× الرئيسية
ملفاتنا
المستشارة
النشرة البريدية
تَواصُل
من نحن
اختر محافظة لتصفح المقالات حلب
الرقة
الحسكة
دير الزور
اللاذقية
طرطوس
إدلب
حماة
حمص
دمشق
القنيطرة
درعا
السويداء
ريف دمشق

من عمليات تشكيل مجلس الشعب في الحسكة قبل أيام / سانا

هندسة العبث: كيف تُصنع «ديمقراطية الواجهة» في الانتخابات السورية؟

عقل بارد - على الطاولة 28-05-2026

في النسخة السورية من الديمقراطية، الشعب لا ينتخب أحداً، بل «يُنتخب عليه»! سبعة آلاف شخص فقط يقررون شكل برلمان يُفترض أنه يمثل ملايين السوريين والسوريات في الداخل والشتات. كيف تتحول صناديق الاقتراع إلى ماكينة تعيينات فوقية؟ ولماذا يسقط «نموذج لينين» للفضح من الداخل أمام بنية الاستبداد؟

تُجرى الانتخاباتُ كي يختارَ الشعب ممثليه، هذا في الدول التي تحترم الحد الأدنى من الديمقراطية. أما في النسخة السورية، فالمطلوب من الشعب أن يصفقَ لعمليةٍ تختار فيها السلطةُ نفسَها بنفسِها.

ما حصل  في محافظتي الحسكة والرقة والمدن التابعة لهما، بالإضافة إلى عين العرب/كوباني - بعد أن جرت الانتخابات في باقي المحافظات باستثناء السويداء - لا يشبه الانتخابات إلا بالاسم. هي عمليةٌ قائمةٌ على نزع جوهر الاقتراع، وتحويله إلى سلسلةٍ طويلةٍ من التعيينات والاختيارات الفوقية المغلقة، بينما يبقى المواطن خارج اللعبة.

لا تتعلق المشكلةُ، فقط، بتعيين الرئيس الانتقالي ثلثَ أعضاء المجلس (70 من أصل 210)، المشكلة الأعمق أن الثلثين الآخرين، أيضاً، لا ينتخبهما الشعب فعلياً، بل هيئاتٌ ناخبةٌ تُختَار، بدورها، من لجان عليا، خاضعةٍ للبنية السلطوية. الشعب لا ينتخب أحداً، بل «يُنتخب عليه».

الأشد بؤساً، أن هذه «العملية الوطنية الكبرى»، لا يشارك فيها عملياً سوى نحو سبعة آلاف شخص فقط، لتقرير شكل مجلسٍ يفترض أنه يمثل ملايين السوريين والسوريات، أي ما يعادل ثلاثة أشخاص من كل عشرة آلاف سوري. ناهيك بأن الكتلة البشرية الهائلة في المغتربات والمخيمات، بل والغالبية داخل سوريا، هم أصلاً، خارج العملية من بدايتها إلى نهايتها.

هل يصلح «نموذج لينين» للحالة السورية؟

هنا يبرز السؤال الذي يطرحه بعض المعارضين: هل تُمكن المشاركة في مثل هذه البرلمانات لفضحها من الداخل، كما دعا لينين يوماً؟

نظرياً، تبدو الفكرة مغرية. فالمشاركة قد تمنح المعارض فرصةً لاستخدام البرلمان منبراً لكشف التناقضات وفضح السلطة أمام الرأي العام، لتحريض الجماهير وكشف طبيعة النظام.

ما هو «نموذج لينين» البرلماني؟
يعود هذا التكتيك السياسي إلى الكتيب الشهير الذي أصدره زعيم الثورة البولشفية الروسية، فلاديمير لينين، عام 1920 بعنوان «الشيوعية اليسارية: مرض طفولي». في ذلك الوقت، كان هناك تيار راديكالي معارض يدعو إلى مقاطعة البرلمانات الأوروبية «البرجوازية» باعتبارها مؤسسات رجعية وفاسدة ولا طائل منها.

فلسفة لينين في المشاركة
جادل لينين بأن المقاطعة خطأ استراتيجي طالما أن الجماهير العادية لا تزال تؤمن بالبرلمان وتنتظر منه حلولاً. ورأى أن على المعارضة الدخول إلى هذه البرلمانات الرجعية لتحقيق هدفين:

  • المنبر العلني: استخدام الحصانة والمنبر البرلماني لإيصال صوت المعارضة الراديكالية إلى ملايين المواطنين عبر وسائل الإعلام التي تغطي الجلسات.
  • الفضح من الداخل: تعرية كذب وتناقضات النخب الحاكمة من قلب مؤسساتها، وتسريع انهيار شرعيتها أمام الرأي العام.

عقدة المنشار في الأنظمة الشمولية
اشترط لينين لنجاح هذا التكتيك وجود «هامش حريات متبقٍّ» يسمح للمعارض بالحديث دون تصفية، و«إعلام ينقل ما يدور». وبغياب هذين الشرطين في الأنظمة الشمولية الحديثة، يتحول تكتيك لينين إلى فخ، إذ تُستغل المشاركة لمنح «صك شرعية مجاني» للسلطة.

لكنّ إسقاط هذا النموذج على الحالة السورية يصطدم بواقع مختلف تماماً. ففي الأنظمة التي استند إليها هذا التكتيك، كان بإمكان معارضة حقيقية الوصول إلى البرلمان وتشكيل كتل سياسية علنية. أما في النموذج السوري الحالي، فهندسة العملية الانتخابية نفسها تمنع وصول أي معارضٍ فعلي منذ البداية. فالتصفية تحدث قبل الاقتراع، لا بعده، والمرشح المقبول هو، عملياً، ذلك الذي لا يشكل خطراً على البنية القائمة.

علاوة على أنّ عمليّة «الفضح من الداخل» تحتاج إلى منبرٍ يُسمع. فما قيمة خطابٍ معارضٍ إذا كان الإعلام محكوماً بسقفٍ صارم لا يسمح بوصوله إلى الناس؟ لهذا ترى قوىً معارضة عديدة أنّ المشاركة هنا لا تؤدي إلى «فضح المسرحية»، بل إلى منحها شرعيةٍ إضافية، وكأن السلطة تقول للعالم: «انظروا، حتى المعارضة شاركت».

ما البديل؟

لا يكفي النقد، ولا الرفض، فالشارع السوري بحاجة إلى تصوّرٍ بديلٍ واضح. هنا يمكن طرح نموذجٍ يقوم على ثلاثة عناصر أساسية:

  • أولاً: دائرةٌ انتخابيةٌ واحدةٌ على كامل التراب السوري. هذا يحل مشكلة التمثيل المشوه الذي تنتجه الدوائر الصغيرة، حيث يسهل التحكم بالنتائج محلياً. ففي الدائرة الواحدة، كل صوت متساوٍ في تأثيره مع سائر الأصوات، بغض النظر عن مكان الناخب، مما يجعل التزوير الجزئي أقل جدوى.
  • ثانياً: نظامٌ نسبيٌّ صرفٌ على أساس قوائم حزبيةٍ وبرامج واضحة. فبدلاً من نظام الأغلبية الذي يكرس هيمنة طرف واحد، يتيح النظام النسبي تمثيل التنوع السياسي والمناطقي الطبيعي في سوريا، ويشجع على تشكل أحزابٍ برامجيةٍ لا على الولاءات الشخصية أو العشائرية. 
  • ثالثاً: مشاركةٌ حقيقيةٌ للملايين داخل البلاد وخارجها. فالشتات السوري يُعدّ جزءاً من نسيج البلاد. دفع ثمناً باهظاً للحرب والنزوح. وحرمانه من التصويت يعني إقصاء شريحةٍ واسعةٍ عن تقرير مستقبل البلاد.

يفترض هذا التصور، سلفاً، هيئةً مستقلةً لإدارة الانتخابات، وسقفاً من الحريات الأساسية. وهنا يكمن التحدي، فالنظام القائم لن يقبل بنظامٍ انتخابي عادل، لأنه سيهدد احتكار السلطة.

«الديمقراطية» السوريّة

يبدو أن الرهان، اليوم، لم يعد على «منبر البرلمان»، بقدر ما أصبح على الفضاء المفتوح خارج الجدران الرسمية. فالعالم الرقمي أتاح إمكاناتٍ هائلةً لكشف الفساد، وتوثيق الانتهاكات، وبناء وعيٍ جماعيٍّ عابرٍ للرقابة التقليدية.

كما أن بناء جبهاتٍ سياسيّةٍ واسعةٍ تضم مختلف التيارات الرافضة لتحويل الديمقراطية إلى ديكور، قد يكون أكثر جدوى من التنافس على مقاعد داخل مؤسسةٍ صُممت مسبقاً كي لا تغيّر شيئاً. وربما لهذا السبب تحديداً، تبدو المعركة اليوم أبعد من مجرد مقاعد برلمانية، وأقرب إلى صراع على معنى السياسة نفسها: من يحكم؟ ومن يقرر؟ ومن يملك حق تمثيل السوريين فعلاً؟

في المحصلة، ليست المشكلة في وجود انتخابات، بل في وجود انتخابات بلا ناخبين حقيقيين، وبرلمان بلا تمثيلٍ فعليّ، وسياسةٍ بلا شعب. وحين يصبح المواطن مجردَ متفرجٍ على عمليةٍ تُدار باسمه، من دون أن يكون له أي تأثير فيها، فالسؤال الواجب الطرح ليس: «من سيفوز؟»، وإنما: هل ما يجري يستحق اسم «الانتخابات» أصلاً؟

مجلس_الشعب_السوري المرحلة_الانتقالية_في_سوريا

لديك تصويب أو ملاحظة؟ تفضل/ي بالتعرف إلى محررة القراء والتواصل معها

مقالات رائجة

This work by SOT SY is licensed under CC BY-ND 4.0