«شميت ريحة بالجو مو لطيفة»، «بتحس وإنت واقف فوق ع قاسيون أو بالمزة 86 الخزان العالي أو على شيء سطح بركن الدين في طبقة هيك مدري كيف فوق الشام»، «مرة وأنا ماشي بجرمانا حسيت ما بقي أوكسجين»، «خلينا نطلع برا الشام شوي نتنفس»...
هذه بعض العبارات التي يمكن التقاطها من أحاديث الناس بين وقت وآخر، في دمشق، وغيرها من المدن السورية. تعكس هذه الانطباعات الشعبية شعوراً متزايداً بوجود مشكلة حقيقية في جودة الهواء، لكننا لا نستطيع عن طريق الحواس أن نقيس نسبة التلوث أو الجودة.
تُعرّف جودة الهواء بأنها: مدى نقاوته وخلوه من الملوثات القابلة للقياس ضمن مؤشر جودة الهواء (AQI).
ماذا نستنشق نحن من هذه المكونات؟ وهل نعيش في سوريا تحت طبقة هواء جيدة أم سيئة أو ربما خطرة؟
جودة متقلّبة
كثيراً ما يُظهر موقع accu weather، الذي يقيس جودة الهواء حسب المؤشر العالمي، أن جودته في سوريا سيئة، وأحياناً (خاصة في أيام العطل الرسمية حين تنخفض حركة المركبات) تكون مقبولة إلا بالنسبة من تظهر عليهم أعراض وأمراض الحساسية.
لنفهم ما نستنشقه، يفرق الباحث في الأرصاد الجوية شادي جاويش بين نوعين رئيسيين من الملوثات:
- ملوثات البيئة والمُناخ: غازات الدفيئة هي أهم ما يغير البيئة والمناخ، وتتمثل في: غاز ثاني أوكسيد الكربون CO2، والميثان CH4، وأكسيد النيتروز N2O.
- ملوثات الهواء: وهي التي يُقاس تركيزها مباشرة لتقييم جودة الهواء، وتتمثل في الجسيمات الدقيقة (PM2.5 وPM10)، والأوزون O3، وثاني أكسيد النيتروجين NO2، وثاني أكسيد الكبريت SO2، وأول أكسيد الكربون CO.
يوضح جاويش أن هناك ترابطاً كبيراً بين مخاطر التغيرات المناخية وتلوث الهواء وجودته وانخفاضه، مشيراً إلى أن خطورة تلوث الهواء لا تقتصر على الخارج، بل تمتد للداخل حيث الأبنية والمنازل التي تحتوي على ملوثات كثيرة مثل العفن والجراثيم والمواد الكيميائية.
يشرح الباحث في الأرصاد قائلاً: «يجب ألا يزيد تركيز PM2.5 عن 5 ميكروغرام في المتر المكعب خلال عام، وفي الوقت نفسه يجب ألا يزيد PM2.5 عن 15 ميكروغرام في المتر المكعب خلال يوم واحد، بمعنى أن الجسيمات الدقيقة العالقة في الهواء التي لا يتجاوز قطرها 2.5 ميكرومتر، وبسبب حجمها الصغير تستطيع التغلغل العميق في الرئتين والوصول إلى مجرى الدم».
الرياح لاعب حاسم
يصنف المؤشر العالمي للهواء (AQI)، الذي يقيس مستويات الملوثات في الهواء، إلى أرقام تراوح بين (0 – 500)، أو (0- 10) في أنظمة أخرى، وتتدرج هذه الأرقام من جيدة إلى خطيرة مروراً بغير صحية جداً، معتمداً على قياس (PM2.5) أي الجسيمات الدقيقة التي تنتشر في الهواء.
لا يقتصر تلوث الهواء على الخارج، بل يمتد للداخل حيث الأبنية والمنازل التي تحتوي على ملوثات كثيرة مثل العفن والجراثيم والمواد الكيميائية
تؤثر في هذه الجودة عوامل عديدة تتمثل مثل أحوال الطقس (سرعة الرياح، اتجاهها، الرطوبة)، والإشعاع الشمي، وحرائق الغابات، وعواصف الغبار، وانبعاثات الغبار الناتجة عن الزراعة أو حركة المرور، والعمليات الفيزيائية والكيمائية في الغلاف الجوي، وفقاً للباحث في الأرصاد الجوية محمد النفوري.
لكن غالباً ما تكون الرياح وسرعتها هي اللاعب الأكثر تأثيراً في جودة الهواء، فتعمل على تشتيت الملوثات خارج المنطقة، وتقليل تركيزها أيضاً، لكن يمكن أن تشكل الجغرافية تحدياً كبيراً للرياح، عندما لا تكون قادرة على الارتفاع فوق الجبال.
لا مقاييس سورية
يلفت الباحث جاويش إلى عدم توافر قياس دقيق لجودة الهواء في المدن السورية، لكنه يتوقع أن «المناطق الشرقية من أكثر المدن التي تنخفض فيها جودة الهواء، بسبب مخلفات التكرير العشوائي للنفط».
ويضيف: «لا يمكن أن ننفي انخفاض جودة الهواء في الساحل والداخل بعد تكرار حرائق الغابات والحراج على مدار سنوات»، منوهاً بتأثير الحرائق ليس فقط من الدخان المنبعث بل تبعاته من خلال الهباء الجوي الذي ينتقل في الغلاف الجوي.
المناطق الشرقية من أشدّ مناطق سوريا انحفاضاً في جودة الهواء، بسبب مخلفات التكرير العشوائي للنفط
علاوة على ذلك، تترك العديد من الممارسات البشرية (الناجمة عن التردي الاقتصادي) أثراً مباشراً في جودة الهواء، منها الإفراط في تشغيل مولدات الكهرباء، التي تعتمد على المازوت الرديء، وهي مصدر تلوث بصري وسمعي وتنفّسي يومي في شوارع المدن السورية. أيضاً، قد تلجأ كثير من العائلات شتاءً (لا سيما في الأرياف والمخيمات) إلى حرق البلاستيك والملابس للتدفئة، وهذا ينتج «ديوكسينات» شديدة السمّية. (مُركبات كيميائية عضوية لا تتحلل بسهولة وتعد من المسرطنات القوية).
فيما يوضح الباحث محمد النفوري أن جودة الهواء قد تختلف ضمن المدينة الواحدة، ويشرح قائلاً: «جودة الهواء من منظور طقسي تعتمد على كمية الرطوبة والغبار العالق بالجو وقطرات الماء، ونلحظ دائماً أننا كلما ابتعدنا عن مراكز المدن ارتفعت جودة الهواء، فأفضل المناطق الجيدة هوائياً هي المناطق الخضراء والمكشوفة مثل سهل الغاب».
علاقة معقدة
وفقَ نائبة الأمينة العامة للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، كو باريت، لا تُمكن معالجة تغير المناخ وجودة الهواء أحدهما بمعزل عن الآخر. فـ«تغير المناخ وجودة الهواء متلازمان. تأثيرات المناخ وتلوث الهواء لا تعترفان بالحدود الوطنية، وخير دليلٍ على ذلك الحرارة والجفاف الشديدان اللذان يُؤججان حرائق الغابات ويسببان تدهوراً في جودة الهواء لملايين البشر».
ووفقاً لتقديرات منظمة الصحة العالمية، يتسبب تلوث الهواء بنحو 7 ملايين وفاة مبكرة سنوياً في مختلف أنحاء العالم، مع تكبُّد تكاليف بيئية واقتصادية باهظة.
يعطي الباحثان في الأرصاد الجوية النفوري وجاويش مجموعة من المقترحات لتحسين جودة الهواء في المدن السورية، مثل زراعة الأشجار كونها تحد من إثارة الغبار والأتربة، والحفاظ على البيئة، والتخفيف من التلوث، والاعتماد على الطاقات البديلة والنظيفة.
لكن يبقى السؤال الصعب: هل يُشكل الهواء أولوية في نظر أي من الحكومات التي تعاقبت على هذه البلاد؟