× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

«من وقت الحادثة تسكرت الحديقة وشمّعوها» - سوشال ميديا

حديقة «النيربين» في دمشق.. لم تغب رغم الإغلاق

عقل بارد - أوراقنا 29-04-2026

من تلة تاريخية استوقفت إمبراطور ألمانيا، إلى متنفسٍ شعبي لأهالي حي المهاجرين، وصولاً إلى «ساحة جريمة» أغلقت أبوابها «حتى إشعار آخر». يغوص التقرير في ذاكرة حديقة النيربين، حيث تتشابك مياه الفيجة بأسلاك السور الحديدي، ويرصد كيف يقاوم سكان الحي إغلاق رئتهم الوحيدة بالقفز فوق الحواجز أو عبر «درج الأمل»

عند الوصول إلى حديقة «النيربين» في حيّ المهاجرين بدمشق، يظهر الإغلاق قبل أي شيء آخر.

الأبواب الأربعة موصدة بإحكام، والسور الحديدي يطوّق المكان كحدّ واضح بين الداخل والخارج. منذ تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي، أبقت محافظة دمشق الحديقة على هذه الحال، من دون إعلان يوضح ما الذي سيحدث لاحقاً، أو متى يمكن أن تعود كما كانت.

لكن الإغلاق لم يقطع صلة الناس بالمكان تماماً. بعض المارة ما زالوا يجدون طرقاً غير مباشرة للدخول: فتحات ضيقة في السور، أو قفزات سريعة فوق الحواجز، حركة يعرفها من اعتاد المكان.

الأطفال هم الأكثر إصراراً على اقتحام الحديقة، بحثاً عن مساحة للعب والركض لا توفرها الأزقة الضيقة ولا الشوارع المزدحمة.

أما بعض السكان، فواصلوا الدخول إليها لسبب آخر: مياه عين الفيجة الموجودة داخلها. يتجاوزون السور بحذر، يملؤون أوانيهم، ثم يخرجون حاملين معهم شيئاً من نبع ظلّ حاضراً في حياتهم اليومية، حتى بعد إغلاق الحديقة.

تاريخ يسبق الحديقة

في طبقاتها الأقدم، لم تكن «النيربين» حديقة بالمعنى الذي تُعرف به اليوم، بل تلة تطل على بساتين دمشق، وتحتضن معالم قديمة مثل دير مرّان وقصر خمارويه.

يذكر ياقوت الحموي في «معجم البلدان» أن الدير كان مبنياً من الجص، وأرضه مبلّطة، ومحاطاً بالأشجار، وفي داخله «صور دقيقة المعاني».

وتشير مصادر تاريخية أخرى، من بينها كتاب «خطط دمشق» لـ صلاح الدين المنجد، إلى أن أراضي «النيربين» كانت تمتد من قبة السيّار غرب جبل قاسيون، نزولاً نحو الربوة والصالحية والجسر الأبيض، في مساحة أوسع بكثير من حدود الحديقة الحالية.

في هذا الامتداد، لعب نهر بردى دوراً أساسياً في تشكيل المكان. فعند هذه النقطة كانت مياهه تتفرع، ليتشكل ما عُرف بـ «النيرب الفوقاني» في الجهة الشمالية، و«النيرب التحتاني» في الجهة الجنوبية. أما اسم «النيرب» نفسه، فيعود إلى أصل آرامي يعني «الوادي»، وهي دلالة بقيت ملازمة للمكان حتى مع تغيّر وظائفه عبر الزمن.

حتى أواخر القرن التاسع عشر، ظلّت المنطقة المحيطة بالنيربين شبه خالية من العمران، ولم يكن فيها، بحسب ما يورده الدكتور صفوح خير في كتابه «مدينة دمشق.. دراسة في جغرافيا المدن»، سوى بيت الداغستاني قرب ما يُعرف اليوم بـ «طلعة الباش كاتب».

لكن ذلك بدأ يتغير مع تشكّل حيّ المهاجرين أواخر العهد العثماني، حين استقر فيها أتراك وشركس فرّوا من الحرب الروسية–التركية، بموافقة والي دمشق آنذاك ناظم باشا.

ومع دخول المكان إلى خريطة المدينة الحديثة، بدأ حضوره يتبدل. ففي العام 1898، زار الإمبراطور الألماني غليوم الثاني، تلة النيربين، حيث أُعدّت له مصطبة حجرية وقف عندها متأملاً الموقع، ويُروى أنه أبدى إعجابه بالمكان، في واحدة من اللحظات التي كرّست التلة بوصفها نقطة تطل على المدينة وتستدعي الانتباه.

إضاءة: غليوم الثاني في سوريا (1898)

شكلت زيارة الإمبراطور الألماني غليوم الثاني (فيلهلم الثاني) محطة تاريخية مهمة، إذ سعى من خلالها إلى تثبيت حلفه مع السلطان عبد الحميد الثاني تحت شعار «صداقة المسلمين».

في دمشق: المحطة الأكثر رمزية، زار ضريح صلاح الدين الأيوبي وأهداه إكليلاً برونزياً وضريحاً رخامياً. صعد إلى «تلة النيربين» في المهاجرين، حيث شُيدت له «مصطبة» حجرية للاستمتاع بإطلالة الغوطة.

في حلب: رغم أن جدول الرحلة المزدحم منعه من زيارتها شخصياً، فقد وصل وهج الزيارة إلى الشمال. إذ تزامنت مع بناء «ساعة باب الفرج» الشهيرة (1898)، التي بُنيت احتفاءً باليوبيل الفضي للسلطان، وظلّت في الذاكرة الشعبية مرتبطة بالتحالف الألماني.

الأثر العمراني: لم تكن الزيارة بروتوكولية فحسب، بل كانت صافرة البداية لمشاريع كبرى مثل سكة حديد الحجاز وخط بغداد.

من تلةٍ إلى فسحة للناس

مع مطلع القرن العشرين، بدأت المنطقة المحيطة بـ«النيربين» تأخذ شكلاً عمرانياً وإدارياً أكثر وضوحاً، مع دخول وسائل النقل الحديثة إلى دمشق. ففي العام 1904، وصلت سكة الترامواي إلى الساحة الواقعة أسفل التلة، التي صارت تُعرف لاحقاً باسم «ساحة آخر الخط».

ومع وصول الترامواي، راح المكان يدخل تدريجاً في نسيج المدينة الحديثة. شُيّد قصر ناظم باشا، ثم قصر مصطفى باشا العابد في العام 1907، وأُطلق اسم «شارع خورشيد» على الطريق الذي يحد الحديقة من الأعلى، نسبة إلى المهندس المصري خورشيد وهبة، مصمم قصر ناظم باشا.

لكن «النيربين»، رغم هذا التحول العمراني، بقيت لعقود مساحة أقرب إلى الهامش الأخضر منها إلى قلب المدينة. وفي منتصف القرن العشرين، بدأت تتحول إلى مقصد للأهالي الباحثين عن فسحة خارج ازدحام دمشق، ومكان بسيط للسيران والجلوس.

يستعيد محمد أبو الخير الدقر، مختار حي المهاجرين، البالغ من العمر 71 عاماً، تلك المرحلة قائلاً: «لما سكنا هون عام 1961 كان مكان الحديقة خرابة، وجزء منه كان مقهى، الناس كانت تعمل سيرانها هون، أغلب تجار الحميدية يجوا يسهروا بآخر الخط، الأكابر يلي معهم فلوس يقعدوا بالمقاهي، أما العاديين يقعدوا على الحشيشات، وبتذكر هالشي تماماً».

في سبعينيات القرن الماضي، بدأت ملامح المكان تتغير أكثر مع وصول مشاريع البنية التحتية والمياه إلى المنطقة، وتراجع البساتين التي كانت تحيط بها. ويصف المختار هذه المرحلة بأنها «نقطة تحول أساسية في تاريخ النيربين».

يقول: «ابن عمي كان بالمؤسسة، وكلف بحفر خزان الفيجة هون بالجبل بعمق طوله 600 متر، ولسه بتذكر كيف كانوا يفجروا الجبل ليسهّلوا حفره».
مع نهاية الثمانينيات، راحت التلة تفقد شكلها القديم تدريجاً. مثنّى الخطيب، الذي كان في العاشرة من عمره آنذاك، يتذكر تلك المرحلة قائلاً: «لسه بتذكر لما قعدوا يصبوا الباتون فيها على شكل مدرجات، ويبنوا هالبحرات فيها».

بهذه الأعمال، بدأت «النيربين» تتحول من تلة مفتوحة إلى مساحة منظمة ذات شكل واضح، تُعاد صياغتها في هيئة حديقة عامة داخل مدينة تتوسع بسرعة.

في مطلع التسعينيات، افتُتحت الحديقة أمام الزوار. المياه التي كانت تروي البساتين سابقاً، تحولت إلى شلالات تنحدر عبر المدرجات، وصار المكان متنفساً لأهالي الحي وزواره. 

نور، وهي من رواد الحديقة في تلك المرحلة، تستعيد حضورها في تفاصيل الحياة اليومية بقولها: «كنا نطلع كل خميس، لما نضوج بالبيت، نجيب معنا فلافل وبرتقال ونقعد بالساعات هناك». في هذه الشهادة، تتجلّى وظيفة الحديقة كما عرفها السكان بوضوح، بوصفها مكاناً بسيطاً للجلوس واستنشاق الهواء، ولتخفيف ضغط الحياة داخل مدينة كانت تضيق شيئاً فشيئاً.

إضاءة: ترامواي دمشق (1904 - 1965)

كان «الترام» أكثر من وسيلة نقل، كان المخطط الذي رسم ملامح دمشق الحديثة وربط ضواحيها بقلبها الإداري والتجاري.

الانطلاقة: دُشن العمل به العام 1904 في عهد الوالي ناظم باشا، وبدأ تشغيله فعلياً في 1907، لتكون دمشق من أوائل المدن العربية التي عرفت النقل الكهربائي.

خط المهاجرين: كان يُعرف بـ «الخط رقم 1»، ومنح ساحة الحديقة اسمها الشعبي «آخر الخط»، إذ كانت العربات تنهي مسارها القادم من باب توما، والمرجة عند أسفل تلة النيربين.

أسهم الترام في عمران حي المهاجرين، فلولا وصوله لما تشجعت النخبة الدمشقية على بناء القصور والبيوت في تلك المنطقة الجبلية البعيدة عن المركز آنذاك.

النهاية: توقف الترام عن العمل نهائياً العام 1965، وحلت محله الحافلات (الباصات)، لكن اسمه ظل محفوراً في ذاكرة الأمكنة وأسماء الساحات.

درج الأوساخ.. درج الأمل

بعد العام 2011، ومع انطلاق الثورة السورية وما تبعها من قمع، بدأت علاقة الناس بحديقة النيربين تتغير. لم تعد الحديقة فقط مكاناً مفتوحاً للجلوس والهواء، بل تحولت شيئاً فشيئاً إلى مساحة أقل أماناً وأقل حضوراً في الحياة اليومية للسكان.

على المدرجات الخمس داخل الحديقة، أُنشئت خمس غرف صغيرة. وبحسب رواية مثنّى الخطيب، أحد سكان حي خورشيد، كانت اثنتان منها للحراسة، بينما أُغلقت الغرف الثلاث الأخرى منذ سنوات. لكن وجود هذه الغرف، كما يقول سكان الحي، لم يعد مجرد تفصيل داخل الحديقة، بل ارتبط بسيطرة أمنية وعسكرية أبعدت كثيرين عنها.

يقول حسين، وهو شاب من سكان الجبل: «كانت الحديقة تحت سيطرة الحرس الجمهوري بالكامل، ومفاتيح الغرف لديهم وحدهم».

أما محمد أبو الخير الدقر، مختار الحي، فيقول إن هذه الغرف ارتبطت في أذهان السكان باستخدامات مشبوهة، وبوجود عناصر من الحرس الجمهوري الذين كانوا يسيطرون على المكان.

هذا الواقع، كما يرويه السكان، دفع كثيراً من الأهالي إلى الابتعاد عن الحديقة تدريجاً، بعد أن فقدت صورتها القديمة ولم تعد مكاناً مفتوحاً وآمناً للجميع.

تقف الحديقة اليوم بين درجين، كأنها عالقة بين صورتين. إلى اليسار، درج مهمل تتراكم عليه الأوساخ، ويعكس حال الإهمال الذي وصل إليه المكان. وعلى الجهة المقابلة، درج يعرفه الأهالي باسم «درج الخير» أو «درج النيربين»، لكن شباب الحي أعادوا تسميته قبل سنوات بـ «درج الأمل»، بعد أن طلوه بزخارف زرقاء.

من دون شروط

منذ إغلاق الحديقة، لم يعد الدخول إليها متاحاً عبر البوابات، بل من خلال فتحات ضيقة في السور. 

في الداخل، لا يزال بعض الأطفال يلعبون، فيما يدخلها آخرون للوصول إلى مياه عين الفيجة الموجودة داخلها. وعند سؤال الموجودين عن سبب الإغلاق، تتكرر العبارة نفسها تقريباً: «من وقت الحادثة سكرت الحديقة وشمّعوها».

وقعت «الحادثة» المشار إليها في تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي، حين انتهى خلاف بين مجموعة شبان بطعن أحدهم حتى الموت، ثم أُغلقت الحديقة «حتى إشعار آخر». منذ ذلك الوقت، لم تعد «النيربين» متنزهاً عاماً كما عرفها الناس، بل صارت مكاناً معلّقاً بين الحضور والغياب. هي موجودة في قلب الحي، لكن أبوابها مغلقة. لا تزال تُستخدم بطرق جانبية، لكنها لم تعد متاحة كما كانت.

بالنسبة إلى كثير من السكان، لا يتوقف القلق عند الإغلاق نفسه، بل يتجاوزه إلى ما قد يحدث لاحقاً، كأن يعاد افتتاحها يوماً بشكل مختلف: مشروع مأجور، أو مساحة تجارية مستثمرة، أو مكان لا يشبه تاريخها وعلاقتها مع الناس.

في مدينة تضيق يوماً بعد يوم، تبدو خسارة مكان كهذا أكبر من مجرد إغلاق حديقة. إنها خسارة مساحة كانت، على بساطتها، متاحة للناس بلا مقابل. مساحة للهواء والجلوس واللعب، ولشيء صار نادراً في دمشق اليوم: مكان عام يمكن دخوله من دون شروط، ومن دون دفع المال. 

أُنتج هذا التقرير ضمن ورشة صحفية مشتركة لشبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MICT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة

حديقة_النيربين حدائق_دمشق ترامواي_دمشق

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0