تعلّمنا في بلادنا، وبالطريقة الصعبة، أن لأي مشكلة أساساً خارجياً قوياً، دون أن يكون وحيداً. فعادةً ما يكون الأساس الداخلي هو الأعمق، وهو ما لا تريد الاعتراف به السلطات المختلفة في عالمنا العربي، إذ يقتصر الأمر غالباً على صراع «الكرسي»، في غياب شبه كامل لأي مشروع سياسي وطني جامع يمتص أزمات المجتمعات ويحمي شبابها.
يتحدث الفيلم التونسي القصير «إخوان» للمخرجة مريم جبور، عن مالك التونسي، الابن الأكبر في عائلته، الذي التحق بتنظيم «داعش» المتطرف في سوريا. يُركز الفيلم على جزئية في غاية الأهمية، وهي كيف تعامل الأب مع الابن الذي ذهب لـ «نصرة إخوته المؤمنين».
لم يفهم الأب كيف حاول ابنه، التائب والعائد من تجربة في غاية السواد والمرارة والمأسوية، حماية طفلة سورية أُجبرت على كلّ ما تُجبر عليه كثير من النساء في ظل السلطات المتطرفة دينيّاً، وظل الابن في نظر أبيه «مذنباً مجرماً».
في نهاية الفيلم، الذي صورت مخرجته نسخةً طويلة منه بعد نحو سنتين بعنوان «ماء العين»، لم يستطع الأب مسامحة ابنه رغم إدراكه أنه تزوج الطفلة لحمايتها وتهريبها إلى تونس، في تضحية إنسانيّة بعيدة كل البعد عن أفكار «داعش» والتنظيمات المشابهة. وهكذا اعتُقل مالك من قبل الأمن التونسي بعد وشاية أبيه به.
أما في رواية «لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة»، للكاتب السوري الراحل خالد خليفة، فيسرد الأخ الصغير قصص عائلته الحلبية، لا سيما قصة أخيه الأكبر رشيد، الذي انضم إلى «المجاهدين» في العراق، مدفوعاً بحماس ألهبته خطب الشيخ الشهير أبو القعقاع، حين كانت مخابرات النظام السوري تلعب ورقة «الجهاديين» لسنوات. كيف انتهى الأمر برشيد؟ عقب عودته حياً من العراق، شنق نفسه في البيت بعد أن انقطعت به الحياة وقتلت في نفسه غايتها.
وعلى نقيض نهاية رشيد الانكسارية، يبدو لافتاً تتبع مسار شخصيات واقعية وظّفت هذا المناخ، كالرئيس السوري للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع (أمجد النعيمي/أوس الموصلي/الفاتح/أبو محمد الجولاني)، الذي يمثل نموذجاً للبراغماتية العنيفة، إذ سلك البدايات ذاتها: انضم إلى «الجهاد في العراق» ثم اعتُقل، ثم خرج. ثم مع بداية اشتعال الساحة السورية دخلها موفداً من زعيم تنظيم «داعش»، وأسس «جبهة النصرة»، ثم انشق عن التنظيم، وأعلن تبعية جماعته لتنظيم «القاعدة» المتطرف، ثم انشق عنه، مغيّراً خطابه، وأعداءه على طول الخط وفقاً لمتطلبات المراحل السياسية والميدانية.
تختلف أسباب انخراط الشباب في الحركات الراديكاليّة بين نموذج وآخر، فمنها ما هو «أصلي ومُتجذّر»، ومنها ما هو ظرفي
ثمة قصة أخرى، حقيقية هذه المرة وأكثر شهرة، تفكك تحولات الإنسان المدفوع بالانفعال والمظلومية، وهي قصة عبد الباسط الساروت، حارس المرمى الذي حظي بشعبية هائلة وسُمّي «بلبل الثورة السورية». تنقل الساروت تحت وطأة الحصار الساحق وفقدان أفراد من عائلته في الحرب، بين فصائل متعددة وبايع تنظيمات متطرفة، وفي خضم هذا التخبط ردد أغنيات طائفيّة تحمل وعيداً بالذبح والإبادة، قبل أن تنتهي حياته مقتولاً في المعارك.
لا شك في أن أسباباً مختلفة تقف وراء انخراط الشباب في الحركات الراديكاليّة، منها ما هو «أصلي ومُتجذّر»، ومنها ما هو ظرفي.
مالك، ورشيد، وعبد الباسط، نماذج لشبان عرب، ينتمون إلى الطائفة السنّية، وجدوا أنفسهم ينخرطون في تنظيمات متطرفة، تحت مسميات مختلفة، مثل مقاومة الاحتلال، وثورة ضد الظلم، أو حتى نُصرة الطائفة. لكن هل حصل كل ذلك فجأة؟ بالطبع لا، لقد سلك كلّ منهم مساراً متدرّجاً، مدفوعاً بظروف وتأثيرات عديدة، يُغذيها ما تُمكن تسميته مجازاً «الإحباط السنّي»، وهو مناخ مشحون بمظلومية تراكمت بشكل خاص منذ تحميلهم وزر أحداث11 أيلول/سبتمبر، وما تلاها من من الحرب الأميركية ضد نظام طالبان في أفغانستان، وإسقاط النظام العراقي بقيادة صدام حسين، (الذي يُلقب حتى اليوم بأسد السنة)، ثم اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، ثم رُبطت به المقتلة السورية لتوظيف المجازر في سياق طائفي بحت، واختزال الصراع الوطني الشامل في مظلومية طائفية ضيقة تضمن سهولة الحشد والتجنيد، وأجادت التنظيمات المتطرفة استغلاله لتقديم نفسها كمخلص وحيد لشباب يعاني التهميش وانسداد الأفق السياسي تحت وطأة الاستبداد.
لقد خسرنا هؤلاء الشباب بالفعل ـ وهنا لا أدافع عن سلوكهم بل أحاول تفكيك سياقهم ـ بينما أصر الكثير منا على الاكتفاء بنعتهم بـ«الإرهابيين» و«المتطرفين» دون طرح السؤال الجوهري: هل ولدوا هكذا؟ أم أن هناك مطاحن ممنهجة جرت الشباب العربي ليقتل بلاده ويقسمها ويهديها للآخرين؟
وفي غمرة انشغالنا بالفرجة على مآسينا وتخوين بعضنا البعض، تاهت القضية الأساسية، ووصلنا إلى واقع سياسي مشوه ومأزوم، بات فيه التواصل مع «إسرائيل» أسهل من تشكيل حكومة تمثل كل السوريين، في نتيجة حتمية لغياب المشروع الوطني الجامع، والارتهان الكامل للخارج الذي استثمر في ضياع طاقات الشباب وتفتيت البلاد.