× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

Steve Bonello / cartoon movement

من تقديس إلى تخوين: لماذا تتقلّب المواقف بسرعة في النقاش العام السوري؟

عقل بارد - على الطاولة 29-04-2026

في النقاش السوري، لا توجد منطقة رمادية: إما أن تكون مخلصاً مُنزهاً أو خائناً مبيناً. هي سيكولوجية «المزاج اللحظي» التي تحكم الشارع اليوم، فيغلب الانطباع الأول على البرامج والمواقف، وتتحول السياسة من ممارسة عقلانية إلى معركة كسر عظم معنوية. لماذا يحدث هذا؟ يحاول المقال البحث عن إجابات

أحياناً، بضع كلمات كفيلة بجعلنا نغير موقفنا تجاه شخص أو حدث ما. جملة واحدة، أو موقف لافت، أو حتى نبرة مختلفة قد تدفعنا إلى إعادة النظر في حكم كنا نظنه نهائياً. ما يحدث في حياتنا اليومية ينطبق أيضاً على الحياة السياسية، وربما بشكل أسرع وأكثر حدة.  

في النقاش السياسي السوري، قد يكفي تصريح واحد لرفع شخص، بشكل يكاد يبدو كـ «ترقية» مفاجئة، إلى مرتبة المنقذ، وقد يكون تصريح آخر كفيلاً بإعادته إلى موضع الاتهام. بين التقديس والتخوين، يتحرك المزاج العام بسرعة لافتة، وكأن الذاكرة السياسية للجمهور أقصر مما نتخيل.  

يطرح هذا التقلب السريع في المواقف سؤالاً مهماً حول طبيعة النقاش السياسي في المجتمعات الخارجة من سنوات طويلة من الحكم السلطوي.     

كيف يتشكل هذا التقلب؟

في سوريا، بدت هذه الظاهرة أكثر وضوحاً في المرحلة التي تلت سقوط نظام الأسد، إذ انخرطت قطاعات واسعة من المجتمع السوري في النقاش السياسي بشكل مكثف ومباشر بعد سنوات طويلة من الإقصاء. لم يكن المزاج العام مستقراً، بل مشحوناً بالخوف والترقب، ومفتوحاً على احتمالات متناقضة.

في هذا السياق، لا يظهر التأثير فقط في تفاعل الناس مع الأحداث، بل بتجاوز مضمون الحدث أو الخطاب نفسه، ليصل إلى مستوى التأثير في المزاج العام، فقد يكفي خطاب ما أو قرار واحد لقلب الموقف بالكامل، من رفض واضح إلى قبول مفاجئ، أو بالعكس، وكأن المواقف السابقة لم تكن موجودة أصلاً.

قد يتحول تعليق بسيط إلى دليل على موقف شامل، وقد يُفسّر نقد تفصيل صغير على أنه رفض كامل، وهو ما يدفع بالنقاش سريعاً نحو التصنيف والتخوين بدل الفهم والتفكيك

يبدو التحول واضحاً في طريقة تداول النقاشات على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تتسارع ردود الفعل ويغلب عليها الطابع اللحظي، ليصبح الانطباع الأول هو العنصر الأبرز في تشكيل الموقف.

بدلاً من النقاش الطويل حول الخلفيات أو المواقف السابقة، بات التركيز منصباً على اللحظة نفسها، وعلى الانطباع الذي تركه الحدث أو الخطاب، وكأنه كافٍ لإعادة تشكيل الموقف، ولو بشكل مؤقت.

لماذا يحدث ذلك؟

يمكن فهم هذا التحول السريع في المزاج العام بوصفه أكثر من مجرد تفاعل عابر مع خطاب أو تصريح، بل كجزء من حالة أوسع من الارتباك السياسي، ويمكن فهمها في سياق الانتقال المفاجئ من سنوات طويلة من الحكم الشمولي والإقصاء عن الحياة السياسية، إلى واقع مفتوح انخرط فيه السوريون في النقاش السياسي العام.

بعد هذا الغياب الطويل، وجد كثير من السوريين أنفسهم أمام مشهد سياسي جديد، من دون خبرة متراكمة في تكوين المواقف أو اختبارها ضمن نقاش عام مستقر. في مثل هذه اللحظات، تصبح الأحكام أكثر سرعة وأقل ثباتاً، وأكثر قابلية للتأثر العاطفي المؤقت. 

ضمن هذا الإطار، لا يعود تغيّر الموقف مجرد استجابة طبيعية لحدث جديد، بل يعكس محاولة مستمرة لإعادة فهم الواقع وتحديد الموقف منه. قد يبدو أن الشارع «يغيّر رأيه» بسرعة، بينما هو في الحقيقة لا يزال في طور تشكيله، في ظل غياب مرجعيات مستقرة يمكن العودة إليها. 

يتقاطع هذا مع دراسات في علم النفس حول «تكوين الانطباعات»، إذ يميل الأفراد إلى تكوين صورة عامة عن الآخرين انطلاقاً من مواقف أو أحداث محددة، ثم إعادة تشكيلها بسرعة عند ظهور معطيات جديدة. 

بين المزاج والواقع

يلعب الإعلام، وخصوصاً وسائل التواصل الاجتماعي، دوراً مهماً في تسريع هذه التحولات، ليس فقط من حيث سرعة الانتشار، بل أيضاً من حيث طبيعة التفاعل. فكثيراً ما تُقرأ الآراء والتعليقات بوصفها مواقف سياسية كاملة، لا مجرد رأي جزئي أو ملاحظة محددة.

قد يتحول تعليق بسيط إلى دليل على موقف شامل، وقد يُفسّر نقد تفصيل صغير على أنه رفض كامل، وهو ما يدفع بالنقاش سريعاً نحو التصنيف والتخوين بدل الفهم والتفكيك. يكفي أحياناً إبداء ملاحظة بسيطة، كالتعليق على شعار أو تفصيل رمزي، حتى يُقرأ ذلك فوراً بوصفه موقفاً سياسياً كاملاً، ويُواجه بردود تتجه مباشرة إلى التخوين أو التصنيف. 

الحالة السورية تمنح هذه التقلبات طابعاً أكثر وضوحاً وحدّة، تصبح المواقف أكثر قابلية للتشكّل السريع، وأكثر عرضة للتبدل تحت تأثير لحظة واحدة أو خطاب واحد.

بالطبع لا يمكن فصل هذه التقلبات عن طبيعة الثقافة السياسية التي تشكلت في ظل سنوات طويلة من الحكم الشخصاني، إذ ارتبطت السياسة بالأفراد أكثر مما ارتبطت بالمؤسسات أو البرامج. هنا، يصبح الحكم على الشخصيات السياسية أكثر حساسية للتصريحات والمواقف الفردية، بحيث قد يغيّر تصريح أو خطوة ما الصورة الكاملة للشخص، من دون النظر إلى سياقه الأوسع.

في لحظات التحول السياسي، يصبح المزاج العام أكثر حساسية وتأثراً بالتفاصيل الصغيرة. قد يغيّر خطاب واحد طريقة النظر إلى شخصية سياسية، لكنه لا يكفي وحده للحكم النهائي. فالمواقف السياسية لا تُبنى في لحظة، ولا تختزل في انطباع عابر، بل تتشكل تدريجيا مع تراكم التجربة وتحول الخطاب إلى ممارسة فعلية. وبين سرعة المزاج وبطء الوقائع، يبقى التحدي في التمييز بين ما يُقال في لحظة، وما يُثبت مع الوقت. 

النقاش_العام_في_سوريا الحياة_السياسية_في_سوريا

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0