أخيراً، أُلقي القبض على أمجد يوسف، المتّهم الأول بتنفيذ مجزرة التضامن قبل 13 عاماً. قد يحق لنا أن نتخفّف قليلاً من صرامة ضوابط مهنة الصحافة هنا، ووصفه بأنّه «أحد مجرمي مجزرة التضامن».
صحيح أن الإدانة تظلّ شأناً قضائيّاً بحتاً، وأنه يظل «متّهماً» حتى صدور حكم مُبرم، لكنّنا نعلم أن الجريمة وُثّقت بالصورة والصوت، لا عبر «طرف خارجي»، بل من خلال أمجد وأحد شركائه، مع فائض إحساس بالزهو. نعلم أيضاً أنّه تفاخرَ مرة أخرى بـ«بطولته» حينَ أتيح له ذلك.
هل كان يظن أنّ كل ذلك سيُكشف؟ بالطبع لا، لكن الأمر انكشف لاحقاً، ويعود الفضلُ هنا إلى الصحافة، وإلى قوّة الاستقصاء، وبشكل أكثر تحديداً إلى باحثة استقصائيّة اسمها انتصار شحّود، كانت جزءاً من فريق يعمل على دراسة عنف الدولة في سوريا. كان الفريق قد اخترع شخصية «فايسبوكيّة» ولاحقاً نجح بفضلها، وبصبرٍ وتأنٍّ في استدراج «المتهم» إلى الحديث عن «أمجاده».
ما تفعله الصحافة الاستقصائية قد يُثمر لا كشفاً للحقيقة فحسب، بل محاسبة للجناة، ولو بعد حين
قبل كل ذلك كان هناك «حجر أساس» قاد إلى كشف المجزرة. عنصرٌ كان قد جُنّد حديثاً في ميليشيات النظام السابق، أوكلت إليه مهمة إصلاح جهاز حاسوب، وعثر على مجموعة الفيديوهات التي توثق المجزرة. كان ذلك العنصر من الطائفة العلوية (بنتمي إليها المجرم أيضاً). في الأحوال العادية ينبغي أن يكون هذا مجرّد تفصيل هامشي، فالشاب تصرف وقتذاك بوصفه إنساناً، وقرّر رغم كل المخاطر أن تلك الفيديوهات يجب أن تجد طريقها إلى من يجيد التعامل معها، لتصل في نهاية المطاف إلى فريق التحقيق. لكن السياق السوري اليوم يجعل ذلك التفصيل جوهرياً، فمن المؤسف أن نجد أنفسنا مضطرين للتذكير مراراً وتكراراً أن وصم جماعة بأكملها - أي جماعة كانت - بسِمة ما، هو «تعميم قاتل».
نحن إذاً أمام ثوابت لا ينبغي نسيانُها بشأن المجزرة والكشف عنها:
- لم نكن لنحصل على أدلة قاطعة تؤكد وقوع تلك المجزرة، لولا أن ذلك العنصر سرّب المقاطع المصوّرة.
- لم يكن أحدنا ليعلم شيئاً عن شخصية «المتهم» لولا جهود باحثة استقصائية، وشركاء لها في فريق التحقيق.
- ما تفعله الصحافة الاستقصائية قد يُثمر في كثير من الأحيان لا كشفاً للحقيقة فحسب، بل وأحياناً من خلال مُحاسبة الجناة، ولو بعد حين.
علينا أيضاً ألا ننسى أن أمجد يوسف كان عنصراً في آلة قتل «عابرة للطوائف» تضم إلى جانبه عناصر من مختلف الملل. وأنّ له شركاء و«معلمين»، لا نعلم شيئاً عن كثير منهم، لكننا نعلم أشياء عن بعضهم ومنهم من عقدوا صفقات مع «المنتصر» اليوم. علينا ألا ننسى أن أمجد يوسف ظلّ يشعر بالطمأنينة حتى بعد أن انكشف أمره، وأن النظام الذي كان ينتمي إليه لم يكترث أيضاً وتصرف بطمأنينة المنتصر ذاتها، حتى أنه لم يُفكر باستثمار انكشاف المجزرة، والتضحية ببعض صغار عناصره ومحاسبتهم.
علينا قبل، وبعد كل ذلك، أن نفهم حقيقةً جوهريّة: كل هذا قابلٌ للتكرار في أي وقت، وبخصوص أية مجزرة في أي زمان ومكان.