«لم يكن قرار النزوح إلى لبنان رفاهية، ولا نتيجة تفكير عميق، وإنما ردة فعل سريعة أملاً بالنجاة»، تقول رويدة، التي نزحت مع عائلتها من اللاذقية على خلفية المجازر التي شهدها الساحل السوري في شهر آذار/ مارس من العام الماضي.
تشرح السيدة التي كانت تعمل معلّمة في مدرسة ابتدائية ولديها ابنة وحيدة، أن قذيفة سقطت قرب منزلها على أوتوستراد الثورة، وسط تتالي الأنباء عن مجازر متنقّلة، ليدفعها الرعب إلى ترك منزلها والهرب مع زوجها وابنتها إلى لبنان.
عبرت الأسرة الحدود تهريباً بطريقة غير شرعية، لأن رويدة وزوجها موظفان في الدولة، ويتطلب خروجهما الحصول على إذن سفر، وهو أمر لم يكن متاحاً بسهولة.
بعد وصول العائلة إلى لبنان، عثر الزوج عن طريق بعض معارفه على عمل في أحد الأبنية (ناطور)، على أطراف ضاحية بيروت الجنوبية، ما وفّر له ولعائلته غرفة للمعيشة، وتحول هو وزوجته إلى العمل في تنظيف الدرج وتقديم الخدمات لسكان البناء.
مع تصاعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، والتهديدات لإخلاء الضاحية، اضطرت رويدة وعائلتها إلى بدء «رحلة تشرد جديدة، غير معروفة النهاية»، وفق توصيفها.
«فكرنا كثيراً بالعودة إلى سوريا، ولكننا نخشى اتهامنا بأننا كنا من الفلول، لذلك ألغينا هذه الفكرة» تقول السيدة، وتضيف: «نعيش الآن ضيوفاً عند أحد المعارف، لا نعرف إلى متى، ولا إلى أين قد نذهب».
«حتى هذا الموطن الافتراضي قد نُجبر على تركه، ولا نعرف أي طريق نسلك، كل الطرق مسدودة أمامنا، لا مكان نعود إليه في سوريا، ولا مكان خارجها»
يعيش في لبنان أكثر من 1.5 مليون نازح سوري، وفق تقديرات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة. وبرغم سقوط نظام بشار الأسد، وتشجيع النازحين السوريين على العودة، تقدر «المفوضية» عدد السوريين الذين عادوا إلى سوريا خلال العام 2025، بنحو 380 ألفاً.
ومع العدوان الإسرائيلي الجديد على لبنان، عاد إلى سوريا نحو 180 ألفاً، حتى نهاية آذار/مارس، وفق أرقام المفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
جاء ذلك وسط معوقات عديدة، أبرزها إغلاق معبر المصنع الحدودي مؤقتاً إثر تهديد إسرائيلي بقصفه في 4 نيسان/ أبريل الماضي، كما سُجلت حالات اعتداء على بعض النازحين العائدين من قبل سوريين أشاعوا أن العائدين «من الفلول، أو شيعة لبنان».
وبينما يشكّل الخوف عائقاً أمام عودة عائلة رويدة إلى منزلها في اللاذقية، لا تبدو هذه الفكرة واردة بالأساس عند ناصر، الذي هرب من صحنايا في ريف دمشق بصحبة عائلته، إثر الأحداث الدامية التي شهدتها المدينة في نيسان/ أبريل من العام الماضي، وما تبعها من تصعيد ضد السوريين الدروز، وصل حد ارتكاب مجازر في السويداء.
يقول ناصر، الذي يعمل في شركة توصيل طلبات (ديلفري)، ويعيش في شقة صغيرة في برج حمّود: «لا يمكنني التفكير أبداً بالعودة، فلا توجد طرقات سالكة إلى السويداء، حيث توجد عائلتي، وبالتأكيد لن أعود إلى صحنايا»، ويضيف: «المنطقة التي أعيش فيها تبدو آمنة حتى الآن، رغم استهداف إسرائيل شقة فيها، ولكننا لا نعرف ما الذي يخبئه المستقبل لنا».
يشير ناصر، وهو رجل في الخامسة والأربعين من عمره، إلى أن حلمه الوحيد في الوقت الحالي أن تبقى أسرته سالمة، وتبقى منطقته بعيدة عن الغارات الإسرائيلية، ويتابع قائلاً: «جهّزنا حقيبة صغيرة ووضعناها عند باب الشقة لنتمكن من حملها والهرب في حال تدهور الأوضاع»، ويضيف: «رغم أننا نعيش في في منزل، نشعر فعلياً بأننا مشردون ننتظر أمر الإخلاء في أية لحظة، ولا توجد لدينا أية خطة واضحة للتعامل مع هذا الأمر».
«جهّزنا حقيبة صغيرة ووضعناها عند باب الشقة لنتمكن من حملها والهرب في حال تدهور الأوضاع»
يصعب تأكيد إجمالي عدد الضحايا من النازحين السوريين جراء العدوان الإسرائيلي المستمر، فيما خلّفت غارة واحدة عشر ضحايا من السوريين في آذار/مارس الماضي، في منطقة البقاع بلبنان.
في جنوب لبنان بالمنطقة الزراعية تعيش مئات الأسر السورية. من بين هذه الأسر عائلة منير، التي تنحدر من ريف الرقة الشمالي، من قرية يصفها الرجل بأنها تحولت إلى «ركام»، ويضيف: «لا مكان يمكننا العيش فيه».
في البداية انتقل منير وعائلته إلى تركيا، وعاش في قرية قريبة من الحدود السورية، قبل أن ترحله السلطات التركية مع عائلته نحو سوريا، فلم يجد حلاً إلا الانتقال إلى لبنان، بصحبة صديقه الذي يداوم على العمل في الزراعة.
يقول الرجل، وهو أب لخمسة أبناء: «بالنسبة لنا أصبحت الأراضي التي نعمل فيها موطننا الذي احتضننا بعد أن لفظتنا سوريا، ورفضت تركيا استقبالنا»، ويضيف: «حتى هذا الموطن الافتراضي قد نُجبر على تركه، ولا نعرف أي طريق نسلك، فجميع الطرق مسدودة أمامنا، لا مكان نعود إليه في سوريا، ولا مكان خارجها، وكأننا لا نستحق حتى أن نعيش على هامش الحياة».