× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

لقطة من لوحة فنية تعبر عن العرس الشعبي في محافظة السويداء عام 2020 / صفحة "هنا السويداء" على فايسبوك

السويداء ما بعد حمّام الدم.. أعراسٌ بلا زغاريد

حكاياتنا - خبز 11-04-2026

في السويداء تغيّرت الطقوس.أشجار الزيتون قطفها غرباء، ومن لم يمت من أصحابها تحتها، مات قهراً في منفاه الاضطراري. لا مواسم معتادة للتفاح، لكن الزيجات ما زالت تُعقد، مع تغيير جوهري: بلا زغاريد ولا مظاهر فرح. ربما الولادات المنتظرة بعد أشهر قد تعيد بعض الأمل.

«لا تقطعوا ظهرنا. ضبّوا اللي فيكن عليه واطلعوا فوراً على المدينة. ونحن منلحقكن».

حملت عبير حقائب عدة، كانت قد أعدّتها لـ«جهاز» عرسها، ذلك الحلم المؤجل الذي لم تعد تعرف متى سيأتي. ومع صدى صوت شقيقها، راح ذهنها يستعيد الأشياء التي طالما حلمت أن تضعها في خزانة بيتها الجديد، من دون أن تلتفت إلى أي شيء آخر. 

لم تكتشف أنها غادرت بثيابها فقط، إلا عندما وصلت إلى كنيسة المدينة مع نساء القرية.

كان وقع المعارك يشتد صباح 15 تموز/يوليو 2025، لا أخبار عن الذين حاولوا حماية بيوتهم وأراضيهم، لاحقاً تبيّن أن كثراً منهم ابتلعتهم المجازر. 

في ركنٍ لم يشغله المهجرون بعد، فرَدَتْ عبير «جهازها». ومع كل قطعة كانت تتدفق الحكايات والذكريات. هنا الفستان المزركش الذي حاولت والدتها ثنيها عن شرائه، وفي تلك الحقيبة السوداء تبرز القطع الخفيفة التي لا يصح أن تظهر للعلن، وقد أحاطت بها، مصادفةً، هدايا المناسبات السنوية المعتادة. لكن عقلها ظل معلقاً عند خطيبها وأشقائها الذين تركتهم خلفها في القرية، بينما كانت أصوات الانفجارات تصلها كأنها احتفالات بعرس بعيد.

لا أعراس بعد اليوم. هكذا أنهت شرودها، ثم التحقت بالنساء في البهو الكبير، علّها تجد تخميناً لما يمكن أن يحدث.

اكتظّت المدينة بالهاربين والهاربات من الموت، واستنفرت الأرواح استعداداً لملاقاة مصيرٍ ما. كان الخوف (الأزلي) على الإناث هو الهاجس الأكبر. ففي كل الحروب، منذ أن سيطر الذكور على الأرض، كانت النساء الأداة التي يُذلّ عبرها الرجال. فلا حقوق الإنسان، ولا الحريات، ولا المواثيق الدولية انتصرت، ولا النسوية حصدت أكثر من مقاعد ترضية، قد تتحول مع الزمن إلى وبال على صاحباتها.

عاد عدد من الشبان بعد أن احتُلّت قراهم، بينما اختفى كثيرون حتى الآن. منهم من صار في عداد المغيّبين، ومنهم من سُجّل في قوائم المفقودين، ومنهم من بقي جثة هامدة قرب بيته، بعدما رفض أن «يترك الحصان وحيداً».

كانت لحظات تختلط فيها الصور: موت وحياة، صراع بين النجاة والهروب، عويل عميق على الفقد، وزغاريد لمن سقطوا بين أشجار الزيتون.

بحثت عبير، التي انتقلت مع أمها إلى غرفة في مركز إيواء، عن أشقائها وخطيبها. مشاعر مختلطة من الخوف والشوق والترقب. ثم علمت أن صاروخاً موجهاً حصد عدداً كبيراً من أبناء قريتها. لم تعرف أسماء الضحايا، كل ما عرفته أن جارها الطيب بشار وولديه، قد رحلوا، واحتارت كيف ستواجه زوجته وابنته الوحيدة.

عندما عاد خطيبها ليلاً، معفّراً بالتراب والدماء، كادت أنفاسها تتوقف. كاد أن يُغمى عليها وهي تراقب صدره وذراعيه، لكن والدتها منعتها من الاقتراب، وهمست لها أن تبحث عن أشقائها. فجأةً، ارتفعت أصوات الجوفيّات في الليل. حداءٌ أيقظ المدينة من وَجَلِها. مشهدٌ لا يشبه طبيعة الناس في عصر «التغريدة». فهذه ربما كانت معركتهم الأولى، وربما الأخيرة!

مئات الزيجات سُجّلت بعد المجازر، رغم عدم اكتمال الإجراءات القانونية، إذ عاد الدروز إلى الطريقة التقليدية في عقد القِران: شيخ مكلّف يحمل دفتره، وشيخٌ وكيلٌ للعروس، وآخر وكيل للعريس، ومجموعة صغيرة من الأهل، من دون مراسم

قبل مئة عام تماماً، كانت الخيول تصهل، والسيوف تلمع في مواجهة عدو واحد. يومها أخرج سكان هذا الجبل بيارقهم المزركشة، وباعوا مقتنياتهم لشراء السلاح، زحفوا خلف رجلٍ واحدٍ وهدفٍ واحد، غير آبهين بالموت. كان «حامل البيرق» يسير في المقدمة، وخلفه عازف المجوز، وشاعرٌ يرتجل القصائد من شغاف قلبه. وبعد أشهرٍ من المعارك، صار ذلك الاستعراض حديث المضافات كل ليلة على ضوء «اللوكس». آنذاك كانت مراسم الزواج تمتد لياليَ عديدة بكل بهائها، وكأن العريس ذاهب إلى حربه الأخيرة.

عندما صمتت حناجر الرجال، وزغاريد النساء، تقدّم وسام نحو والدة عبير ليخبرها برغبته في إتمام الزواج. وافقت الأم على الفور، مشترطة عودة أبنائها، وهو ما تحقق في اليوم التالي. ثلاثة شيوخ، وبضع شهود، وبيت صغير رُتّب على عجل تبرع به أحد سكان المدينة. لكن عبير لم ترتدِ فستانها.

مئات الزيجات سُجّلت خلال فترة ما بعد مجازر تموز/يوليو، رغم عدم اكتمال الإجراءات القانونية، إذ عاد الدروز إلى الطريقة التقليدية في عقد القِران: شيخ مكلّف يحمل دفتره، وشيخٌ وكيلٌ للعروس، وآخر وكيل للعريس، ومجموعة صغيرة من الأهل، من دون مراسم.

كانت تلك ردة فعل تلقائية في مواجهة الموت، دون حسابات أو تخطيط. من كان مقتدراً دفع ما كان ينوي إنفاقه على الزواج لصالح مراكز الإيواء ودور الرعاية الاجتماعية.

لم تكن حالة عبير استثناءً، فخلف أبواب مراكز الإيواء، كانت الحياة تصرّ على الاستمرار. وبينما أُغلقت المحكمة الشرعية أمام الإجراءات القانونية المعتادة، وثّقت نقابة الأطباء عن طريق (عيادة الفحص الطبي ما قبل الزواج) 1918 واقعة زواج خلال العام 2025، باستثناء شهري تموز/يوليو وآب/أغسطس اللذين حملا رائحة الموت. ومنذ بداية العام 2026، حتى نهاية آذار/مارس سجلت 430 تقرير زواج، أما في العام 2024 فكان العدد 2569 تقرير زواج.

اليوم تبقى مئات الحالات التي اكتفت بتسجيل زواجها في مكتب عين الزمان (دار الطائفة)، أو لدى المشايخ المعتمدين، بانتظار استكمال التسجيل القانوني.

مضت تسعة أشهر على حمام الدم من دون أن يبرد الجرح، لا يزال العرسان يخجلون من صوت الزغاريد. لا شيء يستدعي البهجة مع تلك الصور التي ملأت الشوارع والساحات لشبان وشابات سقطوا بلا ذنب، ولا لأولئك الذين لم يعودوا بعد، من نساء ورجال.

الزواج_في_السويداء مجازر_تموز الزواج_عند_الموحدين_الدروز

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0