× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

إنها الفانتازيا الكاملة التي طالما حلمت بها بعض العقول الذكورية - رسم مولّد بالذكاء الاصطناعي

ذكاء اصطناعي بـعقل ذكوري: أهلاً بك في «سوق الرقيق الرقمي»

عقل بارد - على الطاولة 19-03-2026

أجساد بلا أرواح، وأصوات تهمس بما يشتهيه المكبوتون. في «سوق الرقيق الرقمي» الجديد، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد كود، بل أصبح مرآة كاشفة لذكورة تحاول تكريس سلطتها عبر نساء «مفصلات حسب الطلب».. نساء لا يرفضن، لا يطالبن، ولا يشبهن إلا الأوهام

بدأ الأمر حين صادفت مقطع «ريلز» عادياً على «إنستغرام»، تظهر فيه امرأةٌ ترتدي عباءةً سوداء، تتحدث بنبرةٍ خافتة، وتتكلم عن «الرجل الذي يشتهي تفاصيلها». بدا الفيديو مصمَّماً بإتقان: تعابير الوجه، الصوت الأنثويٌّ المموَّج، واللهجة المحلية الدقيقة. لم يوحِ الشكل أبداً بأنه محتوىً مولَّدٌ بالذكاء الاصطناعي، لولا أن الحساب نفسه يصرّح بأن الشخصية غير حقيقية.

لكن الصدمة لم تكن في الفيديو ذاته، بل في التعليقات أسفلَه. مئات الأشخاص يطالبون صاحب الحساب بإنتاج مزيدٍ من الفيديوهات، لكن هذه المرة لنساء «بعيون مثل فلانة»، و«بصوت فلانة»، و«بجسد أقرب إلى فنانةٍ معينة». 

تعليقات تطلب تصميم نساء وفق مواصفات خيالية، وأحياناً جنسية، تحاكي شخصياتٍ حقيقيةً من الوسط الفني، أو منصات التواصل. كانوا يطلبون «نساءهم المثاليات»، كما يتصورونهن. ولم تكن هذه حالة معزولةً أو نادرة.

ما الذي نفعله بالذكاء الاصطناعي؟ وماذا يقول هذا الاستخدام عن علاقتنا، رجالاً ونساء، مع الجسد والتخيّل والتكنولوجيا؟

هندسة الاستلاب

هذا الاستخدام للأداة ليس عبثياً ولا هامشياً، بل هو عرضٌ واضحٌ لنمط علاقتنا بالمرأة والجسد والخيال. لم يعد الذكاء الاصطناعي هنا أداةً للتحرر أو التفكير أو إنتاج المعرفة، بل مجرد قناةٍ أخرى لإعادة إنتاج السلطة الذكورية ذاتها، ولكن بغطاء عصري.

بدأ بعض الذكور في تصميم «نساءٍ طيّعات» لا يعصين لهم أمراً، ولا يطالبن بحقوق، ولا يشكين من التحرش، ولا يُنادين بالمساواة. نساء من خيالهم وحدهم، يتحكّمون في لباسهن وصوتهن ولهجتهن وحديثهن، وحتى في درجة الحياء أو الجرأة. إن صح القول، هي عودةٌ إلى الوراء، ولكن بلغة المستقبل.

بالطبع، يمكن تجاهل اأن هناك من يسخّر التقنية لأهداف تعليمية وتطويرية. طلاب يستخدمونها لتحسين مهاراتهم، أو لفهم مفاهيم معقدة، أو لصياغة مشاريع مدرسية وجامعية بشكل أكثر احترافية. البعض الآخر يوظف أدوات توليد الصوت لتعلُّم اللغات، أو استخدام النماذج البصرية في تطوير مهارات التصميم والبرمجة.

هذا الجانب من الاستخدام، يفتح إمكانات هائلة أمام فئات كانت تفتقر إلى الموارد أو التوجيه، ويكسر حواجز جغرافية وتعليمية كثيرة. في دول مثل ألمانيا وفرنسا، بدأت بعض المدارس والمؤسسات التعليمية، فعلياً، إدماجَ أدواتِ AI في المناهج، لتعليم الطلبة كيفية التعامل النقدي والتقني معها، لا مجرد استهلاكها بشكل سلبي. لكن، في مقابل هذا الاستخدام البنّاء، تتزايد أيضاً استخداماتٌ أخرى تثير القلق، وتضعنا أمام أسئلة أخلاقية وقانونية لا يمكن تجاهلها.

فانتازيا رقمية

من الصعب، أحياناً، تمييز الفرق بين صورةٍ حقيقيةٍ وأخرى مفبركة. امرأةٌ تُصغي، تهمس، تحدّق، وكأنها موجودة حقاً، لكنها ليست سوى تركيبٍ رقمي، تجسيد خادع لرغبة جامحة، كيان لا يُصنع من روح، بل يُجمّع كدمية لتلبّي توقعات الآخر، لا أكثر.

بدأ بعض الذكور في تصميم «نساءٍ طيّعات» لا يعصين لهم أمراً، ولا يطالبن بحقوق، ولا يشكين من التحرش، ولا يُنادين بالمساواة

لم يتأخر المكبوتون كثيراً في تسخير أدوات الذكاء الاصطناعي، لإعادة إنتاج تسليع المرأة، لكن هذه المرة بشكل رقمي. شخصيات أنثوية وهمية، لا وجود لها في الواقع، تُولَّد بصرياً باستخدام برامج مثلD-ID أو HeyGen، وتُحرّك شفاهها، وتُضبط حركاتها مع صوتٍ ناعم يصنعه نموذج مثل  ElevenLapsأوCoqui.

النتيجةُ مقاطع «خادشة» بأداء أنيق، لا يمكن حظرها لأنها لا تُظهر جسداً حقيقياً، ولا تُمكن محاسبة أحدٍ، إذ لا امرأة بعينها تظهر بالصوت أو الصورة. ومع ذلك فالأثر جليّ: تُصمَّم الأنثى هنا حسب الطلب، تُشكَّل كما يشتهي المستخدم، وتنطق بما يُملى عليها حرفياً.

ما يُثير الريبة، ليس فقط استخدام هذه الأدوات، بل نوع الطلبات التي تُقدَّم. تعليقات المتابعين على هذه المقاطع لا تخفي ما يريدون: «صمّم لنا واحدة مثل الممثلة فلانة، لكن بحجاب»، أو «نريدها أن تتكلم بلهجة معينة وتحكي عن رغبتها في زواج المتعة». إنها الفانتازيا الكاملة التي طالما حلمت بها بعض العقول الذكورية: امرأة مطيعة، مثيرة، محافظةً شكلاً، وجنسيّةً مضموناً، لا تطلب شيئاً بالمقابل.

الأدهى أن هذه الشخصيات الافتراضية يجري التفاعل معها بوصفها حقيقية. تعليقاً على أحد الفيديوهات، كتب أحدهم: «أخاف أقول أحبك تطلعين روبوت!»، فرد عليه آخر: «أحبها حتى لو كانت كود برمجي». الجملة الأخيرة تبدو عابرة، لكنها مرعبة، لقد أصبح من الممكن إسقاط كل الرغبات الجنسية والعاطفية على كيان غير موجود، لا يرفض ولا يتفاعل، بل فقط يُجيد الأداء.

لماذا لا نرى رجالاً؟

المفارقة اللافتة في هذه الظاهرة، أن غالبية المقاطع التي تُنتجها التقنيات التوليدية البصرية والصوتية، لتنتشر على المنصات، تدور حول نساء مصمَّمات حسب الطلب. لا نكاد نرى مقاطع لرجال مفبركين على النمط نفسه. لا أحد يطلب «رجلاً بصوت عميق وعضلات مماثلة لممثل معين»، ولا فيديوهات لرجل يهمس أو يتغزّل بالمشاهد. لماذا؟

لأن ما نشهده ليس انحرافاً في الأداة، بل في خيال بعض المستخدمين، وتحديداً أولئك الذين يعانون كبتاً جنسياً أو يحملون تصورات مشوّهة عن النساء. هؤلاء وجدوا في الأداة وسيلة «آمنة» لبناء نساءٍ خاضعات، مثيرات، صامتات، لا يعترضن ولا يطالبن بشيء، في انعكاس لخيالٍ جمعيٍّ مشحونٍ بالذكورية، تُعامل المرأة فيه دوماً كرمز للمتعة، بينما يُترك الرجل كفاعل لا مفعول به. لذلك، حين ننظر إلى العالم الافتراضي، لا نكتشف المستقبل، بل نواجه الحقيقة: ليس الذكاء الاصطناعي من اختزل النساء، بل بعض مستخدميه يفعلون ذلك، وها هو يطيع أمرهم.

ما نراه ليس خللاً تقنياً، بل انعكاس لخيالٍ جمعيٍّ مشحونٍ بالذكورية، تُعامل المرأة فيه دوماً كرمز للمتعة، بينما يُترك الرجل كفاعل لا مفعول به

الأسوأ أن هذا الـ «تشييء» الجديد يُسَوّق بوصفه «آمناً ونظيفاً»، لأنه لا يطال جسداً حقيقياً. لكن الواقع أن الرغبة المُسقطة على هذه الشخصيات، تعيد رسم حدود المرأة في الخيال العام، وكأننا، في سعينا لصناعة «امرأة مثالية»، نعيد دفن النساء الحقيقيات.

هل المحاسبة ممكنة؟

هنا تأتي الإشكالية القانونية والأخلاقية: كيف يُحاسب صانع محتوى لم يستخدم صوراً حقيقية؟ ماذا عمّن يطلب شخصياتٍ تشبه نساءً حقيقيات؟ أين تبدأ الخصوصية وأين تنتهي عندما يتعلق الأمر بنسخٍ رقميةٍ مزيفة؟

حالياً، لا توجد قوانين واضحة في أغلب الدول العربية تعالج هذه الظواهر، لكن هناك جهود عالمية بدأت تتبلور، فبعض المنصات بدأت تُجرّم استخدام الأدوات الرقمية الذكية التي تولد صوراً أو أصواتاً لأشخاص حقيقيين دون إذنهم، وتعتبر ذلك تعدياً على الخصوصية.

مثلاً تطالب منظمة Center for AI and Digital Policy بتصنيف بعض استخدامات تقنيات المحاكاة البصرية والصوتية «ممارساتٍ ضارة»، وفي أوروبا، يُدرس حالياً فرض قوانين تُلزم المنصات بوضع إشارات واضحة على المحتوى المولَّد بالذكاء الاصطناعي.

بين الحذر والمساءلة

المسألة لم تعد تقتصر على تفاصيل تقنيةٍ أو محتوىً عابر يُستهلك وينسى، وإنما باتت جزءاً من منظومةٍ واسعةٍ تعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا، وبين الجسد والخيال، وبين الرغبة والسلطة. ومواجهة هذا الواقع تتطلب أولاً الاعتراف به، ثم تفكيكه، ومن ثم التفكير بوسائل لمقاومته. لا يمكن اعتبار ما يحدث مجرد انحرافٍ فرديٍّ أو سوء استخدامٍ عابر، إنه نتيجةٌ طبيعيةٌ لمزيجٍ من غياب القوانين، وضعف الوعي التقني، وتطبيع ثقافة التسليع. 

المطلوب اليوم، ضغطٌ أخلاقيٌّ وقانونيٌّ على المنصات التي تتيح هذا النوع من المحتوى، وتفعيل آلياتٍ رقابيةٍ داخل المجتمعات نفسها، تدافع عن النساء الحقيقيات لا النسخ المصممة، وتعيد الاعتبار للعلاقة الإنسانية في زمنٍ يتكاثر فيه الوهم بتقنيةٍ عالية الدقة. وقبل ذلك، لا بد من نشر الوعي التقني، ليعرف المستخدمون أن ما يرونه ليس حقيقياً، وأن الذكاء الاصطناعي ليس أداة بريئة.

أيضاً، لا بد من مطالبة المنصات بحذف الحسابات التي تروّج لمحتوىً مُضللٍ أو تحاكي شخصياتٍ حقيقيةً دون إذن، كما يمكن الضغط على شركات توليد الصوت والصورة لتفعيل أدوات الرقابة، كأن تُمنع الأصوات المولَّدة من استخدام أسماء شخصياتٍ عامة.

أخيراً، يبرز التساؤل حول الأخلاقيات الرقمية في منطقتنا، تماماً كما نفعل مع الأخلاقيات السياسية والاجتماعية. فالذكاء الاصطناعي، ككل أداة، يعكس ما نريده نحن منه، وقد اختار كثير منا جعله قناةً لإنتاج نساء مستسلماتٍ صوتاً وجسداً وخيالاً. لكن ما يغيب عن هذه الفانتازيا هو سؤال جوهري: ماذا يعني أن نرغب في كائن لا يشعر؟ وماذا يخبرنا ذلك عن إحساسنا نحن؟

ما نشهده اليوم ليس مجرد انحرافٍ فرديٍّ أو سوء استخدامٍ عابر، بل هو إعلانٌ عن انتصار الخيال المكبوت حين وجد أخيراً أداته المثالية. إنها النتيجة الطبيعية لمزيجٍ من غياب القوانين، وتغوّل التقنية، وتطبيع ثقافة الاختزال الآلي للإنسان.

لقد تجاوزت هذه الأدوات قدرتنا على الضبط أو فتح النقاشات التقليدية التي لم تعد تجدي نفعاً أمام سيل الخوارزميات. نحن لا نواجه خللاً تقنياً بقدر ما نواجه حقيقة مرعبة: الذكاء الاصطناعي ليس سوى مرآة كشفت أن ذكاءنا الإنساني، في أقوى مراحل تطوره، اختار أن يكون خادماً مطيعاً لغرائزه الأكثر بدائية، ليصنع عالماً يسهل فيه إلغاء وجود المرأة الحقيقي بضغطة زر، وتحويلها إلى مجرد كودٍ برمجي يلبي رغبة المستخدم ولا يعترض.

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0