في أحد محال شارع العراق بمنطقة الحاضر في حماة، يُمضي أبو محمود (اسم مستعار) يومه بين انتظار الزبائن وحسابات لا تتوقف في رأسه: كم يحتاج ليغطي إيجار المحل؟ وهل سيتمكن من الاحتفاظ به إذا تغيّرت الشروط أو ارتفعت القيمة في السنوات المقبلة؟
يقول: «أحتاج المال لا لتأمين معيشتي ومعيشة أولادي فحسب، بل ولتغطية الإيجار السنوي للمحل وتجنب الغرامات المترتبة على التأخير».
ينسحب الأمر على كثير من مستأجري العقارات الوقفية في أسواق الحاضر، بعد تغيّر آلية استثمارها وارتفاع إيجاراتها إلى مستويات يصعب على كثير من التجار تحمّلها، بينما تعاني الأسواق من ركود واضح وتراجع في القدرة الشرائية.
«أبراج القلق»
يقع محل أبو محمود في واحدٍ من ثلاثة أبراج تملكها مديرية الأوقاف في منطقة الحاضر، وكانت من العقارات التي طُرحت في مزادات علنية نهاية العام 2022. ومع دخول هذا النمط من الاستثمار، قفزت قيم الإيجارات بشكل كبير نتيجة المنافسة بين المستثمرين، لتصل قيمة بعض المحال إلى نحو 29 مليون ليرة سورية سنوياً.
لكن هذه القفزة لم تواكبها حركة تجارية تتناسب معها، ما انعكس مباشرة على قدرة التجار على الالتزام بدفعات الإيجار، وأدى إلى تأخر كثيرين في السداد وتراكم الغرامات عليهم.
يؤكد أبو محمود أن إيجار محله يشكّل عبئاً يصعب تحمّله في ظل ركود السوق وضعف القوة الشرائية، لا سيّما أن الزبائن قليلون مقارنة ببقية الأسواق، وأكثرهم من ذوي الدخل المحدود، «إذا ارتفعت الإيجارات لاحقاً، لن أستطيع تحمّلها»، يقول.
ويضيف: «أفتح محلي منذ الثامنة صباحاً وحتى منتصف الليل على أمل بيع أكثر، لكن من دون جدوى، فلم أتمكن حتى الآن من دفع الضرائب».
لا يبدو قلق أبو محمود حالة فردية. فبحسب أحد أصحاب المحال المجاورة، اضطر كثير من التجار إلى الاستدانة لتغطية الإيجار السنوي، في ظل صعوبة تأمين هذه المبالغ من حركة بيع ضعيفة لا تكاد تكفي المصاريف الأساسية.
لكن المشكلة، كما يراها أبو محمود، لا تتعلق بالظروف الاقتصادية وحدها، بل أيضاً بغياب الوضوح في إدارة الملف من قبل مديرية الأوقاف.
يقول إن المديرية لم تفتح باب الدفع لأشهر عديدة خلال العام الماضي، ما أدى إلى تراكم المستحقات وارتفاع الغرامات مع نهاية العام. ويشرح أنه حاول تقسيط السداد دفعةً كلّ ثلاثة أشهر لتخفيف العبء، لكنه اصطدم بالمشكلة نفسها، إذ بقي باب الدفع مغلقاً. أمام هذا الواقع، فضّل توجيه المال إلى شراء بضاعة جديدة بدلاً من تجميده من دون جدوى، معبّراً عن قلقه بقوله: «لا أعلم كيف سأتمكن من تأمين المبلغ المطلوب قبل نهاية العام إذا استمر الوضع على هذا الحال».
ويضيف: «صحيح أن عقودنا مستمرة لمدة 15 عاماً، لكننا نسمع كلاماً كثيراً حول عدم رضا الوزارة عن هذه العقود. نخاف أن نصل مرحلة يصبح فيها المبلغ الذي ندفعه اليوم قليلاً مقارنة بما قد يُفرض لاحقاً».

ينظر كثير من التجار بقلق إلى إدارة هذا الملف، إذ يخشون أن تؤدي التغييرات المحتملة إلى تعديل شروط الاستثمار أو طرح المحال في مزادات جديدة بأسعار أعلى وشروط أكثر صعوبة. ما قد يفتح الباب أمام مستثمرين يمتلكون قدرة مالية أكبر، ويؤدي إلى فقدان أبو محمود ونظرائه محالّهم ومصدر أرزاقهم.
تتضمن العقود الحالية شروطاً يعتبرها التجار قاسية، أبرزها رفع قيمة الإيجارات بنسبة 10% كل ثلاث سنوات، ما يجعلهم يتوجسون من تجديد العقود.
بموجب هذه الآلية، قد يرتفع إيجار محل أبو محمود، البالغ حالياً نحو 12 مليون ليرة سورية سنوياً، إلى ما يقارب 19 مليون ليرة مع نهاية مدة العقد، في حين قد تتجاوز إيجارات بعض المحال الأخرى، التي تبلغ اليوم نحو 29 مليون ليرة سنوياً، حاجز 43 مليون ليرة.
على الضفة الأخرى: «الفروغ» أرحم
يختلف واقع منطقة الحاضر، التي تعتمد بشكل أساسي على زوار من الريف وأصحاب الدخل المحدود، عن منطقة السوق، حيث ترتفع القدرة الشرائية وتكون حركة التجارة أكثر انتظاماً.
نعبر ضفة نهر العاصي باتجاه السوق، حيث تتبدل الصورة: حركة مستمرة، وضجيج سيارات ومارة يعكس كثافة النشاط التجاري. الزبائن هنا أكثر انتظاماً، ما يجعل أرباح التجار أكثر استقراراً مقارنة بمنطقة الحاضر.
هذا الفارق انعكس أيضاً على آلية استثمار المحال. ففي السوق، تعتمد غالبية المحال على نظام الفروغ التقليدي (حق الانتفاع مقابل مبلغ مالي كبير يُسدد مرة واحدة، وإيجار دوري رمزي)، إذ يوفّر هذا النظام استقراراً نسبياً في الإيجارات، بينما اتجهت مديرية الأوقاف في الحاضر إلى المزادات العلنية، ما أدى إلى ارتفاع كبير وغير متوقع في القيم الإيجارية.
ورغم هذا الاستقرار النسبي، يعيش التجار في السوق حالة من القلق بسبب تأخير تقييم الإيجارات. إذ ينص قانون الاستئجار على إجراء التقييم كل ثلاث سنوات، مع إمكانية رفع الإيجار بنسبة تصل إلى 30%. وكان من المفترض تنفيذ هذا التقييم خلال العام الماضي، إلا أن المديرية لم تُجره حتى الآن، ما زاد من حالة الترقب والضبابية.
يقول سالم (اسم مستعار)، أحد مستأجري محال الوقف في شارع الدباغة: «الضبابية تزداد مع الحديث المتكرر عن نية المديرية رفع القيم، ثم نفي ذلك، ما يتركنا في حالة ترقب دائم وخوف من وصول الإيجارات إلى مستويات لا يمكن تحمّلها، أو فقدان محالّنا إذا لم نتمكن من السداد وفق التقييم الجديد».

توجهنا إلى مديرية الأوقاف في حماة للاطلاع على وجهة نظرها الرسمية، فأكدت المديرية استمرار العمل بالقانون رقم 31 الصادر في 2018، لكنها لم تنفِ وجود نية لتعديل الآلية، مشيرة إلى وجود نقاشات جارية لمراجعة بعض البنود وإدخال تغييرات عليها.
يوضح جهاد البر، موظف في دائرة الأملاك الوقفية، أن مخاوف المستأجرين تعود جزئياً إلى عدم وضوح آلية التطبيق والشروط والنسب، مشيراً إلى أن التطبيق السابق كان يراعي في كثير من الأحيان مصلحة المستأجر، بينما يركّز التوجه الحالي على حماية أصول الوقف وتلافي الثغرات الموجودة في القانون.
يؤكد البر أن التوجه العام لن يتغير من حيث المبدأ، لكنه سيعطي أهمية أكبر لتنظيم العلاقة التعاقدية وتطبيق الشروط، نافياً ما يُتداول حول استرداد العقارات بشكل قسري، ومؤكداً أن الإجراءات تندرج ضمن تطبيق القوانين النافذة، خصوصاً في حالات المخالفات.
وفي ما يتعلق بتقدير القيم الإيجارية، يشير إلى أن التقييم يختلف بحسب الموقع وطبيعة النشاط التجاري، وقد يتباين حتى ضمن المنطقة الواحدة وفق عوامل مثل موقع المحل ومساحته وقربه من الشوارع الرئيسية، وهو ما يفسر الفروقات بين مناطق مثل الحاضر والسوق.
ليست مجرد عقارات
يقترب النهار من نهايته في محل أبو محمود. يُخرج كرسيه ويجلس أمام المحل، يتبادل الأحاديث مع جيرانه، ينظر إلى الشارع الخالي إلا من قلة من المارة، مسترجعاً قصة والده الذي فقد محله بعد أربعين عاماً من الكد. بالنسبة له، ليست هذه الجدران مجرد عقار وقفي، بل هي مخزن لذكريات الطفولة والهوية.
ومع كل إغلاق لباب المحل عند منتصف الليل، يظل السؤال معلقاً: هل سيحمل الصباح قراراً يثبت أقدامه، أم مزاداً جديداً يقتلع جذوره من قلب الحاضر؟
