في لحظات الارتباك الجماعي، لا يبحث الإنسان دائماً عن تفسير دقيق بقدر ما يبحث عن تفسير ممكن، تفسير يمنحه حداً أدنى من التماسك الداخلي، حتى لو كان هشاً. في هذا السياق، يمكن فهم حضور عبارة «نحن في مرحلة انتقالية» في الخطاب السوري اليومي، فعندما لا يدرك الإنسان ما يجري حوله، ولا يرى سوى أن خيوط القضية متشابكة بلا أفق واضح للحل، ينهمك في البحث عن تفسير ينتشله من التخبط النفسي الذي يغرق فيه باستمرار. في هذه الحالة، لا يعود التفسير مجرد محاولة للفهم، بل يصبح وسيلة للتماسك في واقع لم يعد فيه الفهم شرطاً للاستمرار.
حين يختل المعنى
هكذا، تبدو عبارة «نحن في مرحلة انتقالية» أشبه بأفيون يخلق من خلاله الإنسان متكأ نفسيّاً أمام ثقل الواقع، كأنه يختار ما يمكن احتماله على ما يمكن فهمه. ورغم أن العبارة لم تعد تقنع كما في السابق، فهي لم تختفِ، ما زالت تُقال وتُسمع كلما أُشير إلى معضلة أو حدث، في الخطاب العام والأحاديث اليومية، حتى في اللحظات التي يبدو فيها الجميع مدركاً لعدم كفايتها، وكأنها الإجابة الجاهزة الوحيدة بعد أن فقدت قدرتها على الإقناع.
نحن أمام عبارة لا تُستخدم للإجابة بقدر ما تُستخدم لتأجيلها، ففي كثير من الأحيان، تُقال في نقاشات يومية كأنها كافية لإنهاء السؤال بدل مواجهته، تأتي في نهاية الحديث لا في بدايته، لتضع حداً للمساءلة بدل أن تبقيها مفتوحة، وهو ما يحولها من محاولة لقراءة الواقع إلى طريقة ذكية لتجاوزه والهروب منه.
بين التحمل والعجز
كثيراً ما يجد الإنسان نفسه مجبراً على الاستمرار ضمن شروط لا يملك أدوات تعديلها، عاجزاً عن إحداث التغيير، في وقت تكلفه فيه مراجعة مواقفه عبئاً نفسياً باهظاً. هنا، تتخذ العبارة بُعداً سياسياً واجتماعياً يُستخدم لتبرير الواقع لا لفهمه، وتخفيف حدة التناقض الصارخ بين ما يقال وما يُعاش. فالإنسان الذي تكالبت عليه الظروف لسنوات طويلة لا يستطيع تحمّل هذا التناقض إلى ما لا نهاية، فيعمد إلى تبني هذه المقولة الجاهزة لأنها تمنحه إحساساً بأن هناك ما يمكن الاتكاء عليه، حتى لو كان المتكأ قشاً رقيقاً.
الغريب أن العبارة باتت تخرج تلقائياً حتى من أفواه غير المقتنعين بها، كأنها أصبحت جزءاً من «ميكانيزم» الكلام اليومي لا موقفاً فكرياً. إنها لا تُقال لإقناع الآخرين، بل لإقناع الذات، أو لتسكين قلق داخلي يهمس بأن الأمور لا تسير كما ينبغي؛ لذا، فإن انتشارها ليس دليلاً على انتصارها الفكري، بل على قدرتها العالية على تخفيف التوتر العام.
معنى مؤقت ضد الفراغ
يمكن النظر إلى هذه المقولة المستهلكة بوصفها «حبة مسكّن» مؤقتة، وفي ظل غياب بديل شافٍ، يبقى وجود أشباه المعاني أهون على النفس من مواجهة الفراغ المطلق. تمنح العبارة شعوراً وهمياً بالسيطرة، وتزيح عن كاهل الفرد عبء محاولة فهم واقع قد يقود استيعابه إلى توتر نفسي أعمق وأكثر حدة.
ولا يتوقف الأمر عند التخفيف النفسي، إذ تتحول الصيغة في الخطاب العام إلى أداة مريحة تتيح للسلطة أو النخب تأجيل المساءلة وتبرير أوجه القصور. وتكتسب هذه الجاهزية جاذبيتها كلما بدا الواقع أكثر سريالية وتناقضاً، وكلما تراجع احتمال العثور على تفسير حقيقي.
ما لا يختفي
إن خروج السوريين إلى الحياة بعد سنوات طويلة من القمع والخوف، ليجدوا أنفسهم أمام تحديات كبرى تتعلق ببناء الدولة من جهة، وإعادة بناء الإنسان وتضميد جراحه من جهة أخرى، جعل الكثيرين يشعرون بالضياع وفقدان البوصلة أمام كمّ المشكلات التي تفوق قدرتهم على الاحتمال.
بناءً على ذلك، لم تعد المشكلة في مدى صدقية هذا التفسير، بل في خطورة غيابه، فحتى حين يفقد معناه، يبقى حضوره أقل قسوة من مواجهة العدم. لا يحتمل الإنسان أن يعيش بلا تفسير، ولهذا -ربما- لا تختفي عبارة «نحن في مرحلة انتقالية» رغم كل ما فقدته من بريق، إنها لا تستمر لأنها تفسّر الواقع، بل لأنها تمنح معنى مؤقتاً في لحظة تاريخية يغيب فيها كل معنى.