اختبرت سوريا أنظمة الحكم الثلاثة: الرئاسي وشبه الرئاسي والبرلماني، من دون أن تجني فعلياً ثمارها في ما يتعلق بفصل السلطات وتوازنها، إلا في حالات نادرة وعابرة.
دستور 1950 الذي كان الأوّل بعد الاستقلال عن فرنسا، ربما كان المثال الأنصع في ما يخص فصل السلطات (وفق قواعد النظام البرلماني التي تتحدّث عن تعاون السلطات وتوازنها أكثر مما تتحدّث عن الفصل الصارم بينها). وقد شهد تعزيزاً واسعاً لسلطات البرلمان على حساب السلطتين التنفيذية والقضائية.
أما آخر نص دستوري، المتمثل بالإعلان الدستوري للعام 2025، فقد طرح للمرة الأولى في البلاد نظاماً رئاسياً، ينبغي أن يكون جوهره الفصل الصارم بين السلطات، لكنه منح السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة جداً على حساب السلطتين التشريعية والقضائية. قد يكون من المفهوم، تقوية السلطة التنفيذية على حساب التشريعية في مرحلة انتقالية شديدة التوتر، غير أن ذلك لا يبرر تغوّلها على السلطة القضائية تحديداً تحت أيّة ذريعة. وما بين هذا وذاك، عرفنا دستوري 1973 و2012، اللذين مثّلا انتهاكاً جسيماً لمبدأ فصل السلطات.
كي لا يُساء استعمال السلطة، يجب أن توقف السلطةُ السلطةَ
تُعدّ مسألة فصل السلطات من الركائز الأساسية في أي دستور ديمقراطي حديث، وقد ظهرت فكرتها مع مفكّري عصر التنوير، وعلى رأسهم الفرنسي مونتسكيو (شارل لوي دي سيكوندا)، بوصفها ضمانةً ضد الاستبداد وتركيز السلطة.
يكتسب هذا المبدأ أهمية خاصة في السياق السوري، إذ عانت البلاد عقوداً من تداخل الصلاحيات وتغوّل السلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والقضائية، ما أدّى إلى تفريغ المؤسسات من مضمونها وتعطيل مبدأي المساءلة والمحاسبة.
يقوم مبدأ الفصل بين السلطات على توزيع الوظائف الأساسية للدولة – التشريعية والتنفيذية والقضائية – على هيئات مستقلة تتوازن وتراقب بعضها بعضاً، ما يمنع احتكار السلطة ويوفّر آليات رقابة متبادلة تضمن حماية الحريات وشفافية الحكم. يقول مونتسكيو: «كي لا يُساء استعمال السلطة، يجب أن توقف السلطةُ السلطةَ». ويعني ذلك أن مبدأ التحقّق والتوازن يقتضي ألّا يحتكر أيّ طرفٍ القرار، وألّا تطغى إحدى السلطات الثلاث على الأُخريين. فالسلطة التشريعية تضع القانون ولا تنفّذه ولا تفسّره، والسلطة التنفيذية تنفّذ القانون ولا تضعه ولا تفسّره، والسلطة القضائية تفسّر القانون ولا تضعه ولا تنفّذه.
بالتأكيد، ثمة حالات لا يتحقق فيها هذا الفصل الصارم، كحالة الطوارئ زمن الحروب، والمراحل الانتقالية، حين ترجح كفّة السلطة التنفيذية لضرورة سرعة اتخاذ القرار على حساب دقته وصوابه أحياناً. يمكن أن تتعاون هذه السلطات، كما في النظام البرلماني أو شبه الرئاسي، مع بقاء استقلال القضاء ضرورةً في كلٍّ منهما، بوصفه سلطةً ذات طبيعة مهنية احترافية في جوهرها، على خلاف السلطتين التنفيذية والتشريعية اللتين تتسمان بطابع سياسي بحكم طبيعتهما.
مفارقة سورية حول فصل السلطات
- دساتير بلا نصوص صريحة (1930 و1950): حققت فصلاً معقولاً للسلطات بفضل الممارسة المؤسسية.
- دساتير بنصوص صريحة (1973 و2012): شرعنت الهيمنة المطلقة للسلطة التنفيذية وحولت القضاء والبرلمان إلى أدوات تابعة.
الخلاصة: العبرة ليست بذكر «المبدأ» في الديباجة، بل في توزيع الصلاحيات الحقيقية
لا يعني الفصل بالضرورة القطيعة الكاملة بين السلطات، بل التمايز والتوازن، بحيث تملك كل سلطة أدواتٍ لضبط الأخرى من دون أن تهيمن عليها. ولا يهم إن ذكر الدستور مبدأ فصل السلطات أم لم يذكره، فالعبرة في أصل صلاحيات السلطات الثلاث والعلاقة في ما بينها، سواء نُصّ على المبدأ أم لم يُنصّ. فلنأخذ، على سبيل المثال، دستوري 1930 و1950، اللذين طبّقا المبدأ من دون ذكره صراحة، إلى حدٍّ معقول قياساً بحداثة الدولة وأثر الاستعمار الفرنسي. في حين نصّ دستورا 1973 و2012 على مبدأ فصل السلطات، إلا أن الممارسة الفعلية أظهرت خضوع السلطتين التشريعية والقضائية لهيمنة شبه كاملة من قبل السلطة التنفيذية المتمثّلة برئاسة الجمهورية. فقد تمكّن الرئيس من تعيين مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الدستورية، وحلّ البرلمان، وإصدار المراسيم التشريعية، وقيادة مجلس الوزراء، بما جعله فعلياً فوق سائر السلطات.
أما الإعلان الدستوري للعام 2025، وبرغم نصّه صراحةً على فصل السلطات، وبرغم تبنّيه النظام الرئاسي المعروف بالفصل الصارم بينها، فقد كرّس اختلالاً جوهرياً بإسناده للرئيس مهمة تعيين قضاة المحكمة الدستورية، وأغفل الحديث عن مجلس القضاء، ما يجعل القانون رقم 53 للعام 2009 سارياً بموجب المادة 51 من الإعلان نفسه. أي أن الرئيس يظلّ رئيساً لمجلس القضاء الأعلى، وهو من يعيّن أعضاء المحكمة الدستورية من دون موافقة البرلمان، وهذا يعني هيمنة شبه مطلقة للسلطة التنفيذية على السلطة القضائية، وهو خطر كبير يستدعي تعديله في الإعلان الدستوري، وتلافيه كلياً في الدستور الدائم.
إضاءة: كيف توازن الديمقراطيات بين سلطاتها؟
لا يوجد نموذج واحد مثالي لفصل السلطات، بل تتنوع الآليات وفق النظام السياسي، مع هدف مشترك: منع تركّز السلطة وضمان الرقابة المتبادلة.
- النموذج الأميركي (الفصل الصارم)
في النظام الرئاسي، لا يستطيع الرئيس حل United States Congress، ولا يُعزل إلا عبر آلية دستورية خاصة (المساءلة والعزل). بالمقابل، يملك الكونغرس سلطة الميزانية، بينما يضطلع United States Senate بسلطة المصادقة على التعيينات القضائية والمناصب العليا، ما يفرض توازناً مؤسسياً دائماً.
- النموذج البريطاني (الاندماج المرن)
تنبثق الحكومة من البرلمان، ويقوم التوازن على المساءلة السياسية: يستطيع البرلمان سحب الثقة من الحكومة، في مقابل إمكانية الدعوة إلى انتخابات مبكرة عبر حل البرلمان بقرار سياسي تقوده الحكومة ويُقرّ رسمياً.
- النموذج الألماني (حارس الدستور)
تتمتع المحكمة الدستورية بسلطة إبطال القوانين المخالفة للدستور. ويُنتخب قضاتها من قبل Bundestag وBundesrat بأغلبية معززة، ما يعزز استقلالها ويحدّ من تغوّل أي سلطة.
بطبيعة الحال، يجب أن نُقرّ بأن هذا المبدأ، ورغم كونه ركيزةً أساسية في بناء الدول الديمقراطية الحديثة، يواجه تحدياتٍ وصعوباتٍ جدّية، بشكل خاص في البلدان التي خرجت لتوّها من نزاعات طويلة، أو تلك التي رزحت تحت وطأة إرثٍ استبدادي عميق كسوريا. في سياقاتٍ كهذه لا تكفي النصوص الدستورية وحدها لضمان تطبيقٍ فعلي لهذا المبدأ، بل يتطلّب الأمر إصلاحاتٍ مؤسسية عميقة وشاملة تبدأ من أسس صياغة الدستور، وتمرّ بإعادة بناء الأجهزة القضائية والتشريعية، بل يتطلّب أيضاً ثقافةً حكوميةً ومجتمعيةً واسعة.
تتجلّى أبرز هذه التحديات في أبعادٍ متداخلة عدة. فمن جهة، يعاني الوعي المجتمعي والقوى السياسية من ضعفٍ ملحوظ في الثقافة الدستورية، ما يعيق ترسيخ فهمٍ مشترك لأهمية المبدأ ودوره في حماية الحريات. ومن جهةٍ أخرى، تشكّل هشاشة المؤسسات القضائية، ووقوعها فريسةً لـلتسييس طيلة حقبةٍ طويلة تجاوزت نصف قرن، عائقاً كبيراً أمام القيام بدورها الرقابي المستقل. فلا يخفى أن الجهاز القضائي عانى طويلاً من الترهل والفساد والمحسوبيات. ويُضاف إلى ذلك استمرار تركّز الموارد وصناعة القرار في يد السلطة التنفيذية، بحكم الإرث القانوني المتراكم ذلك الزمن، ما يخلق اختلالاً جوهرياً في موازين القوى بين أركان الدولة. وأخيراً، يؤدي غياب إعلامٍ حرٍّ ومستقل، بوصفه سلطةً رابعة، ومجتمعٍ مدني قوي، إلى حرمان الدولة من آلياتٍ رقابية غير رسمية لا غنى عنها لضمان الشفافية ومحاسبة السلطات، ليظلّ الطريق نحو تطبيقٍ فعّال لمبدأ فصل السلطات في مثل هذه الدول طويلاً وشاقاً.
غير أن هذه التحديات، ينبغي ألاّ تمنع تكريس مبدأ فصل السلطات تحت أي ذريعة، سواء من خلال تعديل الإعلان الدستوري، وهو أمرٌ واجبٌ برأيي، أو عند كتابة الدستور الدائم. فبدون تكريس هذا المبدأ سيظلّ الفساد مستشرياً، ولن نخرج من إرث النظام الاستبدادي، ولن نحقّق حكم القانون وسيادته، وبالتأكيد لن نبلغ النموذج الديمقراطي الذي انتظرناه طويلاً وما زلنا ننتظره.