× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

ساهمنا جميعاً في تأجيج النزاع.. ولو بالكلام / © EuroMed Feminist Initiative

مقابلة|سوسن زكزك: فصل الدين عن السياسة ضمان وحيد للمساواة أمام القانون

عقل بارد - على الطاولة 16-03-2026

بين إرث الحزب الشيوعي ومنصات الأمم المتحدة، شيدت سوسن زكزك مسيرة نضالية نسوية حافلة. اليوم، وفي قلب دمشق «ما بعد التغيير»، يفتح هذا الحوار معها ملفات شائكة تجاوزت المطالب الحقوقية التقليدية إلى صلب المعركة السياسية؛ من نقد التمثيل النسائي الخجول في السلطة الجديدة، إلى تفكيك «فخ النخبوية»، وصولاً إلى دفاعها عن العلمانية التي تراها طوق نجاة لهوية سورية مهددة بالتشظي

تُعرَف سوسن زكزك بوصفها نسويّةً ناضلت مع كثيرات لِتصبح مفاهيم «الجندر» وحقوق المرأة قضايا رأي عام في سوريا. وفي الوقت نفسه، تلاحقت في مشوارها محطات النضال السياسي، مُتشكّلةً بين أروقة الحزب الشيوعي في ثمانينيات القرن الماضي، نحو فضاءات «ربيع دمشق» العام 2000، وصولاً إلى عضويّة «المجلس الاستشاري النسائي»، الذي تأسّس في جنيف 2016 بالشراكة بين مكتب المبعوث الأممي إلى سوريا، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة.

​وعلاوةً على حضورها النسوي الفاعل في «رابطة النساء السوريات» و«تجمّع سوريات لأجل الديمقراطية»، تتميّز تجربة زكزك، بانحيازها - كما تُؤمن النسويات عموماً – إلى رؤيةٍ تجد في الدولة المدنية العلمانية الضمانة الوحيدة للسوريين. بيدَ أنَّ الأهم من ذلك كله، إصرارها على ملامسة حقيقة ما تعيشه السوريات؛ ولهذا ذهبت بالتعاون مع زميلاتها في الرابطة نحو إجراء أبحاثٍ تسبر أغوار «العمل المنزلي غير المأجور» و«حق الأم في منح الجنسية لأبنائها»، و«التمييز في قوانين الأحوال الشخصية»، مُحولةً الأرقام الجافة إلى قضايا حقوقية نابضة.

​اليوم، ومع استمرار صوتها الناقد في ظل التحولات الكبرى التي تعصف بالبلاد، نلتقي سوسن زكزك في دمشق، لنحاورها بعد أكثر من عام على السقوط المدوي لنظام الأسد، ونسألها: كيف ترى شكل سوريا التي طالما حلمت بها، بوصفها نسوية وعلمانية؟

في هذا الحوار، نفتح ملفات راهنة، تفرضها اللحظة السورية الصعبة؛ تبدأ من مراجعة حصاد سنوات النضال النسوي وموقع المرأة في الخارطة السياسية الجديدة، ولا تتوقف عند «فخ النخبوية» وكيفية وصول الخطاب النسوي لـ «ست البيت» السورية، انتهاء برؤيتها لشكل العدالة الجندرية، وقدرة العلمانية على لجم صراعات الكراهية في بلادٍ تبحث عن هويتها من جديد.

  • من يتتبع مشوارك النضالي يجده مُعادلاً لِعمرٍ بأكمله؛ ماذا تفعل سوسن زكزك بعد أكثر من عامٍ على سقوط النظام، عدا الكتابة لعددٍ من الصحف والمواقع الالكترونية؟

أنا لستُ صحافية، بل كاتبة أسعى للتعبير عن قضايا أراها ملحة في هذه المرحلة الانتقالية، وعلى رأسها قضايا النساء والتحول الديمقراطي؛ إذ لا أرى إمكانية للفصل بينهما. وإلى جانب الكتابة، أُنسق باستمرار مع ناشطات نسويات لتنظيم اعتصامات وصياغة بيانات مشتركة، أعمل عليها مع زميلاتي في الرابطة بالتوافق مع منظمات أخرى.

ومن الأمثلة على ذلك، بياننا المتعلق بقرار القاضي الشرعي حول الوصاية. صحيحٌ أن محدودية وصاية الأم موجودة في القانون أصلاً، إلا أن ما أثار استياءنا هو الديباجة الطويلة للقرار، التي سعت للتأكيد مجدداً على دونية مكانة الأم مقارنة بالأقارب الذكور، حتى وإن كانوا ببعد (ابن عم الجد).

  • لو بدأنا من مشاركة النساء السياسية، هل ترين أن النضال النسوي السوري سار بخط تصاعدي؟ بمعنى هل حقق نتائج ملحوظة يمكن عدها نقاط علام اليوم، وما هي؟

بالطبع، قطع النضال النسوي السوري خطوات هامة؛ فقبل العام 2011 كانت المنظمات قليلة ومفهوم النسوية غير واضح حتى للناشطات. يمكنني الحديث هنا عن بداياتي، حين انضممت إلى الحزب الشيوعي ورفضت العمل في الرابطة التابعة له، ظناً مني أنني لا أعاني من التمييز، لكنني اكتشفت لاحقاً أن أيّة امرأة سورية ليست محمية منه. تساءلت: إذا كنت أنا المُتمكنة أُعاني، فكيف هو حال النساء الفقيرات والمعنفات؟ هذا الالتزام، مع وجود رائدات بآراء تقدّمية، دفعني للانضمام إلى الرابطة منذ العام 1989.

لقد كافحت زميلاتي لاستقلال الرابطة عن الحزب الشيوعي، وبدأنا نستخدم مصطلح النسوية منذ العام 1990، من خلال محاضرة قدمتها زميلتي نوال يازجي، حول وحدة عمل الحركة النسوية في سوريا، كذلك عملنا على تنسيق وتحرير تقارير الظل، إضافة إلى تقرير في 2011 حول اتفاقية حقوق الطفل، وتقرير في 2014 حول سيداو (اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة)، ونجحنا مع شركائنا العام 2009 في إسقاط مشروع قانون متخلّف للأحوال الشخصية عبر حشد المتضررات منه.

  • كنتِ ممن نبهوا إلى خطورة غياب تمثيل النساء في المرحلة الانتقالية، وقلتِ سابقاً إن «ما يمنع النساء من الوصول هو قرار السلطة الحاكمة». اليوم، وبعد عام وأكثر على المشهد السياسي الجديد، نرى تمثيلاً منخفضاً جداً في المراكز الإدارية ومواقع صنع القرار؛ كيف تفسرين هذا التراجع؟ 
السلطة تتحمل المسؤولية الأكبر؛ إذ صُممت العملية الانتخابية دون حساسية لضرورة وصول النساء. في الحكومة نرى وزيرة واحدة فقط مقابل 22 وزيراً، ونسبة تمثيل في مجلس الشعب لا تتجاوز 4%. 
  •  مع عودة العديد من النسويات إلى سوريا، كيف تعملن معاً؟ هل تباينت الأولويات؟ هل هناك أمثلة على أولوية تراها نسوية قادمة من أوروبا ضرورية، بينما ترينها أنت - ابنة الداخل - ترفاً أو غير قابلة للتطبيق؟ 
الأولويات غير متباينة بين النساء في الداخل والخارج، ولكن ترتيبها قد يبدو متبايناً. مثلاً، هناك إصرار أو اتفاق كامل عند الحركة النسوية، وأيضاً عند الحركات التي تعمل في قضايا النساء دون أن تكون نسوية، على موضوع زيادة نسبة مساهمة النساء في الحياة السياسية، ورفع نسبة النساء في مواقع صنع القرار. ونحن متفقات أيضاً على موضوع تعديل القوانين التمييزية، وإيجاد قانون لحماية النساء والفتيات من العنف، وآليات مشاركتنا في بناء الدستور الدائم لسوريا، وكيف سنتمكن من ضمان جزء كبير من حقوق النساء ضمن الدستور، لأننا نعلم أننا لن نستطيع ضمان كل الحقوق في الدستور، وأن المعركة ستكون طويلة. المهم أننا نركز على المشتركات. بالنسبة لنا، لا يوجد شيء ترف أو غير قابل للتطبيق، كل الحقوق مترابطة، والتنسيق جيد وقائم بين المنظمات العاملة في الداخل السوري. 
  • كيف يمكن لخطابكِ النسوي اليوم أن يقترب من «ست البيت» البسيطة، ولا سيما أمام ما يقال دائماً عن أن نضالك وزميلاتك يستهدف نخبة قليلة لا تعرف هموم النساء العاديات اللواتي يصارعن لتأمين لقمة العيش في ظل الانهيار الاقتصادي؟ 
وصول الخطاب النسوي إلى القواعد الشعبية يحتاج وقتاً وحرية عمل، وهي حرية كانت مفقودة سابقاً بسبب تضييق النظام الذي منع وجود منظمات مستقلة تعنى بقضايا النساء.

 حالياً هناك حرية نسبية، وأحياناً تكون محدودة، لكننا بدأنا نلمس تأثيراً محدوداً عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ فمثلاً، حملتنا ضد قرار وزير العدل بشأن الوصاية كشفت جهلاً كبيراً بالقوانين حتى لدى النساء المثقفات والعاملات. كما أثار موضوع إقصاء النساء عن العملية الانتخابية تجاوباً كبيراً، إذ أجمعت المنظمات (النسوية وغير النسوية) على قصور تمثيل المرأة، مما ولّد مطالبة جماعية برفع نسبة مشاركتها، حتى من نساء غير منخرطات في العمل السياسي أو التنظيمي.

نحن ندرك أن النضال النسوي يتسم بجزء «نخبوي» كسائر الحركات الحقوقية، والنساء في القواعد الشعبية يشعرن بمعاناتهن لكنهن يفتقدن وسائل التعبير عنها. هنا يأتي دورنا في المنظمات لإجراء الأبحاث وتقديم المقترحات للحكومة. على سبيل المثال، عملُنا من أجل إقرار «قانون حماية النساء والفتيات من العنف» سينعكس إيجاباً على نساء القاعدة الشعبية بشكل أكبر؛ فبينما تتعرض كل السوريات للعنف، يظل العنف الذي يقع على القواعد الشعبية هو الأكثر قسوة، ووجود هذا القانون هو ما سيساعدهن فعلياً.
  • تتحدثين دائماً عن «العدالة من منظور جندري»؛ ما هي الآليات التي يُمكن اتباعها لتوثيق فعلي للانتهاكات المُرتكبة بحق النساء منذ العام 2011 حتى اليوم؟ ما الذي تفعله النسويات في هذا المضمار؟
نحن في رابطة النساء لم نعمل في توثيق الانتهاكات المرتكبة بحق النساء بشكل مباشر، ولكننا أنجزنا بحثاً حول العنف الممارس ضدهن خلال النزاع السوري، كشف عن أشكال متعددة ومتنوعة من هذا العنف.

 وعندما نتحدث عن العدالة من منظور جندري، فإننا نقصد العدالة التي تضمن حقوق النساء. نحن نطالب بعدالة انتقالية تشمل جميع الجرائم التي ارتُكبت بحق النساء بغض النظر عن الجهة الفاعلة؛ سواء كانت نظام الأسد أو القوى الأصولية، وقد وثّق بحثنا شهادات حول هذه الجرائم.

كما نُعدّ في الرابطة لعقد دورات لنشر الوعي حول العدالة الانتقالية الحساسة للجندر، بهدف دفع المنظمات الحقوقية والنسوية للمطالبة بمحاسبة تضمن حقوق المنتهكات. ونؤكد أن هذه المحاسبة يجب أن تكون شاملة لجميع القوى المنتهكة، وأيضاً للانتهاكات التي وقعت بحق النساء بعد سقوط النظام في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024. 
  •  في ميدان العدالة الانتقالية، كيف توازنين بوصفك نسوية وشريكة لتجمعات نسوية، بين كشف الحقيقة والمحاسبة، والحاجة إلى سلم أهلي يمنع النزعات الانتقامية التي نراها على هيئة حوادث قتل واقتتال في مختلف المحافظات؟ 
العدالة الانتقالية لا تقتصر على كشف الحقيقة والمحاسبة، بل تشمل آليات أخرى كالتّعويض، وتخليد الذكرى، والاعتذار المرتبط بالمسامحة؛ فقبول الاعتذار مرهون بقرار الضحية، وفي حال عدم المسامحة يجب أن يخضع المُرتكب للمساءلة. إن جوهر العدالة الانتقالية بالنسبة لنا هو معالجة الأسباب التي ولّدت النزاع وتفاديها؛ لخدمة السلم المجتمعي ومنع الصراعات الانتقامية المنتشرة.

 كما تقتضي العدالة الانتقالية إصلاح المؤسسات، ونحن نضغط من أجل إيجاد مؤسسة دستورية تضمن حقوق النساء وتراقب تنفيذ الحكومة لالتزاماتها بهذا الشأن. وفي إطار فعالياتنا وورشاتنا حول «جندرة العدالة الانتقالية»، سنشرح هذه الآليات مع التركيز على محاسبة كبار المرتكبين؛ ففي النزاع السوري نكاد نكون جميعاً قد ارتكبنا أفعالاً - ولو بالقول – أججت الصراع، بينما القلة دافعت عن السلم الأهلي ووقفت ضد التحريض الطائفي.

  • تدافعين باستمرار عن العلمانية بوصفها أداة للخلاص من صراعات الكراهية؛ كيف تقنعين السوريين والسوريات في أيامنا هذه بأنها ليست صداماً مع الهويات الدينية، بل هي الضمانة لعدم تفتت الدولة أمام النزعات الانفصالية والمكونات المتعددة؟
العلمانية موضوع إشكالي بسبب سوء الفهم وتشويه رجال الدين لمعناها. العلمانية بالنسبة لنا ليست فصلاً للدين عن المجتمع أو الفرد، بل هي فصل الدين عن السياسة والقوانين؛ لأن استخدام الدين في هذه المجالات يجعل القوانين رهينة اجتهادات بشرية وفقهية قديمة لم تعد تناسب عصرنا.

 نحن نعتز بالهوية الدينية بوصفها جزءاً من هوية مجتمعنا ووعينا، لكننا نطالب بأن تستند قوانيننا إلى «الشرعة الدولية لحقوق الإنسان» التي ساهمت سوريا في صناعتها، لا إلى اجتهادات بشرية (في جميع الأديان) أُقرّت منذ مئات السنين. إننا في الحركة النسوية نؤمن بأن فصل الدين عن السياسة والقوانين هو الضمانة الوحيدة لتساوي جميع المواطنين والمواطنات أمام قانون واحد، وهو الكفيل بمواجهة النزعات الانفصالية التي تغذيها المراجع الدينية في ظل تعدد مكوناتنا.

  • هل تفكرين في لعب دور سياسي أكثر فاعلية مستقبلاً، هل يُمكن أن نراكِ مثلاً على رأس حزب جديد أو في موقع قيادي يُترجم سنوات النضال إلى قرارات نافذة؟ ما هو أول قرار ستصدرينه لو امتلكت الصلاحيات؟ 
أفكر جديّاً في لعب دور سياسي منظّم حين أجد حزباً يتناسب مع قناعاتي، أو قد أسهم في تأسيسه. أما بخصوص وجودي في موقع قيادي، فهذا أمر تحسمه الانتخابات، لكنني أتمنى بالتأكيد رؤية امرأة على رأس هذا الحزب. طموحي هو الانتماء لحزب يُجدد قيادته دورياً، بحيث لا تتجاوز مدة الرئاسة خمس سنوات، مع ضمان التناوب بين النساء والرجال في القيادة، أو اعتماد نظام الرئاسة المشتركة حلّاً لضمان إشراك النساء.

 أول قرار سأضغط من أجل إصداره هو قرار يدمج بين حقوق النساء وبناء حزب ديمقراطي حقيقي؛ ليكون حزبي نموذجاً يُحتذى به لبقية الأحزاب، مما يعزز قدرتنا على النضال من أجل حياة أكثر ديمقراطية في بلادنا.

أُنتجت هذه المادة ضمن مشروع تمكين الصحفيات «دورها» من مؤسسة «تاز بانتر»، بالشراكة مع مؤسسة «نساء ربحن الحرب»
الحركة_النسوية_في_سوريا المجتمع_الذكوري_في_سوريا نساء_سوريا

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0