ابتلينا في هذه البلاد ببلاء تشويه أنظمة الحكم لتناسب الحاكم. صحيح أننا نكاد لا نجد نظامين متطابقين في أكثر البلدان تشابهاً في أنظمة الحكم، غير أن الدول الحديثة والمتقدمة تُكيف أنظمتها لتناسب ظروفها، لا حكامها. أما نحن، ومنذ العام 1970، وربما قبل ذلك أيضاً، فقد أرغمنا الاستبداد على أنظمة حكم يختارها هو، ومن ثم يُكيفها لتناسب استبداده.
شهدت سوريا خلال القرن المنصرم تحوّلات جذرية في طبيعة أنظمة الحكم. فمنذ الاستقلال الأول (عن السلطنة العثمانية) مطلع القرن العشرين، بدأت في سوريا مرحلة النظام البرلماني عبر مشروع دستور 1920 الذي لم تُكتب له الحياة، ثم دستور 1928/1930 إبان الانتداب الفرنسي، ودستور 1950 (أُقرت العودة إليه بعد رحيل الشيشكلي في العام 1954 وحتى الوحدة في العام 1958 ومن ثم زمن الانفصال لاحقاً).
خلال سنوات الاضطراب، التي شهدت انقلابات، ثم وحدة مع مصر، ثم انفصالاً عنها، أي بين العامين 1950 - 1970، جربت سوريا النظام الرئاسي (أو نسخاً مشوهة منه) في دستور الوحدة المؤقت العام 1958، ودستور الشيشكلي 1953. كما جربت احتكار السلطتين التنفيذية والتشريعية بيد «مجلس قيادة الثورة» الذي شكله حزب البعث بعد انقلابه في العام 1963. إلى أن جاء دستور العام 1969 المؤقت الذي رسّخ نموذج حقبة النظام شبه الرئاسي بصورته المشوهة. حتى العام 2025، موعد الإعلان الدستوري، الذي كرس نظاماً رئاسياً يعاني ما يعاني من التشوهات هو الآخر.
أنظمة.. وفوارق
النظام الرئاسي، ومثاله الأوضح هو الولايات المتحدة، والأقرب إلينا جغرافيّاً هو تركيا، يقوم على فصلٍ صارمٍ للسلطات، ويمنح الرئيس صلاحيات واسعة. والرئيس المنتخب مباشرةً من الشعب هو رئيس الوزراء أيضاً، ولا يمكن للبرلمان عزل الرئيس (إلا في حالات محددة وبإجراءات معقدة كالخيانة)، كما لا يستطيع الرئيس حلّ البرلمان. يتسم هذا النموذج باستقرار نسبي، لكنه يعطي الرئيس صلاحيات واسعة قد تشكل عاملاً مقلقاً في بلادٍ كبلادنا نالها من الاستبداد ما نالها.
أزمة سوريا لم تكن يوماً في البحث عن اسم لنظام الحكم، بل في البحث عن مواطن لا يُقاد، وسلطة لا تُقدّس
في النظام البرلماني، كـبريطانيا، والأقرب إلينا جغرافيّاً هما العراق ولبنان، تكون السلطة التنفيذية (وهي هنا ثنائية بيد الرئيس ورئيس الوزراء) بيد حكومةٍ منبثقة عن البرلمان الذي يحاسبها، لكنها - أي السلطة التنفيذية - تكون قادرةً على حلّ البرلمان بدورها، لخلق حالة توازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. يتيح هذا النموذج مرونةً وتمثيلاً، لكن نجاحه يستلزم حياة حزبية وثقافة سياسية متجذرتين، وهو ما تفتقر إليه سوريا حاليّاً، إذ لا تزال الولاءات الفئوية والطائفية والمناطقية طاغية، وزعماء الحرب هم الأكثر سطوةً وقدرة.
أما النظام شبه الرئاسي، المستوحى من النموذج الفرنسي، فيحاول الجمع بين مزايا النظامين. يُنتخب فيه الرئيس من الشعب مباشرةً - شأنه شأن النظام الرئاسي - غير أنه يتقاسم السلطة التنفيذية مع رئيس وزراء يعيّنه بموافقة البرلمان، شأنه في ذلك شأن النظام البرلماني. هذا هو النظام الذي اختاره حافظ الأسد وبشار الأسد لحكم البلاد، لكن بعد تشويهه أيَّما تشويه!
كيف أجدْنَا تشويه الأنظمة ولماذا؟
عمليّاً، نصَّ دستورا 1973 و2012 على نظامٍ يقوم على ثنائية السلطة التنفيذية، بحيث يستطيع مجلس الشعب (ولو نظريّاً طبعاً) حجب الثقة عن الحكومة التي يعيّنها الرئيس، المنتخب مباشرةً من الشعب (مرّة أخرى نظريّاً) بحسب دستور 2012، والمُستفتى عليه بحسب دستور 1973. يندرج هذا النظام تحت نظام الحكم شبه الرئاسي كما أسلفنا، لكنه منح الرئيس سلطات شبه مطلقة تفوق سلطة البرلمان في النظام البرلماني، وسلطة الرئيس في النظام الرئاسي. فهو لا يطلب ثقة مجلس الشعب على حكومته، ويصدر التشريعات خارج فترات انعقاد المجلس (تُعرَض التشريعات على المجلس عند انعقاده، لكن الدستور لا يشترط إقرار هذه التشريعات من قبل المجلس)، وهو يعيّن المحكمة الدستورية ومجلس القضاء (بشكل مباشر أو غير مباشر)، ويعلن حالة الطوارئ دون العودة إلى مجلس الشعب، وهذه كلُّها خارج صلاحيات الرئيس في الدول الديمقراطية التي تتبع هذا النظام.
في الأنظمة «شبه الرئاسية» الحقيقية (مثل فرنسا)، إذا خسر حزب الرئيس الانتخابات البرلمانية، يُجبر الرئيس على تعيين رئيس وزراء من المعارضة في ما يعرف بظاهرة «التعايش/Cohabitation». أما في النسخة السورية المشوهة، فكان رئيس الوزراء موظفاً بدرجة «سِكرتير تنفيذي» لدى القصر الجمهوري
لكن لماذا أصرَّ نظام الأسد على هذا النموذج؟ ولماذا نرى هذا النموذج في كثير من الدول التي تحكمها سلطة مستبدة؟! باعتقادي أنّ تعيين رئيس مجلس وزراء منزوع الصلاحيات يجعله دريئةً بيد الرئيس، يحمله مسؤولية أي فشل، ليصبح أي نجاح من عمل الرئيس، وأي فشل ذنب رئيس الوزراء (محمود الزعبي، مصطفى ميرو، محمد ناجي عطري ونائبه الاقتصادي عبد الله الدردري نماذج عن تحميل الدكتاتور الحكومة ذنب أي فشل). وبالتالي، وبتشويه النظام شبه الرئاسي عبر منح الرئيس صلاحيات واسعة وغير مسبوقة، تُعطى للرئيسِ صلاحياتُ النظام الرئاسي دون أن يوضع في مواجهة الشعب لجهة الوضع الاقتصادي والخدمي.
ماذا عن الإعلان الدستوري؟
اعتمد الإعلان الدستوريّ نظامَاً رئاسياً للمرحلة الانتقالية، غير أنه لم يلتزم فصلَ السلطات بشكلٍ حاسم. فبرغم أن الرئيس لم يَعُد يملك صلاحية التشريع، خروجاً عن حالٍ استمر نصف قرن ونيف، نجده ما زال يعيّن المحكمةَ الدستورية، وثلثَ أعضاء مجلس الشعب، وبحكم استمرار القوانين لا يزال المهيمنَ على مجلس القضاء أيضاً. قد تشفع حقيقةُ أن المرحلة الانتقالية تتطلب نصوصاً دستوريةً استثنائية (ولا أرى مع ذلك سبباً لتعيين المحكمة الدستورية)، لكن هذا الأمر لا يجب أن يحدث في حالة الدستور الدائم. فأيُّ نظامٍ يجب أن نَحظى به؟
ربما كان النظامُ البرلماني الأكثرَ ديمقراطيةً وتمثيلية، لكنه قد يؤدي إلى عدمِ استقرارٍ في بلادٍ ليست فيها تقاليدُ حزبية، مما قد يُنتج عدمَ استقرارٍ في الحكومات، وتعدداً كبيراً في الأحزاب الممثلة في البرلمان بشكلٍ يخلق تشتتاً حكوميّاً وائتلافاتٍ غير مستقرة. وهناك الكثير من الدول ذات الأنظمة البرلمانية التي تعاني من عدم استقرار حكومي، كإيطاليا وبلجيكا وغيرها. رغم أن دولاً كالمملكة المتحدة وكندا لا تشهد مثل هذا النوع من عدم الاستقرار (بسبب النظام الانتخابي الذي يسهل وصول الأحزاب الكبيرة فقط). وربما كان النظامُ الرئاسي هو النظام المطلوب في بلادٍ غير مستقرة كبلادنا (علّها تكون قد استقرت بعد خمس سنوات)، لكن ما لم يحصل فصلٌ دقيقٌ وحاسمٌ للسلطات فإننا نعيد إنتاج الاستبداد مرةً أخرى. وقد يكون النظامُ شبه الرئاسي حلّاً بين هذا وذاك، لكن بعد إزالة الشوائب الهائلة التي علقت به خلال العقود المنصرمة.
لكن الأهمّ أن المطلوب ليس فقط تقليص صلاحيات الرئيس، ولا المطلوب تطبيق نظامٍ بعينه دون الآخر بوصفه الحلَّ الوحيد للوصول إلى الديمقراطية، بل المطلوب إعادةُ هندسةِ علاقةِ مؤسساتِ الدولةِ بعضِها ببعضٍ من جهة، وبينها وبين المجتمع من جهة أخرى، بحيث لا يوجد أحد فوق القانون، ولا حصانة لمؤسسة من الرقابة، ولا قرارَ يُتخذ باسم الشعب دون محاسبة، ولا تغوّلَ لسلطةٍ على أخرى.
النظام الرئاسي ليس «حكماً مطلقاً»، بل هو فصلٌ جراحي للسلطات يقوم على:
سلطة الجيب: الرئيس يخطط، والبرلمان وحده يملك قرار «التمويل» وصرف الميزانية.
التعيينات السيادية: كبار القضاة والوزراء لا يُعيّنون بقرار رئاسي منفرد، بل بموافقة البرلمان (النصح والموافقة).
الفيتو المتبادل: يملك الرئيس حق الاعتراض على القوانين، ويملك البرلمان حق "كسر الفيتو" بأغلبية خاصة.
الخلل السوري
تكمن المشكلة في استنساخ «صلاحيات الرئيس» وإهمال «أدوات الرقابة»، مما يهدد بتحويل النظام الرئاسي إلى دكتاتورية مقوننة