لم تنبع تلك الهوية من حوار جماعي أو مجتمع سياسي، بل كانت أداة هيمنة بيد السلطة وسردية تسويغٍ لاحتكار الدولة. ومع اندلاع الثورة، ثم انفجار الصراع الأهلي، انكشفت هشاشة هذه الهوية المصطنعة، وتصدّرت الأسئلة المؤجّلة الواجهة: مَن نحن؟ من نكون؟ أبناء الأمة العربية؟ أم أبناء الأمّة السّوريّة (سوريا الكبرى)؟ أم جغرافيا سايكس – بيكو؟ أم نحن مواطنون ومواطنات؟ أم طوائف وأديان وقوميات؟ أَم «مكوّنات»؟ أم كل ذلك، ربّما؟
اليوم، وفي ضوء هذا الانكشاف البيّن لحاجتنا إلى إعادة التعريف، يُعاد طرح سؤال الهوية، لا بوصفه ثابتاً أيديولوجيّاً، بل من حيث كونه مجال تفاوض دستوري، لم يغِب عن أي نقاش حول مستقبل البلاد. فلنأخذ مثلاً ما حصل بعد انطلاق اللجنة الدستورية السورية التي أُنشئت في إطار القرار 2254، وكيف استقطبت المعارضة بين فريق يُناصر هوية إسلامية وآخر يُطالب بهوية علمانية، وبين متمسّكين بالعروبة ومن يرون في البلاد فضاء هويات متعددة، وكل ذلك قبل أن يبدأ أي نقاش حول نظام الحكم أو شكل إدارة البلاد أو دور المحكمة الدستورية، وما إلى ذلك.
تكرّر الحال نفسه بعد صدور الإعلان الدستوري، بحيث صار الخلاف يدور، أولاً، حول هوية البلاد، قبل أي قضايا دستورية أخرى.
الهوية في الدستور ليست مجرد شعار
ليست الهوية في النص الدستوري مجرد إعلان نوايا أو تكرار لعبارات من قبيل «الوحدة الوطنية» و«التنوّع الثقافي». فالهوية، حين تُدرج في الدستور، هي فعل سياسي ذو آثار قانونية وحقوقية وربما مؤسسية، لأنها تحدد من يُعترف بكونه مكوّناً شرعياً ضمن الدولة، وما هي اللغة أو اللغات الرسمية، وما مكانة اللغات الأخرى، وكيف تُنظَّم العلاقة بين الدين والدولة. وستؤثر النصوص الدستورية المرتبطة بالهوية في التعليم (هل يُتاح التعليم بغير اللغة العربية أم لا؟)، وفي الإعلام (هل سيكون هناك إعلام ناطق بغير العربية؟ وهل سيُفسح المجال لرموز دينية وقومية تعبّر عن التنوّع؟)، وكذلك في تحالفاتنا الإقليمية والدولية.
الدستور الذي يقرّ بعمق الانتماء العربي الإسلامي لسوريا، يجب أن يقرّ أيضاً بأن سوريا ليست عربية فقط، ولا مسلمة فقط
في سوريا، حيث التعدد هو القاعدة لا الاستثناء، يصبح الاعتراف الدستوري بهذا التعدد شرطاً لبناء هوية جامعة. ذلك أنّ سياسات الإنكار المتبادل بين المكوّنات، ومحاولات الدمج القسري وفرض الهوية الواحدة، لم تُنتج إلا الإقصاء والتهميش والصراع والعنف. لذلك لا يمكن أن تقوم هوية دستورية إلا على أساس المواطنة من جهة، والاعتراف الحقيقي بجميع المكوّنات وحقوقها الثقافية من جهة أخرى. وما عدا ذلك ليس إلا تهديداً بالعودة إلى دوامة العنف.
كثيراً ما تُطرَح المواطنة في الخطابات الرسمية بوصفها «هدفاً» يمكن بلوغه تدريجاً. لكن في الحالة السورية، يجب أن تكون المواطنة المتساوية نقطة الانطلاق، لا محطة الوصول. فالدستور ليس وثيقة أحلام وطموحات، بل وثيقة تأسيس تضع الأساس الذي تُبنى عليه القوانين والسياسات، والدولة برمّتها.
غير أن المواطنة لا تتحقق ما لم نعترف بحقوق الجماعات الثقافية واللغوية، على أن تبقى حقوق الإنسان هي المرشد الأول عند أي تعارض بين حق الفرد وحق الجماعة.
وفي هذا السياق، ينبغي أن ينصّ الدستور السوري القادم، بوضوح، على:
- حظر التمييز على أساس القومية أو الدين أو الطائفة أو اللغة أو الجنس أو الرأي السياسي.
- الاعتراف الرسمي بالتعدد الثقافي واللغوي.
- المساواة بين جميع المواطنين أمام القضاء والمؤسسات.
- ضمان تمثيل عادل لجميع المكوّنات دون فرض محاصصة جامدة.
عربية إسلاميّة؟
في السعي لبناء هوية وطنية جامعة، يجدر بالدستور السوري القادم أن يقرّ بوضوح بمكانة الإسلام، والحضارتين الإسلامية، والعربية، بوصفها مكوّنات مركزية في الذاكرة الثقافية والرمزية السورية، من دون أن يتحوّل هذا الاعتراف إلى أداة إقصاء أو احتكار لهوية الدولة. فقد شكّل الإسلام، عبر قرون، الإطار الأخلاقي والتاريخي لأغلب السكان، وكانت اللغة العربية وعاء التفاعل الثقافي والديني والتشريعي والأدبي والوطني في آنٍ واحد.
غير أنّ الاعتراف بهذا الدور لا يعني نفي الثراء الثقافي السوري المتعدد، بل العكس هو الصحيح، إذ يجعل هذا الاعترافُ الإقرارَ بالتنوّع ممكناً ومنصفاً. فالدستور الذي يقرّ بعمق الانتماء العربي الإسلامي لسوريا، يجب أن يقرّ أيضاً بأن سوريا ليست عربية فقط، ولا مسلمة فقط، بل هي كذلك كوردية، وآشورية، وتركمانية، وشركسية، ومسيحية، وأيزيدية، وعلوية، ودرزية، وسريانية...وإلخ. لا يمثّل هذا التعدد تهديداً للوحدة، بل هو شرطها الواقعي وأساس مشروعيتها الأخلاقية.
بهذه الطريقة يصبح الإسلام والعروبة مكوّنين أصليين في الهوية السورية، لا احتكاراً لها، وتغدو التعددية معطى تأسيسياً لا حالة شاعرية فارغة المحتوى.
الاعتراف لا يعني التقسيم
من الأخطاء الشائعة، النظر إلى الاعتراف الدستوري بالتعدد، بوصفه مقدّمة للتقسيم أو الانفصال. في الواقع، إن التعدد المعترَف به والمضمون بنصوص دستورية واضحة هو ما يمنع التشظّي، لا العكس. فحين يشعر كل مكوّن أنه مُعترَف به ومحميّ، لن يبحث عن حاضنة سياسية بديلة.
يمكن هنا استحضار تجربة جنوب أفريقيا، إذ اعترف دستورها الدائم العام 1996 بالتعدد العرقي واللغوي والثقافي ضمن إطار وطني ديمقراطي قائم على المواطنة والعدالة الانتقالية. وبالمثل، اعترفت كندا بـ «الكيبيكيين» لغةً وهويةً وثقافة، من دون أن يمسّ ذلك وحدة الدولة. كذلك أقرّ دستور المغرب للعام 2011 بهوية وطنية متعددة، معترفًا بالأمازيغية وبالتعدد الديني والثقافي، ومقرّاً بالانتماء المغاربي والعربي والإفريقي والمتوسطي والإسلامي للمغرب، وهذه جميعها تشكّل هوية البلاد، لا جزءاً منها ولا بعداً يصهر الباقي.
لقد فشلت النظم السورية السابقة لأنها أرادت إخضاع الناس لهوية واحدة صلبة ومغلقة لا تتسع إلا لأتباع المشروع السياسي الحاكم. أما اليوم، فلا خروج من الانقسام، ولا استقرار طويل الأمد، من دون الإقرار بأن الهوية الوطنية ليست ما نفرضه على الآخرين، بل ما نتقاسمه معهم رغم اختلافاتنا.
في الدستور، لا يجب أن نكتب فقط «من نحن»، بل «من نريد أن نكون». والبداية تكون بالاعتراف أننا مواطنون ومواطنات، لا رعايا، ولا طوائف، ولا غرباء في وطنهم.