في آذار/مارس 2026، بريف حلب الجنوبي، وتحديداً في بلدة تل الضمان، قتلت فتاة على يد أخيها بعد هروبها مع شاب من عشيرة أخرى للزواج، ورغم تعهد والدها أمام كبار العشائر بحمايتها حسب ما ظهر في فيديو جرى تداوله، فالعباءة التي كان يُفترض أن تحميها غطت جسدها جثة هامدة، وجاءت الجريمة بحجة «غسل العار».
قد تختلف الأسماء والأماكن، لكن القصة ذاتها. نيسان/أبريل 2025 في منبج، بريف حلب الشرقي، يُظهر مقطع فيديو فتاةً ترجو أخاها ألا يقتلها، لكنه لا يأبه ويطلق الرصاص، هي رهف علوان، لحقت بأختها مها التي قتلها والدها قبل أيام، وذلك بعد تعرضهما للخطف على أيدي مجموعة من تجار المخدرات. رهف ومها شقيقتان سوريتان حُكم عليهما بالموت مرتين: مرة عند الخطف، ومرة بذريعة «غسل العار».
في السويداء، 20 كانون الثاني/يناير 2025، ليليان أبو سرحان، فتاة أخرى انضمت إلى قوائم الضحايا، بعدما أقدم والدها على طعنها اثنتي عشرة طعنة مزقت جسدها، وبعد أيام، كشف تقرير الطبيب الشرعي أن ليليان كانت عذراء.
أرقام لا تحكي كل شيء
كم سوريّةً تُقتل سنوياً باسم «الشرف»؟ في سوريا، لا توجد أرقام رسمية عن هذه الجرائم. كأن هذا النوع من القتل «يُدار بطريقة سرية»، وكثيراً ما تُدفن الرواية الصحيحة مع الضحية فيما تُسجل الجريمة «انتحاراً»، أو «موتاً إثر حادث ما»، أو قتلاً «عن طريق الخطأ». في آذار/مارس الماضي، مَثَل المواطن السوري «علي.أ» أمام المحكمة في مدينة شتادة بألمانيا، بتهمة التخطيط لقتل ابنته العشرينية. وقف ابن المتهم، وهو مراهق في عمر 17 عاماً، أمام المحكمة ليروي كيف طلب منه والده أن يقتل شقيقته رندا لأنها «لطّخت شرف العائلة» بتواصلها مع رجال. ووفق ما نقلته وسائل إعلام ألمانية عن شهادة الابن، قال الأب لابنه: «اضربها إلى أن تموت»، مضيفاً أن ذلك قد يبدو للآخرين وكأنه قتل غير متعمد. حين رفض الابن، اتهمه الأب بأنه «لا يملك شرفاً»، لكن الشاب لم ينفذ الجريمة، بل ذهب إلى الشرطة.
«قد تتعرض فتاة للتحرش في الشارع، فتُعاقب في المنزل على يد أبيها أو أخيها، جرائم القتل لا تبدأ بشكل مفاجئ، هناك عنف يومي يسبقها، لكن المجتمع يتغاضى عنه»
تحاول بعض المنظمات الحقوقية المستقلة سدّ الفراغ. بين العامين 2019 – 2022 وثّقت «سوريون من أجل الحقيقة والعدالة»، بالتعاون مع منظمتي «مساواة» و«سارة»، ما مجموعه 185 جريمة قتل بذريعة الشرف، في مناطق مختلفة من سوريا، كما وثقت 20 حالة قتل من جرّاء عنف منزلي، و561 حالة ضرب وإيذاء جسدي.
عربياً، تشير تقديرات هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن جرائم القتل المرتبطة بـ«الشرف» في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تراوح بين 500 - 1000 حالة سنوياً، أما عالمياً، فتقديرات الأمم المتحدة تتحدث عن مقتل 5000 امرأة سنوياً في «جرائم الشرف»، فيما تشير منظمات حقوقية إلى أن الرقم الحقيقي قد يصل 20000 سنوياً.
أيُّ شرفٍ؟ وأيُّ قانون؟
تشرح الأخصائية النفسية الدكتورة لانا السعيد، لـ«صوت سوري» أن «الشرف من منظور نفسي، هو صورة الإنسان عن نفسه أمام المجتمع»، غير أن المشكلة تبدأ عندما يتحول مفهوم «الشرف» أداة للهيمنة الذكورية، ويُربط بسلوك الآخرين، لا بسلوك الفرد نفسه. هذا الارتباط، وفق السعيد «تَشكّل تاريخياً بسبب نظام اجتماعي أبوي يضع الرجل في موقع الحماية والسيطرة، ويُسقط مسؤولية السمعة العائلية على جسد المرأة».
تشير الأخصائية إلى فارق جوهري «بين العار الحقيقي: وهو خطأ أخلاقي أو قانوني يرتكبه الشخص نفسه، والعار المتخيل: وهو الخوف من كلام الناس»،
وتؤكد أن «معظم جرائم الشرف تحدث بسبب العار المتخيل، والخوف من النبذ الاجتماعي الذي قد يكون أقوى من المشاعر العائلية نفسها».
من جهتها، ترى الناشطة النسوية سوسن زكزك أن المشكلة أعمق من الفرد، فـ«هناك أسباب متعددة تدفع الأهل لقتل بناتهم، أولها شعور الرجال بأنهم يمتلكون هؤلاء الفتيات، وأنهم وحدهم من يحق لهم التحكم بقراراتهن، هذا ناتج عن عادات وتقاليد قديمة، لم تعمل الحكومات المتعاقبة على تغييرها، سواء عبر الإعلام أو المناهج المدرسية».
«المشكلة تبدأ عندما يتحول مفهوم «الشرف» أداة للهيمنة الذكورية، ويُربط بسلوك الآخرين لا بسلوك الفرد نفسه. ارتباط تَشكّل تاريخياً بسبب نظام اجتماعي أبوي يضع الرجل في موقع السيطرة»
تتوقف زكزك عند ظاهرة لافتة، إذ «تحمل بعض الأمهات العقلية الذكورية نفسها، ويتفاخرن عندما تُقتل فتيات العائلة، باعتبار أن العائلة "غسلت عارها" والمجتمع كثيراً ما يتعاطف مع القاتل، لأنه لا يزال يحمل العقلية نفسها».
كما تشير إلى أثر الخطاب الديني، فبعض المتحدثين باسم الدين يُغذّون هذه النزعات، عبر جمل مثل: «أنتم مسؤولون عن بناتكم، ضبوا بناتكم»، وتضيف: «هذه الكلمات خطيرة، لأنها تدفع الذكور إلى التمسك بشعور تملك حياة النساء».
أما المحامي محمد الدرساني، فيشرح الإطار القانوني. يقول: «في 2020 صدر المرسوم التشريعي 2 الذي ألغى المادة 548 من قانون العقوبات بشكل نهائي، هذه المادة كانت تعفي أو تخفف عقوبة من يقتل امرأة من محارمه إذا ضبطها متلبسة "بالزنا"، وإلغاؤها كان خطوة مهمة لأنه أزال غطاءً قانونياً مباشراً».
لكنه يحذر من أن إلغاء تلك المادة ليس كافياً، فهناك مواد أخرى «قد تُستخدم للتخفيف، أخطرها المادة 192 التي تسمح بتخفيف العقوبة لوجود "الدافع الشريف" الذي يعتمد على تقدير القاضي الشخصي، وأيضاً الأسباب المخففة التقديرية، مثل الاستفزاز أو الغضب الشديد، يمكن توظيفها لصالح القاتل في هذه القضايا».
ربما غداً...
ترى سوسن زكزك وجوب صدور قانون خاص بحماية النساء من العنف، ليس فقط الأسري، بل في الفضاء العام أيضاً. تقول: «أحياناً تتعرض فتاة للتحرش في الشارع، فيكون عقابها في المنزل على يد أبيها أو أخيها، جرائم القتل لا تبدأ بشكل مفاجئ، بل هناك عنف يومي صغير يسبقها، لكن المجتمع يتغاضى عنه».
أما الدكتورة لانا السعيد، فترى أن الحل يبدأ من البيت ومن المدرسة. تقول: «يجب ألا يكون هناك تمييز بين الصبي والبنت في المنزل. المناهج التربوية، والدراما، والإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، كلها يجب أن تشارك في التوعية لمواجهة هذه الظاهرة، فالقاتل ليس وحده المسؤول، بل المجتمع بأكمله الذي ينتج هذه العقلية».
من التالية؟
في 8 آذار/مارس 2026 كان العالم يحتفل باليوم العالمي للمرأة، وفي تل الضمان، كانت أسرة تحتفل بقتل ابنتها. في منبج، اعتقدت رهف ومها أن الخطف هو الأسوأ، لتكتشفا أن العائلة قد تكون أخطر من الخاطفين. وفي السويداء، استُبيحت براءة ليليان باثنتي عشرة طعنة.
أما «مريم التالية»، التي لا نعرف اسمها بعد، قد تكون في أي مكان من سوريا، ولا أحد يدري متى يحل دورها، فيزعم أحد ذكور العائلة أنه «غسل عاره بدمها».
السؤال الذي لا يجيب عنه أحد: أي شرف هذا الذي لا يطالب صاحبه بشيء، سوى أن يكون جلاداً؟ وأي مجتمع هذا الذي يبحث عن شرفه في جثث نسائه؟