× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

لوحة "ثم ماذا" للفنان السوري الكبير لؤي كيالي - زيت على خشب

فليكن الصمت موقفاً: كيف «اغتالت» الدراما السورية الإنسان لصالح السياسي؟

المقهى - تلفزيون 02-04-2026

هل ما زال للمثقّف دورٌ في زمن السرديّات الجاهزة؟ وهل تستطيع الدراما أن تعكس تعقيد الإنسان، أم أنها تحوّلت إلى مجرّد صدى للسياسة؟ هذا المقال محاولة لمراجعة قاسية لأسئلة قديمة، وطرح أسئلة أكثر إلحاحاً عن معنى الكتابة، وحدودها… وربما جدواها

قبل أكثر من أربعة عشر عاماً، وتحديداً في تشرين الثاني 2011، حاولت من خلال مقالٍ تلمّسَ أسباب هجمةٍ كبيرةٍ، واتّهاماتٍ بالجملة طالت يومها «فئة المثقّفين». لم أدرِ، على وجه الدقة، من أطلق هذه التسمية، وبهذا التعميم، لكنني أذكر تماماً أنّ تلك الاتّهامات كانت تصدر عن طرفي الاستقطاب الحاد في سوريا، من مؤيّدين ومعارضين للنظامِ السّابق على حدٍّ سواء.

ذهبت في ذلك المقال مذهباً يكاد يكون مثاليّاً، وحاولت تحديد ملامح تلك «الفئة»، إن وافقنا جدلاً على التسمية، التي تحمل، بدرجةٍ كبيرة، مسؤوليةَ تظهير الوجه الحضاري لكل الأطراف. فالكتّابُ والفنّانون - من الجنسين - في المقام الأوّل «مواطنون ومواطنات» – يا لخيالي الطفولي – وبهذا فلكلٍّ منهم الحق بالتعبير عن موقفه/ـا الشّخصي بحرّيّة. بالتالي هي ليست فئةً متجانسةً صلبة، تصدرُ عنها بالضرورة مواقف موحدة. لكنّ ما يجمع أفرادها بالضّرورة، – يا للسّذاجة مرة أخرى – الانحياز إلى قيم الحق والخير والجمال، وإلى قيم الحرّيّة والعدالة والمساواة، فهُم (حتماً) مع المطالب المحقّة للشّعب، و(حتماً) ضدّ العنف وحمل السّلاح، وضدّ العنصريّة والتطرّف في أيِّ اتّجاه، سياسيّاً أم دينيّاً. ضد الإقصاءِ والتجاهل والهيمنة، ومع قبول الآخر وجوداً وفكراً. وعليه فقد حمّلتُهم، وربّما كان ذلك فوق طاقتهم، حمّلتهم مسؤوليّة استشراف أفق لمستقبلٍ أفضل. ووضع منهجيةٍ واضحةٍ للوصول إليه، تشكّل بوصلةً للسّياسيّين ولجمهورهم ومناصريهم على حدٍّ سواء.

مرآةٌ قاسية

بفجاجةٍ قاسية وضعني النتاجُ الدرامي لشهر رمضان الأخير، وجهاً لوجه أمام كلماتي في ذلك المقال. كشف بلؤمِ معلّمٍ صارمٍ قديمٍ طوباويّةً طفوليّةً رشَحَتْ من تلك الكلمات. وكأنني بالزمن يقولُ على لسان ذلك المعلّم بصوتٍ أجش: في سوريا؟! ويضحك.

كان يكفي أن أراقب ما تجودُ به «درامانا» عبر الأفواه الكبيرةِ المتغوّلة المسمّاة «شاشات رمضان» لأدركَ بُعدَ المسافةِ بين النظريةِ، كما كنّا نؤمنُ بها، وبين ممارسةِ الأمر الواقع دراميّاً.

أتفهّمُ تماماً حجم التحوّلات العنيفة التي أنهكت المجتمع السّوري، لا على المستوى السّياسي فحسب، بل وعلى صعيد وجوده أصلاً. وأتفهّم أنّ صناعةً كانت لترقى في مرحلةٍ من مراحلها الحديثة، ولو بجزءٍ يسيرٍ منها، إلى تجربةٍ تلامس سويّةَ العمق المطلوب في وظيفتها التحليليّة النقديّة، وجرأتها في بعض المفاصل، لن تبقى هي ذاتها بعد كل تلك التحوّلات. ما استوقفني حقيقةً ذلك التخلّي العلني والواضح، حدَّ الفجيعة، عن كلّ بعدٍ تحليليّ يسبر التعقيد الطبيعي في حياة البشر العاديّين الّذين يعانون سيرورةً طبيعيّة، فما بالك بحياةٍ مرّت بكل تلك المنعطفات العنيفة! لا أستطيع تقبُّل تسطيح ذلك البُعد إلى حدّ أغفلَ فيه كتّابٌ، ومخرجون، وصنّاعُ دراما كبار، بديهيّةً أخجلُ أن أكررها بعد كل تلك السّنوات من الصناعة الدرامية السّوريّة. بديهيّة أنْ «لا وجود لـ (الله) ولا لـ (الشّيطان) بمفهومهما المطلق المجرّد في الدراما».

لن نستطيعَ إدارةَ حوارٍ منتجٍ عبر ما نصنعُه من فن، إن غابت عنّا تلك البديهيّة. لأنّنا ببساطة نُحيّد نصفَ المحاورين المحتمَلين على أقل تقدير، في ابتعادٍ ملحوظٍ عن ذلك التعقيد الإنساني الذي كان في أوقاتٍ سابقة، أحد أهم نقاط قوة هذه التجربة.

معلومة مفيدة
«البُعد الثالث» في الشخصية الدرامية
في النظريات الكلاسيكية لصناعة الدراما، تُبنى الشخصية «المعقدة» على مبدأ الصراع الداخلي وتعدد الأبعاد (البعد الجسماني، الاجتماعي، والنفسي). غياب «التعقيد» الذي يشير إليه المقال يُعرف فنياً بـ «الشخصيات المسطحة/Flat Characters»، وهي الشخصيات التي تفتقر للتطور أو التناقض البشري الطبيعي، وتُستخدم أحياناً في الأعمال «الدعائية» لإيصال رسائل سياسية أو أخلاقية مباشرة ومبسطة

ضمير المثقّف، والسّلطة

تكفي نظرة موضوعيّة صادقة لتجعلنا نقف أمام حقيقةِ أن الملامح الطوباويّة لتلك الفئة، لم تكن يوماً ناصعةً بيّنةً كما ترويها النظريات. وإن أردنا قول ذلك بلغة أبسط، نجد أنّها ظلّت «نظريّاتٍ توصيفيّةً» لا غير. فلم تكن في يوم من الأيّام ممارسةً حقيقيّة. وبرغم بعض اللمحات المشرقة التي استطاعت، أو حاولت – تحت بندِ أضعف الإيمان – أن تحافظ على المسافة النقديّة الضروريّة بين المبدع والمثقّف، وبين التورّط في سرديّة الأقوى الواقعي، فقد بقيت الاستثناء الّذي يؤكّد القاعدة، ولا ينفيها. كنّا، وقتذاك، نبرّر الأمرَ بالقمع والتضييق وسلب الحرّيّات في زمن الدكتاتوريّة والحزب الواحد. وكم منّينا النفسَ أن تنفرجَ الأمور نحو فسحةِ حرّيّاتٍ تسمحُ لذلك الاستثناء أن يبدّل جلده ويصبح القاعدة.

تورّط كثير من صنّاع الدراما في سرديّة الأقوى، وتحوّل المبدع من فاعلٍ في تشكيل الوعي إلى جزءٍ من منظومةٍ ترويجيّة

منذ العام 2011 حتى نهاية العام 2024، تورّط كثيرٌ من – ربما معظم - صنّاع الدراما السّوريّة في «سرديّة الأقوى»، وجنح بعضهم إلى الالتفاف بذكاءٍ ليدلي بما يستطيع، وآثر البعض القليل الصمت، وهو ما أعتبره موقفاً أخلاقيّاً في تلك المرحلة. لكنّ ما لا أستطيع فهمه حقيقةً، هو ذلك الانتقال السّلس من التماهي مع سرديّةٍ إلى التماهي مع أخرى على حساب المسافة النقديّة التي تحدّثنا عنها. ظلّت المسافةُ تعوّضُ بالتبرير، وبقيت الشّهادةُ على الواقعِ المنحرف تُعوّض بالترويجِ له. ما اختلف فقط، هو غيابٌ شبه مطلق لمحاولاتٍ نقدية واعية، ولو عبر الالتفاف. وغيابٌ شبه مطلق لموقفٍ أخلاقيٍّ تمثّلَ يوماً بالصمت (أضعف الإيمان).

تخلّت الدراما بشكلٍ كلّيّ، أو كادت، عن التعقيد البشري، واختصرته في ثنائيّاتٍ تعيد إنتاج الخطاب السّياسي كما يريده الأقوى. وكأنّنا أمام صناعة محتوىً عبر وسائل التواصل الاجتماعي لا أكثر. وكأنّ المبدع والمثقّف غدا جزءاً من منظومةٍ ترويجيّةٍ تكرّس ذلك الخطاب وليس فاعلاً أساسيّاً في تشكيل الوعي.

غيابُ الأسئلة

مع كل الحرص على ألاّ يُفهم من الكلام انتقادي لصنّاع المحتوى، فهذا بحثٌ مختلفٌ قد نتطرّق إليه يوماً، غير أنني أقصدُ بوضوحٍ غيابَ الأسئلةِ الناظمة لعمل المبدع، ولأي نتاجٍ إبداعيٍّ، ولا سيّما النتاج الدرامي.

أسجّل، قبل دخولي في نقاش غياب هذه الأسئلة، أنني لست ممّن يناصبون العداء لتلك الأعمال التي تهدف إلى التسلية والمتعة، وفقط التسلية والمتعة، كهدفٍ نهائي، وإن كانت لتلك الأعمال أيضاً اسئلتها الخاصّة. أنا فقط أناقش هذا الإصرار على تناول واقع معقّدٍ بكلِّ ما فيه، كالواقع السّوري، بدون أساسٍ علميٍّ ومعرفي قائمٍ على أسئلةٍ تشكّل منطلقاً و(ناظماً)، كما قلنا، للنتاج.

ماذا؟ ولماذا؟ وكيف؟ هي الأسئلة التي أتحدّث عنها. 

  • ماذا أقول؟ وهو سؤالُ الموقفِ من الإنسان نفسه أساساً. بمعنى: هل يضيفُ ما أنتجهُ طبقةً جديدةً من الفهمِ للواقع الّذي أكتبُ عنه؟ أم يكرّس الفهم السّائدَ الّذي تحدّده السّرديّات الجاهزة، والقوالب المسبقة؟
  • ثمَّ، لماذا أقول؟ وأعتبره سؤالَ الضمير. بمعنى: هل أقول ما أقول لأنّ قوله ضروري؟ أم لأنّه آمن؟ هل هذا النتاج يعرّي، أو يقترب من تعرية الحقيقة؟ أم أنّه نتاجٌ في حدود المقبول؟ يعني باختصار: هل أكتب من منطلقٍ أخلاقيٍّ وأجدُ في نتاجي محاولةً لتشكيل وعيٍ حقيقي؟ أم أكتب منطلقاً من شروطٍ مسبقةٍ تضعها السّلطةُ، أية سلطة، أو تضعها السّوق؟
  • وأخيراً، كيف أقول؟ سؤالٌ يبدو ذا بعدٍ تقنيٍّ يتناول الشّكل. لكنّه، إلى جانب ذلك، يُعنى بتلكَ اللمسة التي تسمح لي بقولِ ما لا يمكنُ قوله، بأبسطِ طريقة. هذا ما أسمّيه: شيطانُ الفن.

هذه الأسئلةُ البنائيّة الثلاثة تسمحُ للعمل الإبداعي أن يثيرَ الرغبةَ في السؤال حول ما يتناوله، ويشكّل مادّةَ حوارٍ لدى المتلقّي، يحرّض على صياغة أسئلته الخاصّة، ومحاولة الإجابةِ عنها، وبالتالي المساهمة في تشكيل الوعي العام. وهو الجوهر الحقيقي لمغزى النتاج الإبداعي. نحن لا نتكلّم هنا عن جرأته، نحن نتكلّم بوضوح عن مبرّر وجوده أساساً.

فليكن الصمتُ بديلاً!

محاولة الإجابةِ عن الأسئلةِ الثلاثةِ السّابقة، وذلك النقاش المضني الّذي يجريه المبدعُ مع نفسه أوّلاً، ومع شركائه لاحقاً، قد تفضي إلى مواجهةٍ غير محسوبةٍ أو مرغوبة مع السلطةِ، أو مع سرديّةِ الأقوى الواقعي، يكونُ من أقل نتائجها الإقصاء، إن لم نتكلّم عن نتائج أشدّ وأقسى. هل أطلبُ من المبدع الانتحار بأحد المعاني؟ بالتأكيد لا.

ماذا أقول؟ لماذا؟ وكيف؟.. أسئلةٌ لا تُحدّد جرأة العمل الفني فحسب، بل تُقدّم مبرّر وجوده أساساً

في السياق، أسمحُ لنفسي أن أحيلَ المبدعَ المثقّف، والقارئ، على حدّ سواء، إلى سيرةِ مبدعٍ سوريٍّ كبيرٍ هو سعيد حورانية كمثالٍ ناصعٍ عمّا أريد قوله. لن أستعرض تلك المسيرة الحافلة التي تمثّل فيها المبدعُ قناعاتِه فكراً وممارسة، لكنني سأكتفي بموقفٍ فنّده هو نفسه في مقابلةٍ صحفيّة طويلةٍ وشهيرة مع عبد القادر الحصني وهاني الخيّر. حين اعتبر توقّفه عن الكتابةِ ردّاً وموقفاً ضدّ هزيمة حزيران/يونيو 1967 والأحداث بعدها. وبذلك غدا الصمتُ، لديه، موقفاً.

إن كان المبدع لن يستطيعَ الحفاظ على المسافة النقديّة بينه وبين الواقع القوي وسلطته، ولن يستطيع قول ما يريد، مستخدماً «شيطان الفن» بالالتفاف على الرقابة المفروضة من تلك السلطة أو السّوق، قد يغدو اللجوء إلى خياراتٍ تتناول واقعاً مغايراً أو مواضيعَ عامة، دون التورّط في نقاشات الواقع السّوريّ الشّائك، خياراً جيّداً. وقد يبدو خيار الصمت خياراً أخلاقيّاً في المتناول، يسجّل عبره موقفاً نقدياً قد تتأخّر قراءته، لكنّه سيُقرأ حتماً في المستقبل، ويقلّل اليوم، من احتمال مواجهةٍ تضافُ إلى المواجهات الواقعية العنيفة الحاليّة.

محكومون بالرؤية

مرةً أخرى، أبدو وكأنني أحمّل المبدع المثقّف فوق طاقته. وهذا ليس هدفي حقيقةً. أتفهّم تماماً أنّ صدمةَ انزياح ملامح شخصيّة المثقّف عن صورتها المثاليّة، لا تتعلّق به بوصفه فرداً فقط. بل تتعلّق بإشكاليّةٍ مركّبةٍ أفرزها الزمن، وربّما أنتجتها، بقصديّةٍ، عوامل عدة.

بالتأكيد لن أنسى التضييق على حرّيّة الإبداع. مسألة الحرّيّة برمّتها في واقعٍ كالّذي نعيشه اليوم وعشناه في الأمس كانت حاضرة في صناعة الانحدار. ولن أنسى القصديّة في صناعة التفاهة وتوجيه الرأي العام نحوها. ولن أنسى أننا في زمن السّرعة، حيث يبدو كل ما هو عاقلٌ وواعٍ بطيئاً وقاصراً عن اللحاق بركب الاستهلاك. ولعلّ غياب البعد النظري الّذي يدرس ويؤسس لنظريّة دراميّة محلّيّة منتجة، كان من أبرز أسباب ذلك الانزياح. يُضاف إلى ذلك، التشوّه الحاصل في القيم ومفهومها. هذا البعد المفاهيمي للقيم بحاجة بحث خاص، شأنه شأن كل العوامل التي ذكرتها. أدرك ذلك. لكنني أسارع بالقول إنّها عوامل ساهمت في تشويه ملامح شخصيّة المثقّف كما عرضت لها في مقال العام 2011 حتماً، لكنّها لا تصلحُ مبرراتٍ لنتاجنا الحالي كما ظهّرته لنا شاشات رمضان، ولا تعفي المبدع المثقّف من مسؤوليّته في أن يكون شريكاً حقيقيّاً في صناعة وعي مرحلةٍ من أخطر وأشدّ المراحل حساسيّةً من عمر سوريا وتاريخها.

المثقف_السوري_في_مواجهة_السلطة الدراما_السورية بيان_الحليب

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0