاوتاتٍ عميقة. وجدت النساء، خصوصاً في المناطق الريفية ومناطق النزوح، أنفسهن في مواقع أكثر هشاشة، ففي الكثير من السياقات السورية، تتحمل النساء مسؤولية تأمين المياه والغذاء والطاقة المنزلية وتدبير الموارد اليومية. ومع تدهور البيئة وانهيار الخدمات الأساسية، تضاعف هذا العبء، واتسع نطاق العمل غير المدفوع، وتقلّصت فرص المشاركة الاقتصادية، وازدادت المخاطر المرتبطة بانعدام الأمان.
ورغم هذا الدور المركزي في إدارة الموارد على المستوى الأسري والمجتمعي، غالباً ما تُستبعد النساء من مواقع اتخاذ القرار المتعلقة بإدارة الموارد الطبيعية، أو تخطيط إعادة الإعمار، أو وضع السياسات البيئية. هذه المفارقة تكشف أن السياسات التي تُصاغ بوصفها «محايدة» قد تكون في الواقع عمياء جندريّاً، لأنها تتجاهل اختلاف الأثر بين النساء والرجال، وتعيد إنتاج الـ«لا مساواة» بدل معالجتها.
الدستور الذي لا يرى البيئة ولا يعترف بتقاطعها مع التفاوتات الاجتماعية، هو دستور يترك الباب موارباً لهشاشة جديدة
العدالة البيئية من منظورٍ جندريٍّ، لا تعني تخصيص امتيازاتٍ لفئةٍ على حساب أخرى، بل الاعتراف بأن الأثر غير المتكافئ يتطلب استجاباتٍ تراعي هذا الاختلاف. فهي تشمل في السياق السوري، معالجة الإرث البيئي للحرب بطريقة تضمن الحق في المياه النظيفة، والأراضي الصالحة للزراعة، والهواء النقي للجميع، مع تمكين النساء من المشاركة الفعلية في إدارة هذه الموارد، لا بوصفهن مستفيدات فقط، بل شريكات في صنع القرار.
لماذا الدستور تحديداً؟
لا يتعلق النقاش حول العدالة البيئية في الدستور السوري بمطلب قطاع بعينه، بل بطبيعة العقد الاجتماعي نفسه. وحين يصاغ الدستور بوعيٍ للمحاذير الهائلة، يمكن أن يُسهم في منع الانجرار إلى نزاعات قادمة.
فالدستور هو الوثيقة التي تحدد أولويات الدولة وتعكس تصورها للعدالة، وتضع الإطار الناظم للتشريعات والسياسات المستقبلية. وما لا يُذكر في الدستور، غالباً ما يُهمَّش في الممارسة.
إدراج مبادئ العدالة البيئية، والمساواة، والمشاركة المتساوية لا يعني تفصيل سياسات تقنية، بل إقرار حقوق أساسية تشكّل قاعدةً لأي تشريع لاحق، وتضع قيوداً على استغلال الموارد بشكل زبائني أو إقصائي.
يمكن تجسيد ما تقدّمَ ذكره، عبر ضمان المساواة في الوصول إلى الموارد والخدمات، وتكافؤ الفرص في المشاركة السياسية والاقتصادية، وحظر التمييز في السياسات البيئية والتنموية. كما يمكن أن يترجم في اشتراطِ تمثيلٍ عادلٍ في الهيئات المعنية بإدارة الموارد والتخطيط العمراني، وفي تضمين مبادئ تفرض تقييماً للأثر الجندري والاجتماعي في المشاريع الكبرى، خاصةً في مرحلة إعادة الإعمار.
الإدماج الاجتماعي والتنوع (GEDSI)
إلى جانب النوع الاجتماعي، يبرز البعد الاجتماعي الأوسع، الذي يشمل الفئات المهمّشة بسبب الفقر أو الإعاقة أو النزوح أو الموقع الجغرافي. فالمجتمعات الريفية، التي تعتمد بشكل مباشر على الأراضي والمياه، قد تكون أكثر تأثراً بأي تدهورٍ بيئي أو سياساتٍ غير مدروسة. والأشخاص ذوو الإعاقة قد يواجهون عوائق مضاعفةً في الوصول إلى الخدمات الأساسية في بيئاتٍ متضررةٍ أو غير مهيأة. كما أن النازحين داخليّاً، غالباً ما يعيشون في مناطق تفتقر إلى بنى تحتيةٍ بيئية سليمة، ما يعرضهم لمخاطر صحيةٍ واجتماعيةٍ إضافية.
لا يمكن فصل العدالة البيئية عن أبعادها الجندرية والاجتماعية. فالبيئة ليست مجرد إطار مادي للحياة، بل ساحة تتجلى فيها علاقات القوة والتفاوت
تتقاطع العدالة البيئية مع مبادئ الإدماج الاجتماعي والمساواة وعدم التمييز، المعروفة في الأدبيات التنموية بـ GEDSI (الجندر، الفقر، الإعاقة، والنزوح).
العملية الدستورية التي تأخذ هذه المبادئ بجديةٍ لا تكتفي بنصوص عامة حول الحقوق، بل تضع أطراً تضمن مشاركةً فعليةً لمختلف الفئات في صنع القرار، وتُلزم الدولة بإزالة العوائق البنيوية التي تحول دون تمتع الجميع بحقوقهم البيئية والاجتماعية على قدم المساواة.
مركزيةُ هذا المنظور في العملية الدستورية، تنبع من كونه يعيد تعريف من المواطن/ة الذي يُبنى الدستور على أساسه/ـا. فبدل افتراض مواطن محايد بلا فروق اجتماعية، يعترف الدستور بتنوع المجتمع، وبأن العدالة الحقيقية تقتضي مراعاة هذا التنوع. هذا الاعتراف لا يعزز فقط حماية الحقوق، بل يسهم في إعادة بناء الثقة بالمؤسسات، ويجعل العقد الاجتماعي أكثر شمولاً وواقعية.
كما أن إدماج البعد الجندري والاجتماعي في العدالة البيئية يسهم في منع إعادة إنتاج أسباب النزاع. فالتهميش المتراكم، حين يقترن بندرة الموارد أو سوء إدارتها، يمكن أن يتحول إلى مصدر توترٍ جديد. إنّ دستوراً يقرّ بالمشاركة المتساوية، ويضمن توزيعاً عادلاً للموارد، ويعترف بالفوارق البنيوية داخل المجتمع، يضع أساساً أكثر صلابة للاستقرار ويقلل من احتمالات العودة إلى العنف.
في المحصلة، لا يمكن فصل العدالة البيئية عن أبعادها الجندرية والاجتماعية. فالبيئة ليست مجرد إطار مادي للحياة، إنها أيضاً ساحة تتجلى فيها علاقات القوة والتفاوت. والعدالة البيئية الشاملة ليست ترفاً فكرياً ولا مطلباً فئوياً، بل هي شرطا لبناء دستور يعكس واقع السوريين بكل تنوعهم، ويؤسس لسلامٍ قائمٍ على الكرامة والمساواة والمشاركة. دون هذا المنظور، تبقى العدالة البيئية ناقصةً، ويبقى العقد الاجتماعي معرّضاً لإعادة إنتاج الهشاشة ذاتها التي يسعى إلى تجاوزها.