الحرب هزيمةٌ للسياسة والدبلوماسية في عصرنا الحالي، ولكنها، إذا كانت حرباً أهلية، فهي هزيمةٌ مُحقّقةٌ للعقل قبل أن تكون للسياسة.
تخطر في بالي جملةٌ قالها إيريك فروم، في معرض بحثه في التحليل النفسي عن هزيمة العقل البشري في الحربين العالميتين، أُفكّر منذ أن قرأتها: كم هو هذا العقل مَهزومٌ في بلادي، وهي تخوض الحرب إثر الأخرى منذ بداية الخليقة وإلى يومنا هذا؟ متى كتب السوريُّ: «حطّم سيفك واحمل مِعولك واتبعني لنزرع السلام في كبد الأرض؟». وكم حرباً كان قد خاضها حتى اضطر لكتابتها حينها؟ يبدو أن أحداً من السوريين والسوريات لم يستمع إلى هذه النصيحة أبداً!
يقول فروم: «العقل آلةُ القرن التاسع عشر الذي يعني انتصاره لدى الإنسان تتويجاً لجهود التحليل النفسي، (لكنه) خسر معركته الكبرى بين عامي 1914 و1939، فالحرب العالمية الأولى وانتصار النازية والستالينية وبداية الحرب العالمية الثانية، كانت كلّها محطّات متلاحقة في هزيمة العقل».
فإذا كان العقل الأوروبي يُعتبر مَهزوماً في تلك الأيام، وإذا ما خَرج ببضعة كسور، وربما اعتاش على «الشوربة» لبضعة عقودٍ ريثما تعافى، فما الذي يَعتاش عليه العقل في سوريا؟ كيف هو شكل العقل في سوريا أساساً، وهو يتلقى اللكمة تلوَ اللكمة من «الكلاشنكوفات» و«الدوشكايات» والعنصريّة والطائفيّة والإقليميّة والرجعيّة والقبليّة والـ، والـ...؟ يا إلهي كم «إذا وقع العقل كثُر ذابحوه وطاعنوه».
هو ذاته، ذلك العقل المُتخم باللكمات، هو من أعطى نصف ما أعطاه العالَم من عُقول على مَر التاريخ، منذ لوقيان السميساطي وحتى الآن، وهو ذاته الذي يُفاجئك بين الفينة والفينة بماغوط جديد، بمَمدوح عُدوان جَديد، بخالد خليفة جديد، بممدوح حمّادة جديد. هو ذاته الذي يقود عملية العطاء هذه من غرفة الإنعاش، وكأنه نابليون بونابرت يمضي إلى غزو روسيا في سيارة إسعاف وعبر زجاجة أكسجين، وفي مَشهد من العطاء المثير للريبة والشكوك، بشكلٍ يُشبه الألوان الصفراء والحمراء التي تصبغ الصبّار في أيّار، في خيانةٍ علنيةٍ لمشهد القسوة والعنف الكامن في أشواكه بقية أشهر السنة.
نحن مُتشابهون في جغرافيات وملابس متناقضة. وما أشبهنا بمعجونٍ في يد طفل ما، مُشكلين بأشكال مُختلفة، ولكنّنا، في النهاية، المَعجون ذاته، بالرائحة ذاتها، وبصبغات مُختلفة
هي بلادٌ، من رأى ورد صبارها في أيار، لم يتوقّع أشواكها بقية العام. وتجد هذا التناقض على كل جغرافيتها. فمن رأى قيظ صيفها لم يتوقّع برد شتائها. من رأى جمال جنّاتها لم يتوقّع قبح جحيمها. من رأى بُحيراتها العذاب لم يتوقّع صَحاريها، ومن رأى صحاريها ما توقّع فُراتها. من رأى رومانسية نوارسها ما توقع وحشية الضباع في باديتها، ومن رأى الضباع في باديتها ما توقّع رقّة القطط في دمشقها. من رأى جمال نسائها ورقّة ملامحهن ما توقع قسوة قلوبهن. من رأى ثلوج بلودانها ما توقّع عَجاج جزيرتها. من رأى شواطئها وباراتها ما توقع معابدها. من رأى رقة ياسمينها ما توقع غِلظة كلاشنكوفاتها.
بلاد لا تستطيع أن تقول عنها فكرة واضحة أو حكماً واضحاً، مثل حبي لها. بلادٌ تحمل كل هذا التناقض غير أنّ إنسانها هو إنسان واحد: في البار أو في المعبد، في الصحراء أو على كتف البحيرة، في الجبل وفي الوادي، سواء كان بلباس «الهيبيز» أو بالبنطال الشرعي. هو إنسان واحد، ولا يهم لون البدلة التي يرتديها: بدلة زرقاء، بيضاء، خضراء، مموهة، بنفسجية. لا يهم أين سيكون: وراء بسطة، في مكتب مُحاماة، في دار نشر، في عيادة طبيب.
الإنسان السوري هو إنسان واحد، له رأي متشابه في كل القضايا وفي جميع الطبخات، يستقي مصادر معلوماته من «الريلزات» ذاتها، ويضع ماءه في الخزان الأحمر ذاته على كامل الجغرافيا السورية. وسواء كانت المياه من ماء الفرات أو ماء العاصي أو ماء بردى فالأمر محسوم، عشرة براميلٍ ستُصب في خزانٍ أحمر موضوعٍ بطريقةٍ سيئةٍ أمام دش النايل سات، بعد خناقة مع الجيران على مساحات السطح. أخشى أن أقول إن الإنسان السوري جرى تشكيله بما يتوافق مع فرن التنور، ومع عقلية البيوت الطينية ومصابيح الكاز، وانتهى الأمر.
يبدو أن لا أفقَ زمنياً واضحاً لتغيير ذلك، مهما تكاثرت الأزهار في أيار على صبارها. نحن مُتشابهون في جغرافيات وملابس متناقضة. وما أشبهنا بمعجونٍ في يد طفل ما، مُشكلين بأشكال مُختلفة، ولكنّنا، في النهاية، المَعجون ذاته، بالرائحة ذاتها، وبصبغات مُختلفة. لكننا معجونٌ يمتلك شرياناً أبهر، وعقداً تاجية، ويتألم، في كل مَرّة يعجنه طفل ما في شكل جديد. معجون يمتلك حواسَّ، وشجرة عائلة، وأسرةً عليه أن يهتم لأمرها وتهتم لأمره. معجون تسيل منه دماءٌ حقيقية، مصبوغ بألوان مُختلفة، يَعتقد كل لون منها أن باقي الألوان ليست من «طينته». مَعجون استطاع أن يَهزم العقل مراراً، موزّع على البوادي والجبال، بجانب الأنهار وفي الصحارى. وفي النهاية، سيمل الطفل من تشكيلنا، ويكوّرنا في كرةٍ واحدةٍ، ويبيعنا لابن الجيران مقابل حبتي علكة.