وسط ضجيج «الذباب الإلكتروني» وعمليات الاغتيال المعنوية اليومية التي تضج بها وسائل التواصل الاجتماعي، بات لزاماً على كل صحافيـ/ـة إجراء مراجعة دقيقة لتاريخه/ـا القريب والبعيد، فكل فاصلة قد تصبح «تهمة جاهزة» في أية لحظة يعبر فيها عن رأيه الذي قد لا يعجبهم. و«هُم» مجموعة كبيرة جداً ومتغيرة ومتبدلة بشكل يتوافق مع التغييرات السياسية المستمرة.
تابعتُ قبل أيام عملية «اغتيال معنوي» لكاتب مغمور نبشوا حسابه على «فايسبوك» فوجدوا منشوراً قبل بضع سنوات عبّر فيه عن رفضه للعقوبات التي كانت مفروضة على سوريا، باعتبارها تمس المواطن لا النظام حينها. أصبح رفضه للعقوبات تهمة، وصار مُطالباً بأن يوضح موقفه مراراً وتكراراً، أو أن «يعتذر عما اقترفت يداه».
قبل سقوط نظام بشار الأسد بنحو ثلاثة أعوام، بدأت حملة تضييق غير مسبوقة على الصحافيين والصحافيات، حملة دفعتني إلى هجر «السوشيال ميديا»، والاكتفاء بنشر بعض المنشورات الشخصية فقط، كما دفعتني أكثر للكتابة تحت اسم مستعار، أملاً بالنجاة من تلك الضغوط، كان الأمر أشبه بمغامرة مع كل مقال أو تحقيق أو تعليق.
مع سقوط النظام السابق، وصعود نظام جديد، بدأت، وبحس صحافية سورية عاشت ونمت في ظل نظام ديكتاتوري، أتلمس مساحة الأمان المتاحة، التزمت الصمت بضعة أشهر كي تتضح الرؤية، لا أريد أن أنهي نفسي في «زمن الحرية» بعد أن نجوت من «زمن القمع».
يوماً بعد آخر راحت تتضح «الحدود» التي يجب التزامها، ولم يكن مفاجئاً أبداً أنها تكاد تطابق الحدود التي كان يضعها النظام القمعي الديكتاتوري الذي فرحنا بسقوطه!
من أتقنوا «فنّ التطبيل» سابقاً، نجوا من محرقة الاغتيال المعنوي، كما انضمّت جوقة واسعة إلى هذا «الفن»، حولت مع ضجيجها أية محاولة للاستمرار في الكتابة والمطالبة بالعدالة والحريات والمساواة، واحترام الحقوق، ورفض الاحتلال بشتى أشكاله، ومقاومته، إلى تهم جاهزة يمكن استعمالها عند الحاجة، تبعاً للتغييرات.
لا أريد أن أنهي نفسي في «زمن الحرية» بعد أن نجوت من «زمن القمع»!
هكذا باتت المعادلة شديدة الصعوبة، لم تعد المفاهيم واضحة. «إسرائيل» على سبيل المثال، عدو يحتل أرضنا ويدعم انفصال السويداء، وفي الوقت نفسه من يعاديها ويحاربها يعتبر بالنسبة لشريحة من السوريين عدواً أيضاً. إن أفصحت عن معاداتك لها قد تغدو فجأة «إيرانياً»، أو «فلولاً»، أو ربما «خلية نائمة تحاول زعزعة استقرار البلاد».
كذلك الأمر مع روسيا، تلك «الأرض المباركة» التي جربت مختلف أنواع أسلحتها فوق رؤوسنا، وثبتت قواعدها على أرضنا، لنقف أمامها في حيرة من أمرنا.
يتسع النطاق ليشمل تركيا، وفرنسا التي نحتفل بالاستقلال عنها، والولايات المتحدة الأميركية، «حليفتنا الأكبر» في الوقت الحالي، وهي في الوقت نفسه «تقف وراء حملة "بدنا نعيش"»، كما قررت حملة مضادة لهذا الحراك، الذي «يتبع أجندات "صهيوأميركية"»، كدنا ننسى هذا المصطلح، ولكنه مستمر معنا في فصلنا الجديد!
لا يقتصر الأمر على السياسة الخارجية، فعلى المستوى الداخلي، أصبح حديثنا عن جرائم ارتكبها «جيش الإسلام» أو «الدفاع الوطني» تهمة جاهزة أيضاً! تارة تحت مسمى «الفلول»، وتارة أخرى «لضرب الاستقرار الداخلي».
لكي تنجو صحافية/صحافي اليوم، يُنصح بالكتابة عن أسعار الفروج ربما؟ أوه لا، لا يمكن ذلك أيضاً، فهذا الأمر مرتبط بالاقتصاد الوطني، وأذرعه «الوطنية» الضاربة.
فكرت مرة أن الصمت هو الحل، لكن حتى الصمت قد يغدو تهمة أيضاً، فالصامت «رمادي»، ولا أحد يعرف «وين كان من 14 سنة»، أو ربما التزم الصمت لأنه «من فلول النظام»، وغير سعيد بسقوطه.
أوووف.. ما الحل؟ كيف يمكن لصحافية أن تنجو إذاً؟ ظل هذا السؤال يؤرقني لشهور عديدة، قبل أن أجد أخيراً الحل النهائي: لكي تنجو صحافية عليها أن تتركَ المهنة، وتغير اسمها، ثم تفتح متجراً لبيع منتجات «شي إن»، لكن بعد أن تنتهي أزمة مضيق هرمز.