× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

مظاهرة ضد التجنيد الإجباري في صفوف «قسد» - ريف دير الزور/أرشيف

لماذا فشل تطبيق «الأمة الديمقراطية وأخوّة الشعوب» في شمال وشرق سوريا؟

عقل بارد - على الطاولة 18-05-2026

بين جاذبية الفكرة النظرية وقسوة الأمر الواقع، تحوّل حلم «الأمة الديمقراطية وأخوّة الشعوب» في شمال وشرق سوريا من بديلٍ واعدٍ للدولة القومية إلى تجربة مأزومة. يسعى هذا المقال إلى تفكيك المشهد بعيداً عن الشعارات. كيف التهمت كواليس السياسة وعود الديمقراطية التشاركية؟ ولماذا عجزت «أخوّة السلاح» عن التحول إلى سلام اجتماعي مستدام؟

طُرحت فكرة الأمة الديمقراطية وأخوّة الشعوب بوصفها بديلاً جذرياً للدولة القومية، ونموذجاً يتجاوز الانقسامات الإثنية والدينية نحو صيغة تعايش تشاركي لا مركزي. غير أن هذه الرؤية، برغم جاذبيتها النظرية، واجهت عند تطبيقها في شمال وشرق سوريا واقعاً شديد التعقيد، وُلد في خضم الحرب والدمار، ما جعلها تتعثر وتفقد قدرتها على التحوّل إلى نموذج مستقر أو مقبول على نطاق واسع. 

لفهم هذا الإخفاق، لا بد من تفكيك التجربة عبر مجموعة من العوامل المتداخلة التي تفاعلت معاً وأعاقت تحققها.

الفجوة بين النظرية والتطبيق

تمثّلت أولى الإشكاليات في الفجوة بين النظرية والتطبيق. فالمفهوم الذي صاغه عبد الله أوجلان، المفكر الكوردي المؤسس لحزب العمال الكردستاني (PKK)، انطلق من نقد عميق للدولة القومية، داعياً إلى شراكة متساوية بين المكونات ضمن مجتمع لا مركزي تشاركي. 

لكن عند الانتقال من عالم الأفكار إلى أرض الواقع في سوريا، اصطدمت الرؤية ببيئة معقّدة مليئة بالانقسامات والحروب، فاتسعت الفجوة بين الخطاب الطَموح والممارسة اليومية.

شعر كثير من السكان، لا سيما العرب، بأن السلطة الفعلية تتركز بيد حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، المرتبط فكرياً بحزب العمال الكردستاني، ما جعل المشروع في نظرهم غطاء أيديولوجياً لهيمنة سياسية ذات مرجعية كوردية، وليس إطاراً جامعاً ومفتوحاً للجميع، وهنا بدأ الشك يتسلل إلى جوهر المشروع نفسه.

الطابع الحزبي ومركزية السلطة

المشكلة البنيوية الثانية، هي الطابع الحزبي للسلطة. برغم وجود هياكل إدارية ومجالس محلية، بقيت الكلمة العليا مرتبطة بحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) وشبكاته العسكرية والأمنية. ومع الوقت، بدا أن اللامركزية المعلنة تخفي نوعاً من المركزية الصلبة، ما جعل الكثيرين يرون أن المشروع فشل في تجاوز منطق الحزب الواحد، وهو ما يتناقض جوهرياً مع روح الديمقراطية التشاركية والمجتمع المفتوح التي يفترض أن يدعو إليها. 

لقد تحول حلم المواطنة الديمقراطية إلى واقع مرير من حكم الأمر الواقع الذي يقوده تنظيم سياسي واحد، ما أضعفَ الثقة بالمشروع وكرّس الانطباع بأنه لا يعبّر عن جميع المكونات بقدر ما يديرها.

معضلة الهوية والانقسام المجتمعي

على المستوى الاجتماعي، اصطدمت فكرة «أخوّة الشعوب» بحقائق الهوية في منطقة تشكّل فسيفساء معقّدة من العرب والكورد والسريان وغيرهم. إذ لم تكن هذه الهويات مستعدة للتخلّي عن نفسها لصالح هوية جديدة عابرة للقوميات خلال مدة قصيرة. 

من جهة، نظر العرب إلى المشروع بريبة بوصفه ذا منشأ كوردي، وهو ما تجلّى في رفض عشائري واسع في دير الزور العام 2023، عُدَّ تعبيراً عن الإقصاء والهيمنة. ومن جهة أخرى، شعر بعض الكورد أن المشروع، بسعيه إلى تجاوز القومية واستخدام مصطلحات مثل «شمال وشرق سوريا» بدلاً من «كوردستان سوريا»، لم يلبِّ تطلعاتهم القومية بل همش هويتهم. 

هكذا وجد المشروع نفسه عالقاً بين رفض قومي عربي يخشى التهميش، وفتور قومي كوردي يراه تنازلاً، ما أبقى الانتماءات التقليدية أقوى من الهوية الجديدة المقترحة.

إضاءة: الجذور الفكرية للمفهوم (من الماركسية إلى بوكتشين)
قد يبدو غريباً أن تنبت فكرة «الأمة الديمقراطية» العابرة للقوميات في رحم حزب عُرف تاريخياً بنزعته القومية الكوردية الماركسية-اللينينية الصارمة (حزب العمال الكردستاني PKK). فكيف حدث هذا التحول الفكري؟

الأب الروحي غير المتوقع: يعود الأصل الفكري للمشروع إلى عالم الاجتماع والفيلسوف الأمريكي موراي بوكتشين (Murray Bookchin)، رائد نظرية "البيئة الاجتماعية" والـ "البلدية التحررية" (Libertarian Municipalism)، والذي كان يدعو إلى تفكيك الدولة المركزية واستبدالها بشبكات من المجالس المحلية المستقلة كحل للأزمات البيئية والسياسية.

التحول داخل السجن: بعد اعتقاله عام 1999، عكف عبد الله أوجلان في سجنه بتركيا على قراءة مؤلفات بوكتشين. أحدثت هذه القراءات تحولاً جذرياً في فكره، ليعلن تخلّي الحزب عن هدف "تأسيس دولة كوردية مستقلة"، مستعيضاً عنه بمفهوم «الكونفدرالية الديمقراطية».

الركائز الثلاث للنظرية: يقوم النموذج الفكري الذي طُبّق في شمال وشرق سوريا على ثلاث ركائز أساسية صاغها أوجلان متأثراً ببوكتشين:

الديمقراطية الراديكالية (الكومينات): إدارة المجتمع من الأسفل إلى الأعلى عبر مجالس الأحياء والقرى.

تحرر المرأة (Jineology): علم المرأة الذي يرى أن حرية المجتمع مستحيلة دون كسر الهيمنة الأبوية.

البيئة والمجتمع الإيكولوجي: تحقيق التوازن بين الإنسان والطبيعة وضد الرأسمالية الاستهلاكية.

المفارقة التاريخية: بينما صُممت النظرية في الأصل لتكون فلسفة «مناهضة للدولة وللسلطة المركزية»، وجدت التجربة نفسها في سوريا مضطرة لبناء أجهزة أمنية، وجيش نظامي، ومؤسسات بيروقراطية لإدارة منطقة نفوذ واسعة، مما خلق «انفصاماً» فكرياً بين الفلسفة اللاسلطوية وواقع حوكمة الأمر الواقع.

أولوية المنطق العسكري على حساب المدني

لعبت ظروف الحرب دوراً حاسماً في تقويض التجربة، فالنموذج الذي يفترض مشاركة مجتمعية واسعة يحتاج بيئة مستقرة، بينما قامت التجربة وسط صراع مفتوح وتهديدات أمنية دائمة وأزمات اقتصادية خانقة. 

في مثل هذه السياقات، تميل السلطة بطبيعتها إلى التشدد والمركزية، ويتقدم المنطق العسكري على أي طموح ديمقراطي. وقد ازداد هذا الميل تحت وطأة التهديدات المستمرة، خصوصاً مع وجود خطر دائم من تدخلات قوىً خارجية، وفي مقدمتها تركيا التي نظرت إلى التجربة بوصفها تهديداً مباشراً وسعت مراراً إلى تقويضها. 

في ظل هذا الواقع، بدا تركيز قوات سوريا الديمقراطية (قسد) على الجانب العسكري، إلى حدّ كبير، خياراً دفاعياً أكثر منه توجهاً سياسياً بحتاً.

ومع ذلك، أدى هذا الواقع إلى نتيجة واضحة: طغيان الدور العسكري على حساب تطوير المؤسسات المدنية، فتحوّل المشروع من بناء أمة ديمقراطية إلى إدارة منطقة نفوذ في سياق صراعي، ما أعاد إنتاج منطق القوة الذي جاء أصلاً لتجاوزه. وقد أثبتت «أُخوّة السلاح» في مواجهة تنظيم داعش نجاحها النسبي، لكنها فشلت في التحوّل إلى أخوّة سياسية واجتماعية في زمن السلم، فحالما خفّت حدّة الخطر وبرزت قضايا تقاسم السلطة والثروة، عادت الانقسامات إلى الواجهة، وبقيت فكرة الشراكة موضع تشكيك.

أزمة الشرعية بين الداخل والخارج

الإدارة التي نشأت كسلطة أمر واقع، مستندة إلى فراغ السلطة والحرب ضد تنظيم «داعش» الإرهابي، لم تنجح في تحويل شرعيتها العسكرية إلى شرعية سياسية راسخة. 

على المستوى الداخلي، بقيت فكرة الشراكة موضع تشكيك، خاصة مع بروز احتجاجات وتوترات في مناطق عربية كشفت هشاشة التماسك الداخلي. وعلى مستوى أوسع، واجه المشروع معضلة الشرعية الوطنية السورية، فبينما قُدّم بوصفه بديلاً يتجاوز الدولة القومية، ظل يعمل داخل دولة لم تنهر كلياً في وعي سكانها، ما جعله يبدو لكثيرين كياناً منفصلاً أكثر من كونه مشروع إصلاح داخلي. وقد تفاقمت هذه العزلة مع إعلان العقد الاجتماعي الذي نظر إليه كثيرون كخطوة نحو الانفصال، ما زاد من رفض جميع الأطراف السورية الأخرى له.

البيئة الإقليمية والدولية المعادية

يأتي العامل الخارجي ليضاعف هذه التحديات. وُضع المشروع تحت ضغط إقليمي شديد، خصوصاً من تركيا التي رأت فيه تهديداً مباشراً وعملت على تقويضه عسكرياً وسياسياً، وصولاً إلى إلغاء الانتخابات المحلية في شمال وشرق سوريا. 

في المقابل، جاء الدعم الدولي، لا سيما الأميركي، محدوداً ومشروطاً، ومرتبطاً بمحاربة «داعش» أكثر من دعمه بصفته خياراً سياسياً. 

هذا التناقض جعل المشروع معلّقاً بين عداوة إقليمية واحتضان دولي غير مكتمل، ما أفقده الاستقرار والاعتراف. ومن جهة أخرى، لم يحظَ المشروع بأي اعتراف دبلوماسي جادّ من الدول العربية أو القوى الكبرى، ما جعله محاصراً ومعزولاً، وعزز نظرة كثير من السوريين إليه بوصفه كياناً منفصلاً عن الدولة الأم، لا خطوة إصلاحية ضمن إطارها.

دروس من تجربة طموحة

في المحصلة، لم يكن فشل «الأمة الديمقراطية وأخوّة الشعوب» في شمال وشرق سوريا فشلاً حتمياً للفكرة النظرية بقدر ما كان نتاج اصطدامها بأرض معقّدة ومحاصرة. 

وربما كشفت هذه التجربة حقيقة أوسع: المشاريع الكبرى التي تسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع لا تكفي فيها العدالة النظرية وحدها، بل تحتاج إلى زمن طويل، وتوافق اجتماعي واسع، ومؤسسات حيادية، وبيئة مستقرة تسمح لها بالنمو الطبيعي. 

من دون هذه الشروط، تظل الشعارات قادرة على الإقناع في الكتب، لكنها تتعثر عندما تحاول أن تعيش بين الناس أو تسير على أرض الواقع.

نظرية_الأمة_الديمقراطية أخوّة_الشعوب تجربة_الإدارة_الذاتية

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0