× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

صورة أرشيفية من حراك «تجمع نبض» في دمشق (كانون الثاني 2012)

من إرث التكتم إلى العلانية الرقمية: هل تُكسر الصورة النمطية للعلويين؟

حكاياتنا - خبز 07-04-2026

عقود من التكتم خلف جدران الجبل، كسرتها شاشات الهواتف الذكية. من الحلفان العفوي بـ «الشغموسة» في أزقة دمشق، إلى «تريندات» الساحل وصناعة المحتوى؛ هل تنجح عفوية «البرغل بحمص» ولهجة الجبل في تفكيك الربط القسري بين الطائفة والنظام؟ قراءة في الانفجار العلوي الرقمي ومحاولات أنسنة الهوية بعيداً عن القوالب الأمنية

«نفسي بجدّ أشوف حدّ علوي»..  

تعليقٌ لشاب مصري على مقطع فيديو يضم صوراً من تراث الساحل السوري، مرفق بصوت سهير صالح تغني «عالقوزلة يا حنا». حدث ذلك في آذار/مارس الماضي، وكانت مواقع التواصل الاجتماعي وقتذاك تضج بالحديث عن مجازر الساحل السوري. 

استوقفني التعليق حقاً، هل يتوهم هذا السائل، ولو للحظة، أن السوري العلوي كائن قادم من كوكب آخر، خارج حدود الملامح البشرية المألوفة؟!

تكلّم كي أراك

تعود بي الذاكرة إلى دمشق 2009، حين كنت أتجنب الكشف عن طائفتي بحسب التوصيات، إلى أن فضحتني لحظة حماس أقسمت فيها: «وحق الشغموسة»، أتذكر ملامح التعجب في وجوه زملائي وزميلاتي، وبالتأكيد أتذكر تأنيب أصدقائي الذين يعرفون أن «الشغموسة» ليس إلهاً آخر، إنما تحوير لاسم «الشيخ موسى» وهو اسمٌ مزار اعتدت، على سبيل العادة اللغوية، أن أقسم به. أذكر أنني فكرت بأن أوضح الأمر وأشرحه للبقية، فوبخني صديق: «بدك يفكرونا عن جد منعبد الأصنام؟».

قد يكون من المجحف لوم الآخر على جهله في ظل غياب المعلومة، فالصور النمطية كما يخبرنا ماهر راعي (ماجستير في علم الاجتماع) حاضرة، و«لا يبرأ منها حتى أكثر الشعوب تطوراً، ألا ينظر كثرٌ في الغرب إلى كل مسلم على أنه جهادي؟». يرى راعي أن هذا يعود إلى «ميل البشر إلى الاستسهال والولع في الاختزال والتصنيف، وهي نزعة تشتد حين يكون الآخر بطبيعته متقوقعاً، فتزداد الأقاويل التي تحمل طابعاً اتهامياً». ويشبه الأمر بجيران «اعتادوا غلق شبابيهم دائماً، فنادراً ما نلمحهم، مما يفتح الباب واسعاً للتخمينات».

«يعبدون الأصنام»، و«يؤلهون الإمام علي»، و«يتبادلون الزوجات». وعشرات الاتهامات الأخرى التي التصقت بالعلويين، وكان للتكتم دور أساسي في ترسيخها.

يُعدّ هذا التكتم سمة من سمات الطائفة العلوية، بوصفها جماعة دينية ذات طابع باطني غير تبشيري، لا تتيح الانتساب إليها أو الاطلاع على تعاليمها لمن هم خارجها. كما يرتبط ذلك بمحاولات تاريخية لإخفاء الهوية الدينية وتجنب المجاهرة بالممارسات الخاصة. ويُعزى السلوك، بحسب سرديات تاريخية متداولة، إلى فترات لجأ فيها العلويون إلى المناطق الجبلية هرباً من الاضطهاد في العهد العثماني، واستمر بدرجات متفاوتة حتى خلال فترة حكم عائلة الأسد. فلم يكن شائعاً الإعلان عن الطقوس الدينية الخاصة خارج البيئات المغلقة اجتماعيّاً.

في المقابل، عمل حافظ وبشار الأسد على تهميش المرجعيات الدينية العلوية لمصلحة مؤسسات السلطة العسكرية والأمنية، مع الحرص على الظهور ضمن الإطار الديني السائد في المجتمع، من خلال المشاركة في مناسبات دينية عامة، وأداء مناسك الحج، وتقديم الانتماء إلى العروبة بوصفه إطاراً جامعاً يتجاوز التصنيفات الطائفيّة.

مع غياب صورة واضحة عن الطائفة في المجال العام، بالتزامن مع سياسات التجنيد التي فُتحت أبوابها أمام الشباب العلوي في الجيش والأجهزة الأمنية مع غياب أي تنمية حقيقية عن الساحل السوري، ترسخت لدى قطاعات من المجتمع السوري صورة نمطية تختزل الطائفة في تمثيل عسكري وأمني، وهي صورة تبسيطية لا تعكس التنوع الاجتماعي داخلها.

«الانفجار» على منصّات التواصل

بعد سقوط النظام السابق، وجد كثير من أبناء الطائفة أنفسهم يدفعون ثمن الجرائم المرتبطة بنظام الأسد، إضافة إلى الأحكام المسبقة المتراكمة عنهم. وقد سقط آلاف الضحايا من المدنيين في أحداث العنف التي شهدها الساحل السوري في آذار/مارس 2025، فضلاً عن حوادث متفرقة في مناطق أخرى.

أصرّ الأسدان على تهميش المرجعيات الدينية العلوية لصالح السلطة العسكرية والأمنية، لترسخ في الأذهان صورة نمطية تختزل الطائفة برمّتها في خانة أدوات الدكتاتورية

بالنسبة إلى كثيرين داخل الطائفة، أعادت هذه الأحداث إحياء مخاوف وجودية عميقة، وشعوراً بتهديد جماعي، ما دفع إلى أشكال من التكاتف الداخلي، رغم غياب مرجعية دينية موحّدة.

في هذا السياق، يوضح ماهر راعي أن «ما حدث دفع كثيرين إلى مراجعة أسئلة الهوية والانتماء. فمن الطبيعي، حين تتعرض جماعة ما لتهديد، أن يتعزز الشعور بالانتماء الداخلي في مقابل ما يُنظر إليه بوصفه خطراً خارجيّاً».

ويضيف أن هذه الديناميات تفعّل آليات التماسك والدفاع الجماعي «في محاولةٍ للبحث عن عناصر قوة مشتركة تخفف من مشاعر الخوف والقلق، وتمنح الإحساس بالقدرة على الصمود» مشبهاً ذلك، من حيث آليات التضامن، بعمل خلية النحل.

لم يأتِ ردّ الفعل، هذه المرة، على شكل هروب أو تَخفٍّ، بل على شكل إشهارٍ ومجاهرةٍ بالهوية، سواء في الواقع أو، بشكل أوضح، في الفضاء الرقمي. وقد لعبت منصات التواصل الاجتماعي دوراً بارزاً في إتاحة مساحاتٍ أوسعٍ للتعبير، ما سمح بظهور أصواتٍ علويةٍ بصورةٍ غير مسبوقة.
تُظهِرُ متابعةٌ سريعةٌ للمنصات الأكثر استخداماً في سوريا ازدياداً ملحوظاً في عدد صنّاع المحتوى من أبناء الطائفة خلال العام الأخير، إلى درجةٍ بدا معها حضورهم، مقارنةً بسنواتٍ سابقة، أشبه بـ «انفجار» في الظهور العلني.

عن أسباب هذا التحول، يقول ماهر راعي: إن «عصر تدفق المعلومات والصور يجعل من الطبيعي أن تسعى مختلف الجماعات إلى تثبيت حضورها، سواء قُدّم هذا الحضور بصورة إيجابية أم سلبية، والعلويون جزء من هذه الديناميات».

ويضيف أن هذه الظاهرة ترتبط بما يسميه علم الاجتماع «مجتمع المعرفة»، إذ تتجه المجتمعات إلى كشف المسكوت عنه وتداول المعلومات على نطاق واسع، وهو ما أسهم في تشكل مقاربات مختلفة لدى الأجيال الشابة، تميل إلى الانفتاح بدلاً من التكتم الذي طبع مواقف أجيالٍ سابقة.
وبرغم تناول الطائفة العلوية في العديد من الدراسات الأكاديمية، بما فيها أعمال مستشرقين، فإن كثيراً من الالتباسات لا تزال تحيط بعقيدتها. وفي هذا السياق، يحاول بعض صنّاع المحتوى استخدام منصاتهم لتقديم روايات تعريفية أو تصحيح ما يرونه مفاهيمَ مغلوطة.

يقول راعي إن «سهولة الوصول إلى الكتب والمصادر، إلى جانب انتشار محتوى يتضمن أخطاء أو قراءات متشددة تصل أحياناً إلى التكفير، شكّل دافعاً لدى بعض الشباب لمحاولة تقديم قراءات توضيحية، كلٌّ من موقعه».

كما يشير إلى وجود تيار بين بعض المثقفين يقدّم العلوية بوصفها هوية ثقافية ذات جذور محلية عميقة، تفاعلت تاريخياً مع محيطها الديني والثقافي، في محاولة لتأكيد حضورها ضمن السردية التاريخية والاجتماعية السوريّة.

تحطيم «البرواز»

على صعيد «الميديا»، كانت المشاهد التي صوّرت الأحياء الفقيرة في القرداحة وسائر أنحاء الساحل السوري أول حصاة تكسر إطار الصورة النمطية المرسومة. 

تنبّه كثيرون إلى الخوارزميات والاهتمام الافتراضي بهذا النوع من المحتوى، الاهتمام المدفوع، حسب علم الاجتماع، بنزعة التجسس اللطيفة والحميدة تجاه أي حالة مغلقة، فركبوا قطار صناعة المحتوى بدوافع عديدة، لا تبرأ من الشهرة وتحقيق الاقتصاد الرقمي.

معلومات مفيدة من معجم التراث الساحلي

عيد القوزلة: عيد شعبي يرتبط بالطبيعة والخصب، يُحتفل به بإشعال النيران وطبخ البرغل بحمّص".

خبز الميلادي: نوع من الخبز التراثي يُصنع في المناسبات الدينية والاجتماعية الكبرى.

عيد البربارة: مناسبة تشترك فيها العديد من المكونات السورية، وتتميز بتحضير أطباق القمح المسلوق والمكسرات.

شيئاً فشيئاً بدأت العادات المرتبطة بالجغرافيا بحد ذاتها أكثر من ارتباطها بالإثنية بالظهور، ولعب الوضع الاقتصادي المتردي في الساحل وبقية المناطق السورية دوراً مهماً في انتشارها: أطباق الطعام البسيطة بمواجهة الكاميرا، وفي الخلفية تُشرح الخطوات باللكنة الساحلية الثقيلة، المستمدة خشونتها من وعورة المكان، ثم شيئاً فشيئاً، وفي سياق تقديم اليوميات ومواكبة «التريند» واجتذاب المشاهدين، ازداد حضور نار «القوزلة» و«خبز الميلادي» والبربارة، وأُخذ المتابِعون والمتابِعات في نزهاتٍ لـ «نَبْرِ» الجوز وقطاف السماق ولمّ الزيتون واستكشاف المغر وصناعة مقالي الفخار والمواقد. 

هكذا أصبحت مهنة صناعة المحتوى سبباً في جعل حرف القاف ومواويل العتابا وأبو الزلف أكثر ألفةً، وطريقة لأن تؤثر الأغنيات الجبلية الساحلية في الآخر بصورة أعمق من إضحاكه أو دفعه للدبكة. ومن ثمّ صاحبة فضل - بقصد أو بغير قصد - في تراجع صورة الجانب العسكري والأمني، وتركيز الضوء على الجانب الإنساني، وبالتالي «فك الرباط المدنس بين الطائفة العلوية والنظام الأسدي للنجاة من تبعاته المرعبة» بحسب راعي.

هل يسمع «الآخر»؟

السؤال الأهم الذي يطرح نفسه هنا: هل يمكن أن تؤثر عملية الاستعراض هذه في الآخر برغم وجود صورة سلبية مسبقة ومعممة عن مكونّ كامل؟ هل يمكن لصناعة المحتوى أن تُصدر صورة حقيقية تخفف عمق الهوّة؟ يجيب راعي: «لست متأكداً من الآخر الذي تقصدينه! أياً يكن هذا الآخر، أعتقد، نعم ثمة تأثير إيجابي سيحصل على مستوى تراكمي وطويل الأمد، ليغير الصورة النمطية السائدة، أما الآخر الذي اتخذ موقفاً اتهامياً وانتقامياً نهائياً، فمن المؤكد أنه لن يرى إلا ما في رأسه».

المرء عدو ما يجهل، و«الانفجار العلوي» في صناعة المحتوى، برسائله المباشرة وغير المباشرة، قادر على أن يسهم في فسحة تنويرٍ تقدم صورةً حقيقيةً عن هذا المكوّن، فتعرّف الآخر به وتقربه منه بفطرته الإنسانية، والتعويل كله اليوم على وعي المتلقين، قدرتهم على القبول، والأهم من كل ذلك الإصغاء بانفتاح ودون أحكام مسبقة.

مراجع

  • وورن،تورشين، العلويون الخوف والمقاومة، ترجمة ماهر الجنيدي، مركز حرمون للدراسات المعاصرة،2018.

  • غولد سميث، ليون، دائرة الخوف – العلويون السوريون في الحرب والسلم، ترجمة عامر شيخوني، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت 2016.

  • بطاطو، حنا، فلاحو سوريا، ترجمة عبد الله فاضل ورائد النقشبندي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت 2014.

الصور_النمطية_في_سوريا التنميط_الطائفي العلويون_في_سوريا

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0